وطن-أصدر قاضٍ في محكمة الهجرة الأمريكية قراراً يسمح بترحيل صلاح صرصور، رئيس الجمعية الإسلامية في ميلووكي بولاية ويسكونسن، بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها في الولايات المتحدة، في قضية أثارت جدلاً واسعاً بسبب ارتباطها بنشاطه العلني المؤيد للحقوق الفلسطينية.
وقررت قاضية الهجرة جايْمي ساليناردي أن صرصور قابل للترحيل استناداً إلى أحكام تتعلق بالسياسة الخارجية والأمن القومي، مع اعتمادها بدرجة كبيرة على مذكرة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
لكن القرار لا يعني أن صرصور سيغادر الولايات المتحدة فوراً، إذ يعتزم محاموه الطعن فيه، كما لا يزال أمامه مسار قانوني يتعلق بطلب الحماية من الترحيل إذا كان معرضاً للتعذيب في حال إعادته.
لماذا تريد إدارة ترامب ترحيله؟
بدأت القضية في مارس 2026، عندما اعتقلت سلطات الهجرة والجمارك الأمريكية صرصور، الذي يحمل الإقامة الدائمة ويعيش في الولايات المتحدة منذ أكثر من 30 عاماً.
واستندت الحكومة في قضيتها إلى إدانات قديمة تعود إلى فترة وجود صرصور في الأراضي الفلسطينية المحتلة عندما كان شاباً، كما حاولت الاستناد إلى مزاعم أخرى تتعلق بطلب حصوله على البطاقة الخضراء.
لكن قاضية الهجرة رفضت اتهامات الحكومة بأنه كذب على سلطات الهجرة بشأن طلب الإقامة، كما رفضت اتهاماً آخر يتعلق بادعاء الجنسية الأمريكية والتصويت بصورة غير قانونية، وفق ما أوردته تقارير أمريكية.
وفي المقابل، أبقت القاضية على الأساس المرتبط بالسياسة الخارجية، معتبرة أن مذكرة وزير الخارجية ماركو روبيو تكفي، في إطار القانون المستخدم، لجعل صرصور قابلاً للترحيل.
ويستند هذا المسار إلى مادة قديمة من قانون الهجرة والجنسية تسمح بترحيل غير المواطنين عندما يرى وزير الخارجية أن وجودهم في الولايات المتحدة قد تكون له عواقب سلبية محتملة على السياسة الخارجية الأمريكية.
محاموه: سنطعن في القرار
رفض فريق الدفاع النتيجة التي توصلت إليها القاضية، وقال المحامي باتريك توريل إن الأدلة المقدمة في القضية لا تبرر ترحيل موكله. وقال توريل إن فريق الدفاع سيواصل الطعن في القرار، مؤكداً أن صرصور لا ينبغي أن يفقد إقامته الدائمة.
كما أكد صرصور نفسه أنه لن يتراجع عن معركته القانونية، وقال إنه سيواصل الدفاع عن حقه في حرية التعبير والبقاء في البلد الذي عاش فيه لأكثر من ثلاثة عقود.
ولا يعني القرار الحالي إمكانية ترحيله مباشرة، إذ لا تزال أمامه إجراءات قانونية أخرى، بما فيها طلب الحماية من الترحيل على أساس خطر التعرض للتعذيب، إضافة إلى الاستئناف.
81 يوماً خلف القضبان
اعتُقل صرصور في 30 مارس 2026 ونُقل إلى مركز احتجاز في ولاية إنديانا، حيث بقي محتجزاً لأكثر من 80 يوماً. وفي يونيو، أمر قاضٍ فيدرالي بالإفراج عنه بعد 81 يوماً من الاحتجاز، في قضية منفصلة تتعلق بشرعية احتجازه.
وكان القاضي الفيدرالي قد أشار إلى وجود أساس مهم للاعتقاد بأن احتجازه ربما ارتبط بنشاطه في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية وحرية التعبير. وأُطلق سراحه في 18 يونيو، بينما استمر مسار قضية الترحيل أمام محكمة الهجرة.
وخلال فترة الاحتجاز، قال صرصور إنه فقد أكثر من 30 رطلاً من وزنه، وهو مصاب بمرض السكري من النوع الثاني. وأصبح وضعه الصحي أحد العناصر التي أثارت اهتمام فريق الدفاع.
خلاف حول إدانات قديمة في إسرائيل
تعود إحدى النقاط الأساسية في ملف الحكومة إلى قضايا تعود إلى عقود مضت، عندما كان صرصور يعيش في الضفة الغربية.
وتقول السلطات الأمريكية إن لديه إدانات قديمة في إسرائيل مرتبطة بأعمال عنف وحيازة أسلحة. لكن صرصور ومحاميه ينفون الرواية الحكومية، ويقولون إن الاعترافات التي استندت إليها السلطات الإسرائيلية انتُزعت تحت التعذيب.
وبحسب فريق الدفاع، فقد تعرض صرصور للتعذيب أثناء احتجازه عندما كان شاباً، ووصل الأمر، وفق شهادات قدمت في القضية، إلى نقله إلى المستشفى أثناء احتجازه.
كما أكد محاموه أنه لم يُدان في الولايات المتحدة بارتكاب جريمة، وأن السلطات الأمريكية كانت على علم بسجله القديم عندما منحته الإقامة الدائمة.
وتختلف الرواية الحكومية عن رواية الدفاع بشأن الوقائع القديمة، ولذلك لا يمكن اعتبار الاتهامات المتبادلة بشأن تلك المرحلة حقائق قضائية حسمتها المحكمة الأمريكية في قرار الترحيل الأخير.
النشاط المؤيد لفلسطين في قلب القضية
يشغل صرصور منصب رئيس الجمعية الإسلامية في ميلووكي، كما أنه عضو في مجلس إدارة منظمة «المسلمون الأمريكيون من أجل فلسطين»، وهي منظمة تنشط في الولايات المتحدة في مجال الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
ويرى محاموه وأنصاره أن نشاطه السياسي والعلني المؤيد للفلسطينيين كان أحد أسباب استهدافه من جانب إدارة الرئيس دونالد ترامب.
أما الحكومة فتربط القضية بالسياسة الخارجية والأمن القومي وبوقائع قديمة تعود إلى فترة وجوده في الأراضي الفلسطينية.
وكانت إدارة ترامب قد استخدمت المادة القانونية نفسها في قضايا أخرى ضد ناشطين مؤيدين للفلسطينيين، من بينهم محمود خليل ومحسن مهداوي، ما جعل قضية صرصور جزءاً من جدل أوسع حول حدود حرية التعبير بالنسبة إلى المقيمين غير المواطنين في الولايات المتحدة.
أين يمكن أن يُرحّل؟
حتى بعد صدور قرار قابلية الترحيل، تبقى مسألة وجهة الترحيل موضعاً لنقاش قانوني منفصل. ويخشى فريق الدفاع من إعادة صرصور إلى الضفة الغربية المحتلة، معتبراً أن سجله السابق في السجون الإسرائيلية يثير مخاوف من تعرضه للتعذيب مجدداً.
كما طُرحت الأردن باعتبارها إحدى الوجهات المحتملة، لأن صرصور استخدم وثائق سفر أردنية عند وصوله إلى الولايات المتحدة، لكن محاميه يقولون إنه لا يحمل الجنسية الأردنية ولا يملك حقاً مستقراً للإقامة هناك.
ويرى الدفاع أن إرساله إلى الأردن قد ينتهي بإعادته إلى الضفة الغربية، وبالتالي إلى السلطات الإسرائيلية.
القاضية ساليناردي تتقاعد من منصبها
زاد إعلان القاضية جايْمي ساليناردي تقاعدها من محكمة الهجرة من تعقيد القضية. فبعد إصدار قرارها بشأن صرصور، أُعلن أن قاضياً آخر سيتولى المرحلة المقبلة من الملف.
وتخضع محاكم الهجرة الأمريكية لوزارة العدل والسلطة التنفيذية، بخلاف المحاكم الفيدرالية التي تتمتع باستقلال مؤسسي أكبر. وقد أصبح هذا الفرق جزءاً من النقاش الدائر حول قضايا الترحيل التي تستهدف ناشطين مؤيدين للفلسطينيين في عهد إدارة ترامب.
صرصور: لن أتراجع عن الدفاع عن فلسطين
رغم القرار، أعلن صرصور أنه يعتزم مواصلة معركته القانونية ونشاطه العام. وقال إنه سيواصل الدفاع عن حرية التعبير وعن القضايا التي يؤمن بها، مؤكداً أنه لا ينوي التخلي عن نشاطه المؤيد للحقوق الفلسطينية.
وبذلك تدخل قضية صلاح صرصور مرحلة جديدة: فالحكم الصادر عن محكمة الهجرة يفتح الطريق أمام ترحيله، لكنه لا ينهي معركته القانونية. ولا يزال بإمكان فريق الدفاع الطعن في القرار والسعي إلى منعه من الترحيل إذا تمكن من إثبات المخاطر التي قد يواجهها في حال إعادته.
وتبقى القضية، في الوقت نفسه، اختباراً قانونياً وسياسياً للحدود التي يمكن أن تفرضها الحكومة الأمريكية على نشاط المقيمين الدائمين في القضايا السياسية، ولا سيما عندما تتصل تلك الأنشطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
اقرأ المزيد
عماد سيفو.. مجتمع نيوجيرسي يتحرك لمنع ترحيل رجل أعمال سوري من أمريكا

