وطن-في مؤشر على محاولة إعادة فتح قنوات التواصل بين الرياض وأبوظبي، استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان في الرياض، في أول زيارة رفيعة المستوى من أبوظبي منذ تصاعد الخلافات بين البلدين على خلفية التطورات في اليمن.
وجاء اللقاء في وقت تشهد فيه الساحة اليمنية تصعيداً جديداً، مع تقدم الحوثيين على ساحل البحر الأحمر وتزايد الهجمات التي تستهدف السعودية، ما أعاد ملف التعاون السعودي الإماراتي إلى الواجهة، وطرح تساؤلات حول إمكانية عودة التنسيق بين الطرفين في مواجهة الجماعة.
لقاء الرياض.. إشارة إلى تجاوز الخلاف
وبحسب وكالة الأنباء السعودية ووسائل إعلام إماراتية، بحث محمد بن سلمان ومنصور بن زايد العلاقات بين البلدين والتطورات الإقليمية، بحضور وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان.
ولم يعلن الجانبان عن اتفاق عسكري جديد أو عملية مشتركة ضد الحوثيين، إلا أن توقيت اللقاء وطبيعة الحضور اكتسبا أهمية خاصة، خصوصاً أن زيارة منصور جاءت بدعوة من وزير الدفاع السعودي.
وتصف تقارير دولية الخطوة بأنها محاولة لإعادة ترميم العلاقات بعد خلافات عميقة تفجرت خلال العام الجاري، ولا سيما بسبب مستقبل الجنوب اليمني والقوى المحلية المدعومة من الإمارات.
الحوثيون يعيدون ترتيب الحسابات
تزامن التقارب السعودي الإماراتي مع تغير واضح في موازين القوى داخل اليمن. فخلال سبتمبر/أيلول، حقق الحوثيون تقدماً على ساحل البحر الأحمر، وتمكنوا من السيطرة على مناطق استراتيجية، فيما تراجعت قوات موالية للحكومة اليمنية، بينها قوات مرتبطة بالإمارات.
وتقول تقارير حديثة إن الهجوم الحوثي دفع الرياض وأبوظبي إلى إعادة تقييم حساباتهما، بعدما أصبح أمن البحر الأحمر وباب المندب مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن السعودية ومصالحها الاقتصادية.
وتشير تحليلات إلى أن السعودية قد تكون بحاجة إلى النفوذ الذي لا تزال الإمارات تمتلكه لدى عدد من الفصائل اليمنية، حتى بعد انسحاب أبوظبي من التدخل العسكري المباشر في اليمن.
هل يعود التعاون العسكري؟
السؤال الأكثر إثارة بعد لقاء الرياض يتعلق بما إذا كان التقارب السياسي يمكن أن يتحول إلى تعاون عسكري. حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي عن تشكيل قيادة عسكرية مشتركة أو عودة القوات الإماراتية إلى العمليات داخل اليمن. لكن تقارير صحفية تحدثت عن إمكانية استفادة الرياض من علاقات أبوظبي مع القوى الجنوبية، ومن الخبرة التي راكمتها الإمارات خلال سنوات مشاركتها في الحرب اليمنية.
وتشير هذه التقارير إلى أن أبوظبي تستطيع التأثير في عدد من الفصائل المحلية من دون العودة بالضرورة إلى نشر قوات إماراتية على الأرض، وهو ما قد يمنح السعودية هامشاً إضافياً في مواجهة التقدم الحوثي.
وفي الوقت نفسه، أعلنت باكستان استعدادها للدفاع عن السعودية «بكل الوسائل» في مواجهة الحوثيين، في إطار اتفاق دفاعي ثلاثي مع السعودية وتركيا، بينما لا تزال الآليات العملية لهذا التعاون قيد التطوير.
من تحالف 2015 إلى الخلاف
لم تكن السعودية والإمارات خصمين في اليمن في الأساس، بل كانتا من أبرز طرفي التحالف العسكري الذي تدخل عام 2015 ضد الحوثيين بعد سيطرة الجماعة على صنعاء ومناطق واسعة من البلاد.
لكن أهداف الطرفين بدأت تتباعد مع مرور السنوات.
فبينما ركزت السعودية بصورة أكبر على دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والحفاظ على وحدة البلاد، دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى محلية أخرى تطالب بدرجات مختلفة من الحكم الذاتي أو استعادة دولة الجنوب السابقة.
وتحول هذا التباين إلى صدام مباشر خلال العام الجاري، بعدما تقدمت قوات مرتبطة بالمجلس الانتقالي في مناطق جنوبية، قبل أن تتدخل القوات السعودية وتلحق بها الهزيمة، وفق تقارير دولية. وأعقب ذلك انسحاب الإمارات من اليمن.
لماذا تحتاج الرياض إلى أبوظبي؟
تكمن أهمية الإمارات بالنسبة إلى السعودية في أن أبوظبي لا تزال تمتلك علاقات قوية مع عدد من القوى المسلحة والسياسية في جنوب اليمن، بينها قوات المجلس الانتقالي وألوية العمالقة وقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح.
وهذه الشبكة من العلاقات قد تكون ذات أهمية بالنسبة إلى الرياض في حال سعت إلى إعادة تنظيم الجبهة المناهضة للحوثيين.
ويرى محللون نقلت عنهم وسائل إعلام دولية أن الإمارات يمكن أن تؤدي دوراً سياسياً وميدانياً حتى من دون عودة قواتها بشكل مباشر إلى الحرب.
لكن هذا الدور يظل مرتبطاً بمدى استعداد السعودية لتقديم تنازلات بشأن مستقبل الجنوب اليمني والقوى التي تدعمها أبوظبي.
خلافات لم تختفِ
ورغم أهمية لقاء الرياض، فإن الخلافات بين البلدين لم تختفِ. فاليمن ليس الملف الوحيد الذي تتباين فيه حسابات الرياض وأبوظبي؛ إذ توجد اختلافات أيضاً بشأن السودان والقرن الأفريقي وأرض الصومال، فضلاً عن التنافس على النفوذ الاقتصادي والأمني في المنطقة.
وفي السودان، تدعم السعودية مساراً مرتبطاً بالجيش السوداني، بينما تواجه الإمارات اتهامات متكررة بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.
أما في أرض الصومال، فتتقاطع مصالح الإمارات الاقتصادية والأمنية مع حسابات سعودية أوسع تتعلق بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ولهذا فإن عودة الحوار بين الرياض وأبوظبي لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات البنيوية بينهما، وإنما قد تعكس محاولة لإدارة هذه الخلافات في ظل تهديدات أمنية متصاعدة.
البحر الأحمر في قلب الحسابات
تزداد أهمية التقارب السعودي الإماراتي مع تصاعد المخاطر المحيطة بالبحر الأحمر وباب المندب. فسيطرة الحوثيين أو توسيع نفوذهم على مناطق استراتيجية في الساحل الغربي لليمن يمكن أن يؤثر في حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، كما يضع السعودية أمام تهديد أمني مباشر.
وقد دفعت هذه التطورات أيضاً الأمم المتحدة إلى تكثيف جهودها لمنع اتساع التصعيد، فيما حذر مبعوثها إلى اليمن من أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيداً مع ارتباطها بالتوترات الإقليمية الأوسع.
خطوة تقارب أم تحالف جديد؟
يمثل لقاء محمد بن سلمان ومنصور بن زايد خطوة واضحة لإعادة التواصل على أعلى مستوى بين الرياض وأبوظبي، لكنه لا يكفي وحده لإثبات عودة التحالف العسكري الذي جمعهما في اليمن خلال السنوات الأولى من الحرب.
فالبيان الرسمي تحدث عن العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، بينما تشير التحليلات إلى أن التهديد الحوثي يمثل أحد أهم العوامل التي تدفع الطرفين إلى إعادة الحسابات.
وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة لمعرفة ما إذا كان التقارب سيبقى في حدود التنسيق السياسي والدبلوماسي، أم سيتطور إلى ترتيبات أمنية وميدانية جديدة في اليمن.
وفي كل الأحوال، تبدو عودة الرياض وأبوظبي إلى طاولة الحوار مرتبطة بصورة وثيقة بالتغيرات السريعة في موازين القوى اليمنية، وبمحاولة احتواء تداعيات تقدم الحوثيين على أمن السعودية والبحر الأحمر.
اقرأ أيضاً
هدنة بين المحمدين.. السعودية والإمارات تطفئان حرب المنصات بعبارة «خليجنا واحد»
رسائل متزامنة من الرياض وأبوظبي.. هل تنهي الخلافات بين السعودية والإمارات؟
حرب الحوالات الصامتة: فايننشال تايمز تكشف كواليس تجميد وإرجاع الأموال بين السعودية والإمارات..

