وطن-تتجه أنظار إسرائيل إلى الانتخابات الرئاسية البرازيلية المقررة في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، في ظل منافسة حادة بين الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا والمرشح اليميني فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو.
وتكتسب الانتخابات أهمية خاصة بالنسبة إلى العلاقات بين البرازيل وإسرائيل، بعدما أعلن فلافيو خلال حملته الانتخابية توجهات أكثر تقارباً مع تل أبيب، في وقت تشهد فيه علاقات حكومة لولا مع إسرائيل توتراً حاداً بسبب الحرب في قطاع غزة.
وفي يوليو/تموز الماضي، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في رسالة مصورة عُرضت خلال المؤتمر الذي أعلن رسمياً ترشيح فلافيو للرئاسة، وهنأه على إطلاق حملته، واصفاً إياه بأنه «بطل للبرازيل» و«بطل للصداقة بين الشعبين».
وجاء ظهور نتنياهو في مناسبة انتخابية برازيلية بوصفه دعماً علنياً لمرشح أعلن بدوره رغبته في إعادة بناء علاقة وثيقة مع إسرائيل.
فلافيو يتعهد بنقل السفارة إلى القدس
لم يكتف فلافيو بولسونارو بإعلان دعمه لتقوية العلاقات مع إسرائيل، بل قال في يونيو/حزيران إنه في حال انتخابه رئيساً سيعمل على نقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس، وإعادة تعيين سفير برازيلي في إسرائيل.
وقال فلافيو آنذاك إن البرازيل، اعتباراً من عام 2027 في حال فوزه، ستعود إلى مستوى أعلى من التحالف مع إسرائيل، مؤكداً أن نقل السفارة إلى القدس سيكون جزءاً من هذا التوجه.
وفي سبتمبر/أيلول، واصل المرشح التأكيد على هذا المسار، معلناً أنه يعتزم زيارة إسرائيل في بداية أي ولاية رئاسية له، في خطوة تشبه زيارة والده جايير بولسونارو إلى إسرائيل في 2019.
كما برز اسم «اتفاقات إسحاق» في النقاش المتعلق بالسياسة الخارجية البرازيلية. والمبادرة أطلقتها إسرائيل والأرجنتين في أبريل/نيسان 2026، وتهدف إلى توسيع التعاون بين إسرائيل والأرجنتين ودول أخرى في نصف الكرة الغربي في مجالات الأمن والتجارة والتكنولوجيا ومواجهة الإرهاب.
نتنياهو يدخل على خط الحملة
رسالة نتنياهو إلى فلافيو خلال مؤتمر الحزب الليبرالي في ساو باولو حملت دلالة سياسية واضحة، خصوصاً أنها جاءت في مناسبة إطلاق الترشيح الرسمي للمرشح اليميني.
وقال نتنياهو في الرسالة إن فلافيو «صديق»، وإنه يمثل «الصداقة بين الشعبين»، متمنياً له النجاح في حملته. وقد بثت الرسالة على شاشة كبيرة أمام أنصار المرشح خلال المؤتمر الانتخابي.
ويأتي هذا الدعم في سياق علاقة وثيقة بين عائلة بولسونارو والتيار اليميني البرازيلي وإسرائيل، وهي علاقة تعززت بصورة واضحة خلال رئاسة جايير بولسونارو بين عامي 2019 و2022.
لكنها لم تبدأ مع بولسونارو وحده، إذ تمتد العلاقات الأمنية والدفاعية بين البرازيل وإسرائيل إلى عقود سابقة، وشهدت توسعاً في التعاون العسكري والتكنولوجي خلال حكومات مختلفة.
العلاقات العسكرية تتجاوز الانقسام بين اليمين واليسار
تعد الصناعات العسكرية واحدة من أبرز المجالات التي حافظت فيها العلاقات البرازيلية الإسرائيلية على قدر من الاستمرارية، رغم التغيرات السياسية في برازيليا.
وتبرز في هذا السياق شركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية، التي ترتبط بحضور طويل في البرازيل من خلال شركة «إيه إي إل سيستمز» المتخصصة في إلكترونيات الطيران.
كما دخلت البرازيل في السنوات الأخيرة في صفقات ومفاوضات عسكرية مع شركات إسرائيلية. ومن أبرز الملفات صفقة لشراء 36 مدفعاً ذاتي الحركة من طراز «أتموس 2000» بقيمة نحو 210 ملايين دولار من «إلبيت سيستمز». وكانت الصفقة قد جرى تجميدها وسط الخلاف السياسي حول الحرب في غزة، من دون أن يعني ذلك أن العلاقات الدفاعية بين البلدين توقفت بالكامل.
ويشير هذا المسار إلى أن التعاون العسكري بين البلدين لا يرتبط حصراً بفترة حكم جايير بولسونارو، بل يمتد إلى مؤسسات الدولة والجيش وقطاع الصناعات الدفاعية.
لولا.. سياسة أكثر انتقاداً لإسرائيل
في المقابل، اتخذ لولا موقفاً شديد الانتقاد للحكومة الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في غزة. ووصف الرئيس البرازيلي العمليات الإسرائيلية في القطاع بأنها إبادة جماعية، كما انضمت بلاده إلى القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
وتفاقم الخلاف الدبلوماسي بين برازيليا وتل أبيب بعد تصريحات لولا التي قارن فيها ما يحدث في غزة بجرائم المحرقة النازية، وهو ما دفع إسرائيل إلى إعلان أن الرئيس البرازيلي شخص غير مرغوب فيه.
وفي عام 2024، سحبت البرازيل سفيرها من تل أبيب، لتتراجع العلاقات بين البلدين إلى مستوى قائم بالأعمال.
وبذلك أصبحت السياسة تجاه إسرائيل واحدة من الملفات التي تكشف الفارق الكبير بين رؤية حكومة لولا وبين مواقف التيار البولسوناري.
إسرائيل ليست مجرد ملف خارجي في السياسة البرازيلية
ولا تقتصر أهمية العلاقة مع إسرائيل على السياسة الخارجية البرازيلية، فداخل البرازيل، ترتبط إسرائيل بشبكات سياسية وعسكرية ودينية، خصوصاً داخل قطاعات من التيار الإنجيلي واليمين المحافظ.
وتحظى إسرائيل أيضاً بتأييد قوي داخل قطاعات من الحركة الإنجيلية البرازيلية، التي تنظر إلى العلاقة معها من زاوية دينية وسياسية في آن واحد.
وفي المقابل، يرى باحثون برازيليون أن العلاقات الدفاعية والأمنية بين البلدين ساهمت على مدى عقود في خلق روابط مؤسساتية تتجاوز الحكومات المتعاقبة.
وتوضح هذه الخلفية أن أي تحول في السياسة الخارجية البرازيلية بعد الانتخابات لن يبدأ من الصفر، بل سيتعامل مع شبكة قائمة بالفعل من العلاقات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية.
إدواردو بولسونارو وقضية الجندي الإسرائيلي
برزت العلاقة بين عائلة بولسونارو وإسرائيل أيضاً في قضية الجندي الإسرائيلي يوفال فاغداني، الذي كان في إجازة بالبرازيل عندما تقدمت مؤسسة «هند رجب» بشكوى تطالب بالتحقيق معه على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب في غزة.
وفي 30 ديسمبر/كانون الأول 2024، أمرت محكمة اتحادية برازيلية بفتح تحقيق، قبل أن يغادر الجندي الأراضي البرازيلية متجهاً إلى الأرجنتين. وأثارت القضية تحركاً إسرائيلياً سياسياً وإعلامياً واسعاً.
وخلال الأزمة، وجه وزير شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية الإسرائيلي عميحاي شيكلي رسالة إلى النائب البرازيلي إدواردو بولسونارو، شكره فيها على موقفه من القضية وانتقد فيه الحكومة البرازيلية.
وفي يناير/كانون الثاني 2025، نشر شيكلي أيضاً مقطعاً ظهر فيه إدواردو وجايير بولسونارو وهما يحتفلان بانتهاء المسار الذي كان يستهدف الجندي الإسرائيلي.
وتكشف هذه الواقعة عن مستوى الاتصال السياسي بين عائلة بولسونارو وشخصيات بارزة في الحكومة الإسرائيلية، وإن كان ذلك لا يعني أن جميع المؤسسات البرازيلية تتبنى الموقف نفسه.
إسرائيل واليمين البرازيلي.. علاقة تتجاوز عائلة بولسونارو
يرى باحثون في العلاقات الدولية أن النفوذ الإسرائيلي داخل البرازيل لا يمكن اختزاله في عائلة بولسونارو أو في الانتخابات الحالية. فالتعاون العسكري والأمني بين البلدين بدأ قبل وصول اليمين البولسوناري إلى السلطة بوقت طويل، كما أن الشركات الإسرائيلية العاملة في مجالات الدفاع والأمن تمكنت من بناء حضور داخل السوق البرازيلية على مدى سنوات.
ويعني ذلك أن وصول حكومة أكثر تقارباً مع إسرائيل يمكن أن يسرّع بعض مسارات التعاون القائمة، لكنه لن ينشئها من الصفر.
في المقابل، فإن استمرار حكومة لولا يعني بقاء الخلافات السياسية حول غزة والسياسة الإسرائيلية في صدارة العلاقة الدبلوماسية، مع استمرار وجود مصالح اقتصادية وعسكرية مشتركة بين البلدين.
الانتخابات تحسمها قضايا داخلية بالدرجة الأولى
ورغم أهمية الملف الإسرائيلي في الخطاب السياسي لفلافيو، فإن قضية إسرائيل وفلسطين ليست العامل الوحيد الذي يحدد توجهات الناخبين البرازيليين.
وتظهر أحدث استطلاعات الرأي أن السباق بين لولا وفلافيو متقارب، لكن الأرقام تختلف من مؤسسة إلى أخرى. وفي أحدث استطلاع لـ«داتا فولها» أُجري بين 29 سبتمبر/أيلول و1 أكتوبر/تشرين الأول، حصل لولا على 45% من الأصوات الصالحة في الجولة الأولى مقابل 40% لفلافيو، بينما أظهر سيناريو الجولة الثانية 48% للولا مقابل 45% لفلافيو، مع هامش خطأ يبلغ نقطتين مئويتين.
أما استطلاع «كواست» المنشور في 28 سبتمبر، فأظهر لولا عند 39% وفلافيو عند 34% في الجولة الأولى، مع تعادل المرشحين عند 42% لكل منهما في محاكاة الجولة الثانية. كما تظل هذه الأرقام قياسات لاتجاهات الناخبين في لحظة زمنية محددة، وليست نتائج انتخابية أو ضماناً لنتيجة الاقتراع.
ماذا يعني فوز فلافيو للعلاقة مع إسرائيل؟
إذا وصل فلافيو بولسونارو إلى الرئاسة، فإن مواقفه المعلنة تشير إلى إمكانية حدوث تحول واضح في السياسة البرازيلية تجاه إسرائيل، خصوصاً في الملفات الدبلوماسية والتمثيل في القدس والتعاون السياسي.
أما في حال استمرار لولا في الحكم، فمن المرجح أن تبقى السياسة البرازيلية أكثر انتقاداً للحكومة الإسرائيلية، مع استمرار التوتر الدبلوماسي الذي برز منذ اندلاع الحرب في غزة.
لكن في الحالتين، ستظل العلاقات العسكرية والاقتصادية والأمنية بين البرازيل وإسرائيل عاملاً قائماً في المعادلة، نظراً إلى جذورها التي تمتد إلى ما قبل عهد بولسونارو.
ولهذا فإن الانتخابات البرازيلية لا تمثل فقط منافسة على الرئاسة، بل محطة قد تحدد أيضاً شكل علاقة أكبر دولة في أمريكا اللاتينية بإسرائيل، ومدى استمرار الدور البرازيلي في الملفات المتعلقة بالحرب في غزة والقضية الفلسطينية، وموقع التعاون العسكري الإسرائيلي داخل السياسة الخارجية والأمنية البرازيلية.
اقرأ أيضاً
نتنياهو يهاجم دبلوماسيين انسحبوا من قاعة الأمم المتحدة: من تبقى من «الجبناء أخلاقياً» فليغادروا..
نتنياهو يهاجم زهران ممداني من منبر الأمم المتحدة ويتهمه بتهديد يهود نيويورك
نتنياهو يواجه عزلة دولية على منصة الأمم المتحدة ويستثمر خطابه في معركة الانتخابات بإسرائيل
صادرات النفط البرازيلي إلى إسرائيل تهبط إلى الصفر.. هل نجحت المقاطعة أم تغيّر مسار الشحن فقط؟

