وطن-تلعب الصداقة دوراً مهماً في الصحة النفسية والشعور بالتوازن والرضا عن الحياة. ومع التقدم في العمر، تتغير طبيعة العلاقات الاجتماعية لدى كثير من الأشخاص، فتضيق الدوائر أحياناً بسبب العمل والمسؤوليات العائلية وضغوط الحياة اليومية.
لكن هل يحتاج الإنسان فعلاً إلى عدد كبير من الأصدقاء حتى يكون أكثر سعادة؟ أم أن دائرة صغيرة من العلاقات القريبة قد تكون أكثر قيمة من عشرات المعارف؟
تشير الأبحاث إلى أن جودة العلاقات وقوتها أهم من مجرد عددها، وأن وجود أشخاص يمكن الاعتماد عليهم والتحدث معهم والشعور بالقرب منهم يرتبط بمستويات أفضل من الرفاه النفسي والاجتماعي.
لا يوجد رقم سحري للأصدقاء
لا تقدم الدراسات رقماً واحداً يمكن اعتباره العدد المثالي للأصدقاء بالنسبة إلى جميع الناس. فاحتياجات الفرد الاجتماعية تختلف بحسب شخصيته ونمط حياته وظروفه، وقد يشعر شخص بالراحة داخل دائرة صغيرة جداً، بينما يحتاج آخر إلى شبكة اجتماعية أوسع.
وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن سكان 22 دولة أوروبية شملها مسح عام 2022 أفادوا بامتلاك أربعة أصدقاء مقربين في المتوسط، بينما قال نحو 8% إنهم لا يملكون أي صديق مقرب. وتراوحت هذه النسبة بين 3% و13% بحسب الدولة.
وهذا الرقم لا يعني أن أربعة أصدقاء يمثلون «الوصفة المثالية» للسعادة، بل يعكس متوسطاً إحصائياً لطبيعة الشبكات الاجتماعية في تلك البلدان.
لماذا قد تكون الدائرة الصغيرة كافية؟
الصديق المقرب يختلف عن مجرد شخص نعرفه أو نتبادل معه الحديث من حين إلى آخر. فالعلاقة القوية تقوم عادة على الثقة، والدعم المتبادل، والقدرة على مشاركة المشاعر والمشكلات دون خوف من الحكم أو الرفض.
ولهذا، قد تكون مجموعة محدودة من العلاقات العميقة أكثر أهمية بالنسبة إلى الإنسان من شبكة واسعة من المعارف السطحية.
وتدعم ذلك بيانات مركز بيو للأبحاث في الولايات المتحدة. ففي استطلاع نُشر عام 2023، قال 53% من البالغين الأمريكيين إن لديهم بين صديق واحد وأربعة أصدقاء مقربين، بينما ذكر 38% أن لديهم خمسة أصدقاء مقربين أو أكثر، وقال 8% إنهم لا يملكون أي صديق مقرب.
وتكشف هذه الأرقام أن وجود دائرة صغيرة من الأصدقاء المقربين ليس أمراً استثنائياً، بل يمثل النمط الأكثر شيوعاً بين الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع.
العلاقات الاجتماعية القوية ترتبط بصحة أفضل
لا تقتصر أهمية الصداقة على الشعور بالسعادة أو التخلص من الملل، فقد وجدت أبحاث واسعة ارتباطاً بين قوة العلاقات الاجتماعية والصحة وطول العمر.
ففي مراجعة تحليلية نُشرت في مجلة «بلوس ميديسين»، جرى تحليل بيانات 148 دراسة شملت 308,849 شخصاً. ووجد الباحثون أن أصحاب العلاقات الاجتماعية الأقوى كانت لديهم احتمالات بقاء أعلى بنحو 50% مقارنة بمن كانت علاقاتهم الاجتماعية أضعف.
لكن هذه النتيجة تتعلق بالارتباط بين العلاقات الاجتماعية ومخاطر الوفاة، ولا تعني أن زيادة عدد الأصدقاء وحدها تضمن حياة أطول. كما أن الدراسة جمعت أنواعاً مختلفة من العلاقات والدعم والاندماج الاجتماعي، وليس الصداقة وحدها.
دراسة على 422 امرأة: الصداقة والرضا عن الحياة
وفي دراسة أخرى شملت 422 امرأة تراوحت أعمارهن بين 31 و77 عاماً، بحث الباحثون العلاقة بين شبكات الصداقة والعمر الذي يشعر به الإنسان داخلياً والرضا عن الحياة.
ونُشرت الدراسة عام 2020، وليس عام 2022 كما يرد في بعض المواد المتداولة. ووجدت أن تكرار اللقاءات مع الصديقات ارتبط بانخفاض «العمر الذاتي» وارتفاع مستوى الرضا عن الحياة، كما ارتبطت بعض مؤشرات الصداقة والانتماء بالرضا عن الحياة.
ويقصد بالعمر الذاتي العمر الذي يشعر الإنسان بأنه يعيشه نفسياً، وهو مفهوم قد يختلف عن العمر الفعلي المسجل في الوثائق.
وتشير هذه النتائج إلى أن الصداقة قد تؤثر في الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى حياته وتقدمه في العمر، وليس فقط في عدد الأشخاص الموجودين حوله.
أربعة أصدقاء في أوروبا.. لكن الرقم ليس قاعدة
تقدم بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية صورة إضافية عن حجم الدوائر الاجتماعية. ففي 22 دولة أوروبية، أظهر مسح عام 2022 أن متوسط عدد الأصدقاء المقربين يبلغ أربعة أشخاص، مع وجود تفاوت واضح بين الدول.
وفي الوقت نفسه، لا يملك نحو 8% من المشاركين أي صديق مقرب. وتوضح المنظمة أن حجم الشبكة الاجتماعية وتنوعها يمكن أن يكونا مهمين في بناء رأس المال الاجتماعي، لكن العلاقات القريبة تظل مكوناً أساسياً في الشبكات الاجتماعية لمعظم الناس.
لذلك، فإن الحديث عن «ثلاثة إلى خمسة أصدقاء» ينبغي فهمه باعتباره نطاقاً شائعاً يمكن أن يناسب كثيراً من الأشخاص، وليس وصفة علمية يجب على الجميع الوصول إليها.
الصديق الحقيقي أهم من قائمة طويلة من المعارف
قد يمتلك الإنسان مئات المتابعين وعشرات المعارف، لكنه لا يجد عند الحاجة سوى شخص أو اثنين يستطيع الاتصال بهما والحديث معهما بثقة.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين عدد العلاقات وعمقها. فالصداقة التي توفر الأمان والدعم والانتماء قد تكون أكثر تأثيراً في جودة الحياة من عدد كبير من العلاقات التي تقتصر على التواصل العابر.
كما أن اختلاف الاحتياجات الاجتماعية أمر طبيعي. فقد لا يشعر الشخص الذي يفضل العزلة النسبية بأنه يفتقد شيئاً لمجرد أن دائرة أصدقائه صغيرة، بينما قد يحتاج شخص آخر إلى لقاءات متكررة وشبكة أوسع حتى يشعر بالراحة والانتماء.
السعادة لا تحتاج إلى عشرات الأصدقاء
لا توجد قاعدة علمية تقول إن الإنسان يصبح أكثر سعادة بمجرد وصوله إلى عدد معين من الأصدقاء. لكن الأدلة المتاحة تشير بوضوح إلى أهمية العلاقات الاجتماعية القوية والداعمة بالنسبة إلى الرفاه النفسي والصحة.
وقد يكون وجود ثلاثة أو أربعة أو خمسة أصدقاء مقربين كافياً تماماً لشخص ما، بينما يحتاج شخص آخر إلى عدد مختلف. المهم ليس الوصول إلى رقم محدد، بل امتلاك علاقات يشعر الإنسان داخلها بأنه مسموع ومفهوم وقادر على طلب الدعم عند الحاجة.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: «كم صديقاً أحتاج؟»، بل: «هل لدي أشخاص أستطيع الاعتماد عليهم عندما أحتاج إليهم؟».
اقرأ المزيد
لماذا يبدو العالم أكثر قسوة اليوم؟ 9 عوامل نفسية واجتماعية تفسر تصاعد التوتر بين الناس
أخصائي نفسي يكشف العبارة التي تفضح الأشخاص المنافقين رغم مظهرهم اللطيف..
تخاف من رفض طلبات الآخرين؟.. كيف تتعلم قول «لا» دون خسارة علاقاتك؟

