وطن-في تونس، لم يعد الخطر الذي يهدد الأطفال مرتبطاً بحوادث متفرقة يمكن تجاوزها بخبر عابر. فقد أعادت حادثة الاعتداء الجنسي الجماعي على قاصر في منطقة الملاسين بالعاصمة، إلى الواجهة، أسئلة ثقيلة حول حماية الأطفال، والوقاية من العنف، وقدرة المؤسسات على التدخل قبل وقوع الكارثة.
وبحسب المعطيات الأولية التي نشرتها وسائل إعلام تونسية، تعرضت قاصر في الملاسين للتغرير والاحتجاز ثم للاعتداء الجنسي الجماعي، قبل أن تنقل إلى المستشفى وتودع قسم الإنعاش بسبب خطورة حالتها الصحية. وأذنت النيابة العمومية بفتح بحث لكشف ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات.
وتشير التقارير الأولية إلى أن عدداً من المشتبه في تورطهم قاصرون أيضاً، فيما تواصل الوحدات الأمنية عمليات البحث لإيقاف بقية المشتبه فيهم. ومع تقدم التحقيق، ظهرت معطيات جديدة بشأن عدد الأشخاص الذين تم الاحتفاظ بهم وآخرين أدرجوا بالتفتيش، بما يؤكد أن الملف لا يزال في طور التحقيق وأن المسؤوليات النهائية لم تُحسم قضائياً بعد.
عندما يصبح الطفل نفسه جزءاً من دائرة الخطر
تفاصيل هذه القضية وحدها تكفي لطرح سؤال يتجاوز الجريمة ذاتها: كيف يمكن أن يصل طفل أو طفلة إلى مثل هذا الوضع من الخطر؟
فالقضية لا تتعلق فقط بملاحقة المشتبه في تورطهم وتقديمهم إلى العدالة، وهي مسؤولية أساسية للتحقيق والقضاء، وإنما تطرح أيضاً مسألة الوقاية وحماية الأطفال، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقاصر يحتاج إلى بيئة آمنة وأسرة ومؤسسات قادرة على اكتشاف مؤشرات الخطر والتدخل في الوقت المناسب.
غير أن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تُبنى على افتراضات غير مثبتة حول مسؤولية مؤسسات بعينها في هذه الواقعة، لأن التحقيقات لا تزال جارية. لكنها تظل أسئلة مشروعة يفرضها حجم الحادثة وخطورتها.
حادثة الملاسين ليست وحدها
قبل أيام قليلة، شهدت منطقة القلعة الكبرى من ولاية سوسة حادثة أخرى كان ضحيتها طفل يبلغ 12 عاماً، توفي إثر تعرضه لطعنة بسكين عقب مناوشة مع تلميذ آخر يبلغ 13 عاماً.
وبحسب المعطيات الأولية، بدأت المناوشة داخل حافلة مدرسية قبل أن تتواصل لاحقاً، وتمكنت وحدات الحرس الوطني من إيقاف المشتبه فيه، بينما تواصلت الأبحاث للكشف عن ملابسات الحادثة ودوافعها.
حادثتان مختلفتان في طبيعتهما وتفاصيلهما، لكنهما تضعان الأطفال في مركز سؤال واحد: هل البيئة التي يفترض أن توفر لهم الأمان قادرة فعلاً على حمايتهم من العنف؟
من الجريمة إلى سؤال الحماية
من السهل أن تتوقف القصة عند لحظة توقيف المشتبه فيهم، ثم انتظار ما ستكشفه التحقيقات وما ستقرره المحاكم. لكن حماية الأطفال تبدأ قبل وقوع الجريمة.
تبدأ في الأسرة، وفي المدرسة، وفي الأحياء، وفي آليات الإبلاغ والتدخل، وفي قدرة المؤسسات المختصة على التعامل مع الأطفال المعرضين للخطر، وفي الوعي المجتمعي بخطورة العنف والاستغلال والاعتداءات الجنسية.
كما أن التعامل مع هذه القضايا يتطلب حماية الضحايا واحترام خصوصيتهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقاصرين، إلى جانب احترام قرينة البراءة بالنسبة إلى كل من لم تثبت مسؤوليته قضائياً.
هل نحن أمام حوادث منفصلة أم إنذار أوسع؟
حادثة الملاسين، إلى جانب جريمة القلعة الكبرى، لا تكفي وحدها لإثبات أن المجتمع التونسي يتجه نحو انهيار شامل أو أن الدولة غائبة. مثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى معطيات أوسع ودراسات ومؤشرات موثوقة. لكنها تكفي، في المقابل، لفتح نقاش جدي حول أمن الأطفال.
طفلة في سن الخامسة عشرة تجد نفسها في حالة صحية حرجة بعد اعتداء جنسي، وطفل في الثانية عشرة يفقد حياته إثر طعنة خلال خلاف بين قاصرين. كما أنه وراء كل واقعة ضحية، وأسرة، ومسؤوليات قانونية يجب تحديدها، وأسئلة اجتماعية لا يمكن تجاهلها.
فإذا كانت حماية الطفولة معياراً من معايير سلامة المجتمع، فإن ما حدث في الملاسين يستحق أكثر من الغضب المؤقت. يستحق تحقيقاً كاملاً، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، ونقاشاً جدياً حول منظومة الوقاية والحماية، حتى لا يتحول كل طفل في تونس إلى مشروع ضحية جديدة.
اقرأ المزيد
تونس توقف 15 ناشطاً بعد مسيرة لمساندة معتقلي أسطول الصمود.. والملف يتصاعد
طلب دفتر علاج.. فمات بعد 10 أيام من صراع مع الحروق

