وطن-في مشهد يعكس تحولاً في لغة التواصل السياسي داخل بريطانيا، بدا مؤتمر حزب العمال في ليفربول هذا العام وكأنه يحمل مؤشرات على مرحلة جديدة في علاقة الحكومة العمالية مع المنظمات والمجتمعات المسلمة، بعد سنوات اتسمت بفتور العلاقة بين الحكومة وبعض أبرز الهيئات الإسلامية في البلاد.
وجاء ذلك بالتزامن مع تولي آندي بيرنهام رئاسة الحكومة البريطانية وقيادته حزب العمال، خلفاً لكير ستارمر، في تحول سياسي أعاد ترتيب أولويات الحزب وخطابه.
وعلى هامش المؤتمر، استضاف مركز «إكوي»، وهو مركز أبحاث يركز على قضايا المجتمع والسياسات العامة ويستند في عمله أيضاً إلى الخبرات والرؤى المسلمة، حفل استقبال في مدينة ليفربول جمع شخصيات سياسية وبرلمانية وممثلين عن منظمات المجتمع المدني المسلمة.
وكان الحدث، وفق ما رصدته الصحافة البريطانية، مناسبة لفتح نقاش حول علاقة الحكومة بالمجتمع المسلم، وحول الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الدينية والمدنية في معالجة قضايا الاندماج والتماسك الاجتماعي والهجرة.
«أمل جديد» في العلاقة مع المسلمين
شهد الحفل حضور عدد من النواب والشخصيات العمالية، وسط أجواء وصفت بالتفاؤل الحذر بشأن إمكانية توسيع قنوات التواصل بين الحكومة والمنظمات المسلمة.
ويأتي ذلك في سياق سياسي شهد خلال السنوات الماضية توتراً بشأن علاقة الحكومات البريطانية المتعاقبة ببعض المنظمات الإسلامية، ولا سيما المجلس الإسلامي البريطاني.
لكن المشهد داخل مؤتمر حزب العمال بدا مختلفاً، مع حضور شخصيات مسلمة وقيادات مدنية إلى جانب أعضاء في الحزب ونواب برلمانيين، في مؤشر على رغبة أطراف سياسية في إعادة طرح قضية التواصل مع المجتمع المسلم على طاولة النقاش.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بعد سنوات من الجدل حول تمثيل المسلمين في الحياة السياسية البريطانية، وحول ما إذا كانت الحكومة تتعامل مع المنظمات الإسلامية باعتبارها شريكاً مدنياً أم باعتبارها جهات ينبغي إبقاء مسافة سياسية منها.
أوما كوماران: «أصوات المسلمين لم تكن مسموعة بما يكفي»
ومن أبرز الرسائل التي خرجت من الفعالية حديث وزيرة الدولة في وزارة الخارجية أوما كوماران عن شعور قطاعات من المسلمين البريطانيين بأن أصواتهم لم تحظ بالاستماع الكافي خلال الفترة الماضية.
ونقلت التقارير عن كوماران إقرارها بأن المسلمين البريطانيين شعروا خلال العامين الماضيين بأن أصواتهم «لا تُسمع»، مضيفة أن الحكومة لا ينبغي أن تتجاهل هذا الشعور.
كما أشارت إلى أن وزير الخارجية إد ميليباند أدرك الحاجة إلى تغيير هذا الوضع، معربة عن أملها في أن تكون الخطوات الأخيرة بداية لمسار جديد في العلاقة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تظل فيه السياسة البريطانية تجاه الحرب في غزة والشرق الأوسط من أكثر الملفات حساسية داخل أوساط حزب العمال والمجتمعات المسلمة في بريطانيا.
من غزة إلى الحوار الداخلي
كان موقف حزب العمال من إسرائيل والحرب في غزة أحد مصادر التوتر السياسي مع قطاعات واسعة من الناخبين المسلمين خلال السنوات الماضية، خصوصاً في الانتخابات العامة والانتخابات المحلية.
ومع وصول بيرنهام إلى رئاسة الحكومة، تحاول القيادة الجديدة تقديم صورة مختلفة عن مرحلة ستارمر، وإن كان من المبكر القول إن ذلك يمثل تحولاً شاملاً في العلاقة بين الحكومة والمسلمين البريطانيين.
ويظهر هذا التغيير بصورة أوضح في لغة التواصل والحضور السياسي، وليس بالضرورة في جميع السياسات الحكومية المتعلقة بالمجتمعات المسلمة. كما أن ملف العلاقة مع المجلس الإسلامي البريطاني لم يُحسم بعد.
المجلس الإسلامي البريطاني.. العقدة التي لم تُحل
رغم مؤشرات الانفتاح التي ظهرت في مؤتمر حزب العمال، فإن الحكومة البريطانية كانت قد أكدت رسمياً في مارس 2026 أن سياسة عدم التواصل مع المجلس الإسلامي البريطاني لم تتغير.
وفي أبريل، أكدت وزارة الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي أن الحكومة لا تتواصل مع المجلس الإسلامي البريطاني إلى جانب منظمات أخرى، رغم فتح باب المشاركة أمام الأفراد والمنظمات لتقديم الأدلة إلى مجموعة العمل الحكومية المعنية بالكراهية ضد المسلمين.
وهذا يعني أن الحديث عن «صفحة جديدة» لا يمكن أن يُفهم حتى الآن على أنه إنهاء رسمي لسياسة المقاطعة أو إعادة العلاقة مع المجلس الإسلامي البريطاني إلى وضعها السابق. بل إن وجود مسؤولين ونواب وشخصيات مسلمة في فعاليات حزب العمال يعكس، في المقابل، اتساع مساحة الحوار مع أجزاء من المجتمع المدني المسلم.
إكوي.. بوابة جديدة للحوار؟
يقدم مركز «إكوي» نفسه باعتباره مركز أبحاث ينتج دراسات وتوصيات في قضايا تؤثر في المجتمع البريطاني، مستفيداً من الرؤى والخبرات المسلمة، مع التركيز على ملفات مثل الهجرة والصحة والتماسك الاجتماعي.
وليس هذا الحضور جديداً تماماً؛ فقد نظم المركز فعاليات على هامش مؤتمرات حزب العمال في السنوات السابقة، واستضاف شخصيات حكومية وبرلمانية، ما يشير إلى أن قنوات التواصل معه كانت قائمة قبل وصول بيرنهام إلى رئاسة الحكومة.
لكن أهمية المؤتمر الحالي تكمن في توقيته السياسي، إذ جاء بعد انتقال السلطة إلى قيادة جديدة وفي ظل رغبة حكومة بيرنهام في إعادة صياغة علاقتها بالمجتمع البريطاني ومؤسساته.
تحذير من الانقسام وصعود اليمين المتطرف
ولم تقتصر الرسائل خلال الفعالية على العلاقة بين الحكومة والمسلمين، بل امتدت إلى قضية الانقسام الاجتماعي وصعود الخطابات المعادية للمهاجرين والمسلمين.
وحذرت كوماران من القوى التي تستفيد من انقسام المجتمع البريطاني، داعية إلى مواجهة هذه الانقسامات بدلاً من السماح لها بتحديد شكل النقاش العام.
كما تحدثت النائبة العمالية ياسمين قريشي عن الطريقة التي يظهر بها المسلمون في النقاش السياسي والإعلامي، مشيرة إلى أن التركيز عليهم كثيراً ما يأتي من زاوية المشكلات، بدلاً من إبراز دورهم باعتبارهم جزءاً من المجتمع البريطاني ومساهمين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
المسلمون والهجرة.. من الجدل إلى الأرقام
وتزامن المؤتمر مع إطلاق مركز «إكوي» تقريراً جديداً حول الهجرة وتأثيرها في بريطانيا. ويشير التقرير إلى وجود فجوة بين التصورات الشعبية والبيانات المتعلقة بمستويات الهجرة؛ إذ قال المركز إن 67 في المئة ممن شملهم الاستطلاع يعتقدون أن الهجرة في ارتفاع، في حين انخفض صافي الهجرة بصورة حادة وفق البيانات التي اعتمد عليها التقرير.
ويقدم التقرير كذلك أرقاماً حول مساهمة المهاجرين في الاقتصاد والخدمات العامة، من بينها أن المهاجرين البالغين كانوا يشغلون نحو 6.5 ملايين وظيفة في بريطانيا في ديسمبر 2025، وأن 42 في المئة من الأطباء حصلوا على مؤهلاتهم خارج بريطانيا.
كما يقدر التقرير أن الأطباء والممرضين المهاجرين يقدمون مساهمة مالية صافية كبيرة للخزينة البريطانية خلال حياتهم، ويشير إلى أن هذه المساهمات يجب أن تكون جزءاً من النقاش العام حول الهجرة إلى جانب الضغوط التي يمكن أن تفرضها على السكن والخدمات العامة.
ويدعو التقرير إلى إدراج تاريخ الهجرة في المناهج الدراسية، إلى جانب تحسين البيانات المتعلقة بالهجرة وتعزيز الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية.
ويؤكد المركز في تقريره أن الهدف ليس تقديم الهجرة باعتبارها قضية بلا سلبيات أو تحديات، بل الدفع نحو نقاش يستند إلى البيانات، ويجمع بين الاعتراف بالمساهمات الاقتصادية والاجتماعية للمهاجرين ومناقشة الضغوط التي تواجهها المجتمعات والخدمات العامة.
الدين والمجتمع.. دور يتجاوز السياسة
وتطرقت النقاشات أيضاً إلى الدور الذي تؤديه المؤسسات الدينية في الحياة العامة البريطانية. وأشار اللورد واجد خان، الذي شغل سابقاً منصباً حكومياً معنيّاً بشؤون الأديان، إلى أن المجتمعات الدينية تستطيع الوصول إلى مناطق وفئات قد تجد الحكومة صعوبة في الوصول إليها مباشرة.
واستُشهد في هذا السياق بأدوار لعبتها المؤسسات الدينية خلال جائحة كورونا، وحملات التطعيم، وأعمال الشغب التي شهدتها بريطانيا عام 2024.
وتعكس هذه الرؤية نقاشاً أوسع داخل بريطانيا حول دور المؤسسات الدينية في تعزيز التماسك الاجتماعي، بعيداً عن كونها مجرد جهات تمثل أتباع ديانة معينة.
صفحة جديدة.. لكن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد
قد يكون مؤتمر حزب العمال في ليفربول مؤشراً إلى تغير في أسلوب التواصل بين الحكومة وبعض المؤسسات والشخصيات المسلمة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات انتهاء سنوات القطيعة.
فسياسة الحكومة تجاه المجلس الإسلامي البريطاني لم تتغير رسمياً حتى مارس 2026، كما أن التواصل مع المنظمات الإسلامية يظل محكوماً بمبادئ حكومية تتعلق بالتطرف والتدقيق قبل التعامل مع مختلف الجهات.
وفي المقابل، فإن وجود مسؤولين ونواب وشخصيات من المجتمع المسلم في فعاليات مرتبطة بمؤتمر حزب العمال، إلى جانب الخطاب الذي تحدث عن ضرورة الاستماع إلى أصوات المسلمين، يشير إلى مساحة سياسية أوسع للحوار. وهكذا، فإن «الصفحة الجديدة» التي ظهرت في ليفربول لا تزال في بدايتها.
الاختبار الحقيقي سيكون في مدى تحول هذا التواصل من لقاءات وفعاليات إلى سياسات ومؤسسات وحوار رسمي مستدام، وفي ما إذا كانت الحكومة ستعيد النظر في الملفات التي ظلت عالقة، وعلى رأسها علاقتها بالمجلس الإسلامي البريطاني.
وبينما يحاول آندي بيرنهام تقديم حكومته باعتبارها حكومة تسعى إلى تجاوز سنوات الانقسام وإعادة بناء الثقة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحول الانفتاح على المسلمين البريطانيين إلى سياسة دائمة، أم يظل مجرد لحظة سياسية مرتبطة ببداية عهد جديد؟
اقرأ المزيد
غموض رسمي يحيط بالمقاطعة.. وزارات بريطانية تعجز عن إثبات سياسة تجاه المجلس الإسلامي

