وطن-عبارة واحدة من مناظرة في جامعة أكسفورد أشعلت سجالًا فلسطينيًا سوريًا، ودَفعت الرئاسة الفلسطينية إلى التدخل سريعًا لتحديد موقفها، إذ تحدث رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق وعضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» محمد اشتية، عن الرئيس السوري أحمد الشرع، مستخدمًا عبارة قال فيها إن الشرع «ينام في السرير نفسه مع الأميركيين والإسرائيليين»، وذلك في سياق حديثه عن السياسة الإسرائيلية في المنطقة واستهداف سوريا.
لكن ما بدأ كتصريح سياسي في مناظرة تحول خلال ساعات إلى أزمة خطابية، بعدما أعلنت الرئاسة الفلسطينية أن التصريحات المتداولة والمنسوبة إلى اشتية «مرفوضة جملة وتفصيلًا» ولا تمثل الموقف الرسمي الفلسطيني، في حين عاد اشتية ليقول إن كلامه أُخرج من سياقه وتعرض للتحريف، مؤكدًا في الوقت نفسه عمق العلاقات الفلسطينية السورية.
عبارة واحدة تشعل الجدل
خلال مشاركته في مناظرة استضافتها جامعة أكسفورد، تناول اشتية سياسات إسرائيل في المنطقة، متحدثًا عن الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا.
وفي الجزء الذي انتشر على نطاق واسع، قال إن أحمد الشرع «ينام في السرير نفسه مع الأميركيين والإسرائيليين»، قبل أن يربط ذلك باستمرار إسرائيل في استهداف دمشق والسيطرة على مناطق في جنوب سوريا، بحسب المقطع المتداول من مداخلته.
العبارة أثارت موجة واسعة من التفاعل والانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا أنها صدرت عن مسؤول فلسطيني سابق وعضو في اللجنة المركزية لحركة «فتح»، وتناولت رئيس دولة عربية في مرحلة شديدة الحساسية إقليميًا.
رام الله تتدخل.. «مرفوضة جملة وتفصيلًا»
لم تنتظر الرئاسة الفلسطينية طويلًا قبل إصدار موقف رسمي، ففي بيان صدر في 27 سبتمبر، قالت الرئاسة إن «التصريحات التي نُسبت» إلى محمد اشتية والمتداولة بشأن سوريا «مرفوضة جملة وتفصيلًا»، مؤكدة أنها لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن الموقف الرسمي الفلسطيني أو عن سياسته الثابتة.
وشدد البيان على عمق ومتانة العلاقات الأخوية والتاريخية بين الشعبين والقيادتين الفلسطينية والسورية، وعلى حرص فلسطين على تعزيز التنسيق المشترك بين البلدين والرئيسين في القضايا ذات الاهتمام المشترك. بهذا الموقف، فصلت الرئاسة بوضوح بين التصريحات المتداولة وبين الموقف الرسمي الفلسطيني تجاه دمشق.
عباس يؤكد تقديره لأحمد الشرع
وفي السياق نفسه، نقل بيان الرئاسة عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس تقديره للرئيس السوري أحمد الشرع، مشيدًا بمواقفه تجاه القضية الفلسطينية. كما أثنى عباس، وفق البيان، على جهود الشرع المتعلقة بتعزيز الأمن والاستقرار في سوريا ودفع عملية النهوض الاقتصادي فيها. وهكذا جاء الموقف الرئاسي مختلفًا بوضوح عن الصورة التي بدت في المقطع المتداول، لتؤكد رام الله أن تصريحات اشتية لا تعكس سياستها الرسمية تجاه دمشق.
اشتية يرد: كلامي أُخرج من سياقه
لكن القصة لم تنتهِ ببيان الرئاسة، فاشتية عاد إلى التعليق على الجدل، رافضًا ما وصفه بـ**«إخراج كلامه عن سياقه وتحريفه»**. وأكد في توضيحه عمق العلاقات الفلسطينية السورية، كما شدد على دعمه للخيار الديمقراطي للشعب السوري ووحدة الأراضي السورية.
وبذلك، لم يقدم اشتية في توضيحه تراجعًا عن حديثه في المناظرة وفق ما نقلته المصادر، لكنه اعترض على الطريقة التي جرى بها تداول كلامه، معتبرًا أن المقطع أو العبارة فُصلت عن السياق الأوسع لمداخلته.
بين المقطع الكامل والعبارة المتداولة
هنا تكمن إحدى النقاط الأساسية في الجدل، فالمقطع المتداول يوثق العبارة التي أثارت الأزمة، لكن اشتية يقول إن السياق الأوسع للمداخلة لم يظهر في التداول بالطريقة نفسها. وفي المقابل، فإن الرئاسة الفلسطينية لم تدخل في نقاش تفصيلي حول السياق الذي تحدث فيه اشتية، بل اتخذت موقفًا سياسيًا مباشرًا من التصريحات المتداولة، ووصفتها بأنها لا تمثل الموقف الرسمي.
لذلك، فإن الخلاف الحالي لا يدور فقط حول مضمون العبارة، وإنما أيضًا حول السياق الذي قيلت فيه وما إذا كان المقطع المتداول يعكس كامل موقف اشتية من الرئيس السوري والعلاقات الفلسطينية السورية.
لماذا تدخلت الرئاسة بهذه السرعة؟
توقيت التصريحات وسياقها الإقليمي يفسران جانبًا من حساسية الموقف، فسوريا تشهد مرحلة سياسية جديدة، فيما تستمر إسرائيل في تنفيذ ضربات وعمليات عسكرية داخل الأراضي السورية، ويظل مستقبل العلاقة بين دمشق والولايات المتحدة وإسرائيل أحد الملفات الإقليمية الحساسة.
وفي هذا السياق، فإن أي موقف فلسطيني ينتقد القيادة السورية يمكن أن يحمل تداعيات تتجاوز صاحبه، خصوصًا عندما يصدر عن شخصية قيادية بارزة في حركة «فتح». ولهذا بدا بيان الرئاسة حريصًا على إعادة التأكيد على العلاقات الفلسطينية السورية، وعلى أن ما صدر عن اشتية لا يمثل السياسة الرسمية.
هل كان اشتية يوجه رسالة سياسية؟
هذا السؤال طُرح بقوة بعد انتشار المقطع، لكن لا توجد معطيات موثوقة تسمح بالجزم بأن التصريح كان جزءًا من رسالة سياسية محسوبة. والمؤكد أن اشتية كان يتحدث في مناظرة سياسية عن إسرائيل وسوريا، وأن العبارة المتعلقة بالشرع انتشرت على نطاق واسع، ثم صدرت عنها مواقف متباينة: الرئاسة رفضت التصريحات المنسوبة إليه، واشتية قال إن كلامه حُرّف وأخرج من سياقه. أما تفسير النية السياسية وراء العبارة، فيبقى في دائرة التحليل ولا تؤكده المصادر المتاحة.
شرخ في الخطاب أم أزمة مقطع؟
في غضون أيام، انتقل الجدل من مقطع فيديو قصير إلى نقاش أوسع حول طبيعة الخطاب الفلسطيني تجاه سوريا، فالرئاسة تؤكد العلاقات التاريخية والتنسيق مع دمشق، وعباس يعلن تقديره لأحمد الشرع، بينما يصر اشتية على أن مداخلته أُخرجت من سياقها، مؤكدًا في الوقت نفسه دعمه لوحدة سوريا وخيار شعبها الديمقراطي.
وبين الموقفين، بقيت العبارة الأصلية هي محور الجدل، لكن ما يمكن قوله بوضوح هو أن التصريح أثار خلافًا علنيًا حول طريقة تناول القيادة الفلسطينية للعلاقة مع دمشق، قبل أن تسارع الرئاسة إلى تثبيت موقفها الرسمي والتأكيد أن كلام اشتية لا يمثلها.
اقرأ أيضاً
أحمد الشرع يعلن أن السلام مع إسرائيل مشروط بوقف الاعتداءات والانسحاب من الأراضي السورية
لقاء ترامب والشرع في أنقرة.. مكسب سياسي للرئيس السوري ورسائل أمريكية تتجاوز قمة الناتو
تصريحات غير مسبوقة للشرع.. هل تدخل سوريا مرحلة التفاهمات الأمنية مع إسرائيل؟

