وطن-قد تبدأ المشكلة بكلمة عابرة في متجر، أو تعليق صغير على وسائل التواصل، أو نقاش بسيط داخل الأسرة، ثم تتطور خلال دقائق إلى مشادة لا يتوقعها أحد. وفي الحياة اليومية، يشعر كثيرون بأن الصبر أصبح أقل، وأن التسامح صار أصعب، وأن العلاقات الإنسانية باتت أكثر توتراً مما كانت عليه.
لكن هل أصبح البشر فعلاً أكثر قسوة؟
ليس بالضرورة. فالحياة لم تكن يوماً خالية من الأزمات والضغوط، وكل جيل واجه ظروفه الخاصة. غير أن ما يميز المرحلة الحالية هو تراكم ضغوط متعددة في الوقت نفسه؛ من القلق الاقتصادي إلى العزلة الاجتماعية، ومن الإفراط في استخدام الشاشات إلى التدفق المستمر للأخبار، وصولاً إلى الاستقطاب والإرهاق النفسي.
وهذا التراكم قد يجعل الإنسان أكثر حساسية وأقل صبراً وأسرع انفعالاً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن طبيعته الإنسانية قد تغيرت.
1. عندما يصبح الانزعاج أمراً لا نحتمله
أصبح جزء كبير من الحياة اليومية مصمماً لتوفير الراحة والسرعة: خدمات فورية، توصيل سريع، إجابات بضغطة زر، ومحتوى يصل إلى المستخدم قبل أن يطلبه أحياناً. ومع الاعتياد على هذا الإيقاع، يمكن أن تصبح المواقف التي تتطلب انتظاراً أو جهداً أو تفاوضاً أكثر إزعاجاً.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: بعض التجارب المفيدة في الحياة لا تأتي بسهولة. تكوين علاقة جديدة، تعلم مهارة، المشاركة في المجتمع أو تجاوز خلاف مع شخص قريب، كلها تحتاج إلى قدر من الصبر وتحمل عدم الراحة.
وتشير أبحاث في علم النفس إلى أن الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى الانزعاج يمكن أن تؤثر في استعداده للاستمرار في المهام الصعبة. لذلك، فإن الشعور بعدم الراحة ليس بالضرورة علامة على أن شيئاً ما يسير بصورة خاطئة؛ فقد يكون أحياناً جزءاً طبيعياً من التعلم والتكيف والنمو.
2. الشاشات لا تسرق الوقت فقط
لم تعد الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية بالنسبة إلى مليارات الأشخاص. والتأثير لا يتعلق بعدد الساعات أمام الشاشة فقط، بل أيضاً بما نراه خلالها: صور مثالية، نجاحات الآخرين، نقاشات حادة، أخبار مقلقة ومحتوى مصمم لجذب الانتباه.
وتشير مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا في مجلة «جاما لطب الأطفال» عام 2024 إلى وجود ارتباط بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الأعراض الداخلية مثل القلق والاكتئاب لدى المراهقين. وشملت المراجعة 143 دراسة وأكثر من 1.09 مليون مراهق. لكن الباحثين شددوا على وجود حدود مهمة في الأدلة المتاحة، ولا تسمح النتائج وحدها بإثبات علاقة سببية مباشرة.
كما أن المقارنة المستمرة مع الآخرين قد تضيف ضغطاً آخر. فعلى الشاشة، يرى المستخدم غالباً لحظات النجاح والسفر والسعادة لدى الآخرين، بينما يعيش حياته بكل تفاصيلها ومشكلاتها اليومية.
وهذا الاختلاف بين الحياة التي نعيشها والحياة التي نراها قد يجعل بعض الأشخاص أكثر إحباطاً أو شعوراً بالنقص، وهو ما يمكن أن ينعكس على مزاجهم وعلاقاتهم.
3. المال يأخذ معه جزءاً من الهدوء
الضغوط الاقتصادية لا تتوقف عند حدود الدخل والمصاريف. فالقلق بشأن الإيجار، والفواتير، والطعام، والعمل، والديون أو المستقبل المالي يمكن أن يستهلك جزءاً كبيراً من الطاقة الذهنية. وعندما يعيش الإنسان تحت ضغط مالي مستمر، قد يصبح أقل قدرة على تحمل التأخير أو الخلافات أو الأخطاء الصغيرة.
ولا يعني ذلك أن الظروف الاقتصادية تبرر الفظاظة أو السلوك العدواني، لكنها تساعد في فهم أحد الأسباب التي يمكن أن تجعل الشخص أكثر توتراً وأقل قدرة على التحكم في انفعالاته.
فالإنسان الذي يقضي جزءاً كبيراً من يومه في التفكير في كيفية تدبير احتياجاته الأساسية قد لا يمتلك الطاقة النفسية نفسها للاستماع إلى الآخرين أو التعامل معهم بهدوء.
4. أين اختفت «الأماكن الثالثة»؟
هناك أماكن لا تكون فيها في المنزل ولا في العمل، لكنها تؤدي وظيفة اجتماعية مهمة: المقاهي، المكتبات، الحدائق، الجمعيات، المراكز الثقافية والأماكن العامة.
ويطلق علماء الاجتماع على هذه المساحات أحياناً اسم «الأماكن الثالثة»، لأنها توفر فرصاً للقاء أشخاص خارج الدائرة العائلية والمهنية المباشرة. عندما تتراجع هذه المساحات أو تصبح المشاركة فيها مكلفة، يمكن أن تقل فرص التواصل العفوي بين الناس.
وقد يعيش الإنسان في مدينة مليئة بملايين الأشخاص، ومع ذلك يشعر بالعزلة إذا لم تكن لديه علاقات حقيقية تمنحه الإحساس بالانتماء والدعم.
وهنا تكمن مفارقة العصر الحديث: قد يكون عدد الأشخاص الذين نلتقي بهم كبيراً، بينما يكون عدد العلاقات التي نشعر فيها بالأمان والثقة صغيراً.
5. الدماغ يعيش وسط فيضان لا ينتهي من الأخبار
أخبار عاجلة، إشعارات، رسائل، مقاطع قصيرة، تعليقات غاضبة، أزمات سياسية، كوارث، جرائم وصراعات؛ كل ذلك يصل إلى الإنسان خلال دقائق. ولا يملك الدماغ بالضرورة فرصة كافية لمعالجة هذا التدفق ثم العودة إلى حالة من الهدوء.
والأكثر إثارة للانتباه أن المحتوى الذي يثير الخوف أو الغضب أو الصراع يكون قادراً على جذب الانتباه بقوة. ومع التكرار، يمكن أن يتكون لدى بعض الأشخاص انطباع بأن العالم بأكمله يتجه نحو الفوضى، حتى لو كانت الصورة التي تصلهم عبر الشاشة لا تمثل كل الواقع.
لهذا، قد يكون أحد أسباب الشعور بأن العالم أصبح أكثر قسوة هو أننا نتعرض يومياً لكمية أكبر بكثير من مشاهد القسوة التي لم يكن الإنسان العادي يراها في حياته اليومية في السابق.
6. الوقاحة تنتقل من شخص إلى آخر
قد يتعرض شخص لمعاملة سيئة في الصباح، ثم يدخل إلى عمله وهو غاضب، فيرد بحدة على زميله. وقد يعود الزميل إلى المنزل متوتراً، فيصبح أكثر قسوة مع أحد أفراد أسرته. وهكذا يمكن أن تنتقل المشاعر والسلوكيات السلبية من شخص إلى آخر.
لا تحتاج هذه السلسلة إلى حدث كبير. أحياناً تبدأ بنبرة صوت حادة أو تعليق ساخر أو تجاهل بسيط، ثم تتوسع عبر سلسلة من ردود الفعل. وهنا يصبح اللطف أكثر من مجرد صفة شخصية؛ إنه أيضاً وسيلة لقطع سلسلة السلوك السلبي قبل أن تنتقل إلى شخص آخر.
7. الاستقطاب يجعل الاختلاف شخصياً
لم يعد الخلاف في كثير من الأحيان مجرد اختلاف في الرأي. فالسياسة والهوية والقيم وأساليب التربية والحياة أصبحت موضوعات يمكن أن تدفع النقاشات اليومية سريعاً إلى مواجهة شخصية.
وتزيد البيئة الرقمية من صعوبة الأمر عندما يعيش المستخدم داخل دائرة من الآراء المتشابهة معه، فيصبح الاختلاف أكثر ندرة وأحياناً أكثر صدمة. المشكلة ليست في وجود الاختلاف، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه.
فعندما يصبح الشخص الآخر خصماً لمجرد أنه يفكر بطريقة مختلفة، تقل مساحة الحوار، ويصبح من الأسهل إطلاق الأحكام بدلاً من محاولة الفهم.
8. الإرهاق يسرق منا القدرة على التعاطف
ربما يكون الإرهاق أحد أكثر العوامل التي لا تحظى بالانتباه الكافي، فالإنسان المرهق لا يعاني بالضرورة من مشكلة في شخصيته. قد يكون فقط قد استنفد ما لديه من طاقة.
العمل، المسؤوليات العائلية، الضغوط المالية، قلة النوم، الأخبار، الهاتف، الالتزامات الاجتماعية والمخاوف بشأن المستقبل؛ كلها يمكن أن تتراكم حتى يصل الإنسان إلى مرحلة لا يملك فيها مساحة كافية للتعامل مع مشاعر الآخرين. ولهذا قد يبدو شخص ما بارداً أو عصبياً، بينما يكون في الحقيقة مستنزفاً.
هل أصبح الناس أكثر قسوة فعلاً؟
ربما يكون السؤال نفسه بحاجة إلى إعادة صياغة، فبدلاً من أن نسأل: «لماذا أصبح البشر أكثر سوءاً؟»، قد يكون السؤال الأدق: «ما الذي يجعل الناس اليوم أكثر توتراً وأقل قدرة على إظهار أفضل ما لديهم؟»
فالإنسان لم يتخلَّ عن حاجته إلى الصداقة والانتماء والتعاطف. لكن الظروف التي تحيط به قد تجعل الوصول إلى هذه الجوانب أكثر صعوبة.
الضغط الاقتصادي يستنزف الطاقة، والعزلة تضعف الروابط، والإفراط في التعرض للمعلومات يرفع مستوى التوتر، والاستقطاب يجعل الاختلاف أكثر حدة، والإرهاق يقلل القدرة على الصبر.
وفي المقابل، يمكن لأشياء بسيطة أن تقطع هذه الدائرة: محادثة حقيقية بعيداً عن الهاتف، وقت في مكان عام، علاقة تقوم على الإصغاء، تقليل التعرض المستمر للأخبار، وقليل من الصبر تجاه أخطاء الآخرين.
فربما لم يصبح العالم أكثر قسوة بالمعنى المطلق، وإنما أصبح أكثر قدرة على إظهار قسوته أمامنا، وأكثر قدرة على استنزاف الإنسان قبل أن تمنحه فرصة لاستعادة هدوئه.
وفي عالم سريع ومزدحم ومليء بالمعلومات والضغوط، قد لا يكون الحفاظ على اللطف أمراً بسيطاً دائماً، لكنه يظل واحداً من أكثر الأشياء التي تمنع التوتر الفردي من التحول إلى قسوة جماعية.
قد يعجبك
كيف تجيب عندما لا تعرف الإجابة؟ 8 عبارات تكشف ذكاءك بدل أن تضعف موقفك
لماذا يعاني البعض بصمت؟ أسباب نفسية واجتماعية تمنعهم من طلب المساعدة
8 علامات تكشف أنك تربي طفلاً ناضجاً عاطفياً وقادراً على مواجهة الضغوط وفق علم النفس
ما الذي يفعله الأكثر ذكاءً في عطلة نهاية الأسبوع؟ اختصاصي علم نفس يكشف العادة المشتركة

