وطن-لم تكن رحلة «فلاي دبي» المتجهة من دبي إلى تل أبيب تتوقع أكثر من رحلة جوية عادية، لكن ما حدث داخل قمرة القيادة حوّلها خلال دقائق إلى واحدة من أكثر حوادث الطيران إثارة للقلق في المنطقة.
فبعد إقلاع الرحلة «إف زد 1073» في 30 سبتمبر/أيلول، وقع شجار داخل قمرة القيادة، أعقبه هبوط حاد ومفاجئ للطائرة، قبل أن تنحرف عن مسارها وتهبط اضطرارياً في مدينة تبوك السعودية. وبينما أكدت شركة «فلاي دبي» وقوع حادث داخل قمرة القيادة من دون أن تحدد في بيانها أسبابه أو دوافعه، ظهرت رواية أكثر خطورة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، تتحدث عن محاولة من مساعد الطيار للسيطرة على الطائرة وإسقاطها.
وتشير التقارير إلى أن مساعد الطيار يحمل الجنسية العُمانية، بينما كان قائد الطائرة هندياً، وأن كليهما أصيب ونُقل إلى المستشفى بعد هبوط الطائرة في السعودية. أما جميع الركاب، فقد وصلوا إلى بر الأمان وغادروا لاحقاً تبوك على متن طائرة بديلة.
هبوط مفاجئ يثير الإنذار
كانت الطائرة، وهي من طراز «بوينغ 737 ماكس»، تحلق على ارتفاع يقارب 34 ألف قدم عندما بدأت في فقدان الارتفاع بصورة حادة، وفق بيانات تتبع الرحلة.
وأظهرت بيانات «فلايت رادار 24» أن الطائرة أرسلت أولاً رمز الطوارئ 7700، ثم رمز 7500 الذي يشير إلى وجود تدخل غير قانوني أو حالة اختطاف، قبل أن تعود إلى إرسال رمز الطوارئ العام وتتجه نحو مطار تبوك.
وتشير بيانات الموقع إلى أن الطائرة دخلت في سلسلة من الهبوطات والصعودات الحادة قبل أن تستقر على ارتفاع أقل وتتجه نحو السعودية، حيث طلب الطاقم الهبوط الاضطراري. وقال مطار تبوك إن مركز المراقبة تلقى طلب الطوارئ عند الساعة 8:44 صباحاً بالتوقيت المحلي، قبل أن تهبط الطائرة بسلام في الساعة 9:45 تقريباً.
ماذا حدث داخل قمرة القيادة؟
في حين التزمت شركة «فلاي دبي» في بيانها الأول بوصف ما جرى بأنه «مشادة» داخل قمرة القيادة، جاءت الروايات التي نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية أكثر تفصيلاً وخطورة.
وبحسب هذه الروايات، هاجم مساعد الطيار العُماني قائد الطائرة بسكين، وأصابه بجروح، ثم حاول السيطرة على الطائرة ودفعها إلى هبوط حاد. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن أحد الطيارين طعن الآخر ثم حاول، على ما يبدو، إسقاط الطائرة بمن فيها.
وأضاف نتنياهو أن قائد الطائرة تمكن، رغم إصابته، من فتح باب قمرة القيادة، ما أتاح لركاب وأفراد من الطاقم التدخل والسيطرة على المهاجم، بينما تولى طيارون آخرون كانوا على متن الطائرة مهمة استعادة السيطرة عليها وقيادتها إلى تبوك.
وتؤكد وكالة «رويترز» أن قائد الطائرة أصيب بجروح وأن الركاب وأفراد الطاقم تمكنوا من إخضاع مساعد الطيار، بينما تولى طياران آخران موجودان على متن الرحلة الهبوط بالطائرة بأمان في السعودية.
ركاب يقتحمون قمرة القيادة
مع تصاعد الفوضى داخل الطائرة، لم يبق الأمر محصوراً بين أفراد الطاقم، إذ أفاد ركاب إسرائيليون بأنهم اندفعوا نحو قمرة القيادة بعد سماع أصوات شجار وملاحظة الهبوط المفاجئ للطائرة.
وقال أحد الركاب في شهادات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية إنه رأى أشخاصاً يحاولون إخراج أحد أفراد الطاقم من قمرة القيادة، قبل أن تبدأ الطائرة في فقدان الارتفاع بصورة عنيفة.
وبحسب الروايات المتداولة، تدخل عدد من الركاب وتمكنوا من إخضاع مساعد الطيار، فيما ساهم أفراد آخرون من الطاقم في استعادة السيطرة على الطائرة.
وأشادت القيادة الإسرائيلية بتصرف الركاب والطاقم، فيما وصفت مصادر إسرائيلية ما حدث بأنه محاولة لمنع كارثة جوية كان يمكن أن تودي بحياة جميع من كانوا على متن الرحلة.
لكن هذه التفاصيل، رغم ورودها في شهادات ركاب وتقارير إعلامية متعددة، لا تزال جزءاً من التحقيق في الحادث، ولا تعني أن دوافع المساعد أو الهدف النهائي من تصرفاته قد حُسما رسمياً.
من تبوك بدأت التحقيقات
بعد الهبوط، نقلت السلطات السعودية قائد الطائرة ومساعده إلى المستشفى لتلقي العلاج، فيما بقي الركاب في المطار قبل أن تُرتب لهم رحلة بديلة إلى وجهتهم النهائية. وأكد مطار تبوك أن التحقيقات بدأت من جانب الجهات المختصة، بينما قالت شركة «فلاي دبي» إنها تعمل بالتعاون مع السلطات المعنية لكشف ملابسات الواقعة.
وفي بيان لاحق، أوضحت الشركة أن أفراداً من طاقمها كانوا على متن الرحلة تمكنوا من تأمين الطائرة وتحويل مسارها والهبوط بها بأمان في تبوك، مؤكدة أن جميع الركاب وأفراد الطاقم بخير. كما أعلنت إرسال طائرتين بديلتين لمساعدة الركاب على مواصلة رحلتهم.
اتهام بمحاولة إسقاط الطائرة.. لكن الدافع لم يُحسم
الرواية الأكثر خطورة جاءت من الجانب الإسرائيلي، حيث تحدث نتنياهو ومسؤولون إسرائيليون عن محاولة لإسقاط الطائرة، فيما ذهب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى وصف الواقعة بأنها محاولة هجوم إرهابي. لكن في المقابل، لم تعلن السلطات الإماراتية أو السعودية، في البيانات الرسمية الأولية، أن الحادث كان عملاً إرهابياً، كما لم تعلن سبباً نهائياً لما حدث.
وأكدت الهيئة العامة للطيران المدني الإماراتية أن الرحلة تعرضت لحادث أمني تمت السيطرة عليه، وأن فرق التحقيق تعمل بالتنسيق مع الجهات المختصة لتحديد أسبابه وملابساته، بما في ذلك الجوانب التشغيلية والأمنية. ودعت الهيئة إلى عدم تداول معلومات غير رسمية أو استباق نتائج التحقيق.
وهذا التفصيل مهم، لأن السؤال الأكبر في القضية لم يعد فقط: هل حاول مساعد الطيار إسقاط الطائرة؟ بل أيضاً: لماذا؟ هل كان الأمر محاولة متعمدة للسيطرة على الطائرة؟ هل كان خلفه دافع أمني أو سياسي؟ أم أن التحقيق قد يكشف لاحقاً تفسيراً مختلفاً تماماً؟ حتى الآن، لا توجد إجابة رسمية نهائية عن هذه الأسئلة.
طائرة تنجو من كارثة
ما هو مؤكد أن الرحلة واجهت حالة خطيرة داخل قمرة القيادة، وأنها فقدت الارتفاع بصورة مفاجئة، ثم هبطت اضطرارياً في تبوك، وأن اثنين من أفراد الطاقم أصيبا ونُقلا إلى المستشفى، بينما نجا الركاب.
كما أن الطائرة لم تصل إلى وجهتها الأصلية في تل أبيب، قبل أن يتم نقل الركاب لاحقاً على متن طائرة بديلة. أما ما إذا كان ما حدث محاولة متعمدة لإسقاط الطائرة، أو عملاً إرهابياً، أو نتيجة دافع آخر، فهو ما ستحدده التحقيقات السعودية والإماراتية وغيرها من الجهات التي تتابع القضية.
وفي انتظار النتائج الرسمية، تبقى رواية الطعن ومحاولة إسقاط الطائرة واحدة من أخطر الفرضيات المطروحة، لكنها لا تزال فرضية قيد التحقيق وليست حكماً نهائياً على دوافع مساعد الطيار أو طبيعة الحادث. والثابت أن رحلة «فلاي دبي» التي بدأت من دبي متجهة إلى تل أبيب انتهت في تبوك، بعد دقائق بدت فيها حياة أكثر من 170 راكباً معلقة بين قمرة قيادة فقدت السيطرة مؤقتاً وطاقم وركاب تمكنوا في النهاية من منع الأسوأ.
اقرأ المزيد
مشاجرة بين الطيارين تجبر رحلة متجهة إلى إسرائيل على الهبوط اضطرارياً في السعودية

