وطن-مع تصاعد الهجمات الهجينة الروسية على أوروبا، تتزايد المخاوف في عدد من العواصم الأوروبية من أن تحاول موسكو اختبار قدرة حلف شمال الأطلسي على الرد، ليس بالضرورة عبر مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما من خلال عمليات محدودة أو استفزازات تهدف إلى إضعاف الدعم الغربي لأوكرانيا واختبار حدود التماسك الأطلسي.
لم يعد النقاش داخل أوروبا يقتصر على مستقبل الحرب في أوكرانيا، بل امتد إلى سؤال آخر أكثر اتساعاً: ماذا لو قررت روسيا اختبار قدرة حلف شمال الأطلسي على حماية أراضيه وأعضائه؟
وتشير تحليلات أمنية أوروبية إلى أن موسكو قد تسعى إلى اختبار الحلف عبر أدوات تقع في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام، مثل الهجمات السيبرانية والتخريب والتدخلات في المجال الجوي والطائرات المسيّرة والعمليات السرية، بدلاً من الانتقال مباشرة إلى مواجهة عسكرية شاملة.
ويأتي ذلك في وقت يؤكد فيه الناتو أن روسيا تمثل أكبر تهديد مباشر للأمن الأوروبي الأطلسي، وأنها كثفت ما يصفه الحلف بـ«الأعمال الهجينة» ضد دوله، بما يشمل التخريب والهجمات السيبرانية والاستفزازات الحدودية والتدخلات الإلكترونية وحملات التضليل.
درس 11 سبتمبر.. عندما تكون التحذيرات موجودة ولا تُفهم
وتستعيد صحيفة “إيه بي سي” الإسبانية في قراءتها للتهديد الروسي درساً أمنياً بالغ الحساسية من هجمات 11 سبتمبر 2001، عندما خلصت لجنة التحقيق الأمريكية إلى أن أحد أوجه الإخفاق تمثل في عدم القدرة على تصور طبيعة الخطر الذي كان يتشكل رغم وجود معلومات وتحذيرات متفرقة.
وقد اكتسب هذا الدرس أهمية جديدة في سبتمبر 2026، بعدما رفعت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية السرية عن مجموعة كبيرة من الوثائق المتعلقة بما كانت تعرفه أجهزة الاستخبارات عن أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة قبل الهجمات.
وشملت عملية الكشف 71 إحاطة استخباراتية رئاسية، كان 69 منها يُنشر للمرة الأولى، وغطت الفترة من 1998 إلى اليوم التالي لهجمات 11 سبتمبر. وتظهر الوثائق أن الرئيسين بيل كلينتون وجورج بوش الابن تلقيا تحذيرات متكررة من نيات القاعدة لضرب الولايات المتحدة.
ومن بين أكثر الوثائق إثارة للاهتمام تقرير يعود إلى سبتمبر 1998، أشار إلى احتمال أن تستخدم القاعدة طائرة محملة بالمتفجرات لضرب مدينة أمريكية. لكن الوثائق لا تثبت أن أجهزة الاستخبارات كانت تعرف تفاصيل مخطط 11 سبتمبر كما وقع لاحقاً. بل تشير إلى مشكلة أكثر تعقيداً: كانت التحذيرات موجودة، لكن المعلومات لم تكن كافية لتحديد الموعد والأهداف والحجم الدقيق للعملية.
من التحذيرات إلى «اختبار» الناتو
وتربط القراءة الإسبانية بين ذلك الدرس وما يجري اليوم في أوروبا، فالمخاوف الحالية لا تستند فقط إلى تصريحات روسية، بل إلى سلسلة من الوقائع التي يقول مسؤولون غربيون إنها تعكس زيادة في الأنشطة الروسية الهجينة.
وقال القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، أليكسوس غرينكيفيتش، في سبتمبر، إن أعمال التخريب والهجمات السيبرانية والتوغلات بالطائرات المسيّرة تستهدف إضعاف الدعم الأوروبي لأوكرانيا، داعياً الدول الأوروبية إلى تحديد الجهة المسؤولة عن هذه العمليات ورفع كلفتها السياسية والعملياتية على موسكو.
كما تحدث الأمين العام للناتو مارك روته عن وقوع هجمات أو حوادث في المجال الهجين، مؤكداً أن الحلف يمتلك خيارات للرد، بعضها معلن وبعضها لا يتم الكشف عنه.
وقال روته في سبتمبر إن الهدف الروسي المحتمل من هذه الأنشطة هو خلق الخوف والانقسام وتحويل انتباه الدول الأوروبية بعيداً عن أوكرانيا.
روسيا لا تحتاج إلى حرب شاملة لاختبار الحلف
ويكمن القلق الأوروبي في أن اختبار الناتو لا يحتاج بالضرورة إلى اجتياح دولة عضو أو شن هجوم واسع، فحادث أمني محدود على الحدود، أو عملية تخريب لمنشأة استراتيجية، أو هجوم سيبراني واسع، أو انتهاك للمجال الجوي، يمكن أن يضع الحكومات الأوروبية أمام سؤال بالغ الحساسية: كيف ترد دون أن تتحول العملية المحدودة إلى مواجهة مباشرة مع روسيا؟
وهذه المنطقة الرمادية هي تحديداً ما يجعل الأنشطة الهجينة مصدر قلق للناتو، وقد أشار الحلف إلى عمليات تخريب وهجمات سيبرانية واستفزازات حدودية وتدخلات إلكترونية وحملات تضليل باعتبارها جزءاً من بيئة التهديد الحالية.
أوروبا تستعد لاختبار صعب
في المقابل، لا يتعامل الناتو مع السيناريو باعتباره مفاجأة محتملة، فالحلف أعلن في قمة أنقرة في يوليو 2026 أن الدول الأعضاء ستواصل تعزيز قدراتها الدفاعية، بما في ذلك الدفاع الجوي والصاروخي والأنظمة غير المأهولة والقدرات السيبرانية والفضائية والذكاء الاصطناعي، كما تعهد الحلفاء بمواصلة دعم أوكرانيا.
كما أن الناتو عزز وجوده على جناحه الشرقي من خلال إجراءات دفاعية جديدة، بينها مهمة «الحارس الشرقي» التي تضم مساهمات من عدد من الدول الأوروبية.
ويرى المسؤولون في الحلف أن الهدف هو منع موسكو من الاعتقاد بأن أي حادث محدود يمكن أن يؤدي إلى تردد أو انقسام داخل الناتو.
أوكرانيا تبقى نقطة الضعف الأساسية
وترتبط المخاوف الأوروبية بشأن الناتو مباشرة بمستقبل الحرب في أوكرانيا، مرار دعم كييف يحمل مخاطر أكبر من اللازم، فقد تتعرض المساعدات العسكرية والمالية والسياسية لأوكرانيا لضغوط متزايدة.
ولهذا السبب يؤكد مسؤولو الناتو أن أي نشاط روسي ضد دول الحلف يجب ألا يؤدي إلى تراجع الدعم المقدم لأوكرانيا.
وقال روته إن الرد على الأعمال الهجينة الروسية يجب أن يكون، في المقابل، الحفاظ على الدعم لأوكرانيا وتعزيز قدرة الحلف على حماية أراضيه.
هجمات الشتاء تضغط على كييف وأوروبا
وفي الوقت نفسه، تواصل روسيا استخدام الضربات الجوية والصاروخية والطائرات المسيّرة ضد أهداف داخل أوكرانيا، في وقت تستعد فيه البلاد لفصل الشتاء.
وتشكل البنية التحتية للطاقة والمواصلات أحد العناصر الحساسة في هذه المواجهة، إذ إن الضغط عليها لا يؤثر فقط على القدرة العسكرية الأوكرانية، وإنما يرفع أيضاً كلفة الحرب على السكان والاقتصاد.
وتنظر العواصم الأوروبية إلى هذه الضغوط باعتبارها جزءاً من معركة أوسع حول قدرة أوكرانيا على مواصلة الحرب، وقدرة أوروبا على إبقاء الدعم مستمراً.
هل يكرر الغرب خطأ الماضي؟
المقارنة مع 11 سبتمبر لا تعني أن الحرب الروسية الأوكرانية تشبه هجمات القاعدة، ولا أن موسكو تخطط لسيناريو مماثل. لكن الدرس الذي تستحضره القراءة الأوروبية يتعلق بطريقة التعامل مع التحذيرات.
ففي حالة القاعدة، كانت المعلومات الاستخباراتية موجودة، لكنها لم تتحول إلى تصور دقيق للكارثة المقبلة. وتؤكد الوثائق التي كُشف عنها في سبتمبر 2026 أن التحذيرات كانت متكررة، لكنها لم تحدد بصورة كافية حجم العملية وتوقيتها وأهدافها.
أما في الحالة الروسية، فإن التحذيرات الحالية لا تتعلق بعملية محددة أعلنت موسكو أنها ستنفذها ضد الناتو، وإنما بسلسلة من الأنشطة التي يعتبرها الحلف جزءاً من حملة ضغط واختبار.
وهنا تكمن المعضلة الأوروبية: كيف يمكن الاستعداد لأسوأ الاحتمالات من دون تحويل كل حادث أمني إلى مقدمة لحرب شاملة؟
موسكو تنفي.. والناتو يقول إنه مستعد
في المقابل، ترفض موسكو توصيف تحركاتها باعتبارها استعداداً لهجوم على دول الناتو، وتقدم تحركاتها العسكرية والسياسية في سياق مواجهة أوسع مع الغرب.
أما داخل الحلف، فيؤكد روته أن الناتو لا يرى في الوقت الحالي تهديداً وشيكاً لأراضيه، لكنه يقول في الوقت نفسه إن الحلف مستعد للدفاع عن كل أراضيه إذا تعرضت لهجوم.
وهذا التمييز مهم: وجود مخاوف أوروبية من احتمال اختبار روسي لا يعني أن هجوماً روسياً مباشراً على الناتو أصبح وشيكاً أو مؤكداً.
اختبار الإرادة قبل اختبار القوة
في النهاية، قد لا يكون الاختبار الروسي المحتمل موجهاً إلى القدرات العسكرية للناتو فقط، بل إلى الإرادة السياسية لدوله. فالحلف يملك قدرات عسكرية ضخمة، لكن التحدي في مواجهة العمليات الهجينة يتمثل أيضاً في الاتفاق على الجهة المسؤولة، وتحديد طبيعة الرد، والحفاظ على وحدة الدول الأعضاء، ومنع حادث محدود من التحول إلى مواجهة أوسع.
ولهذا تحاول العواصم الأوروبية تعزيز دفاعاتها وفي الوقت نفسه تجنب الوقوع في فخ التصعيد غير المحسوب. وبينما تستمر الحرب في أوكرانيا، يبدو أن المعركة على مستقبل الأمن الأوروبي لا تدور فقط على خطوط الجبهة، بل أيضاً في المجال السيبراني، وفي الأجواء والبحار، وعلى الحدود، وفي الرأي العام الأوروبي.
ويبقى السؤال الذي يشغل العواصم الأوروبية: إذا قررت موسكو اختبار الناتو، فهل سيكون الاختبار عسكرياً مباشراً، أم عملية هجينة محدودة تهدف أولاً إلى قياس مدى استعداد الغرب للرد؟
اقرأ أيضاً
روسيا تلوّح بالخيار النووي إذا فرض الغرب حصاراً على كالينينغراد..

