وطن-استحضر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية لتوجيه انتقادات إلى طريقة إدارة عدد من الدول الأوروبية لحدودها، معتبراً أن تدفقات الهجرة واسعة النطاق تفرض ضغوطاً متزايدة على قدرة الدول والمجتمعات على الاستيعاب.
وجاءت تصريحات روبيو في مقابلة مع الإعلامي شون هانيتي على قناة «فوكس نيوز»، في سياق حديثه عن الهجرة والحدود ومستقبل السياسات الأوروبية، حيث أشار تحديداً إلى الصور التي خرجت من إسبانيا خلال أزمة سبتة الأخيرة.
وقال روبيو، بحسب ما نقلته وسائل إعلام أميركية وإسبانية، إن الدول تحتاج إلى أن تكون قادرة على التحكم في حدودها وتحديد من يدخل أراضيها، مشدداً على أن موقفه لا يقوم، كما قال، على رفض الهجرة من حيث المبدأ، وإنما على ضرورة أن تكون منظمة وتخضع لإجراءات واضحة.
سبتة.. المثال الذي اختاره روبيو
وقال روبيو خلال المقابلة: «لقد رأينا جميعاً الصور، على سبيل المثال، لما يحدث في إسبانيا»، في إشارة إلى التدفق الكبير للمهاجرين إلى سبتة في نهاية يوليو/تموز.
وشهدت المدينة، الواقعة على الساحل الشمالي لأفريقيا والخاضعة للإدارة الإسبانية، واحدة من أكبر موجات العبور في تاريخها، بعدما دخل عشرات الآلاف من الأشخاص من الأراضي المغربية خلال فترة قصيرة.
وتشير بيانات نقلتها رويترز في سبتمبر إلى أن عدد عمليات العبور خلال موجة يوليو تجاوز 72 ألفاً، فيما ظل آلاف الأشخاص في المدينة بعد أسابيع من الأزمة، بينهم قاصرون.
وكانت الأزمة قد دفعت السلطات الإسبانية إلى تعزيز الإجراءات الأمنية في المنطقة، فيما أصبحت سبتة محوراً لنقاش سياسي واسع حول الحدود والهجرة والعلاقات مع المغرب.
«لا يمكن إغراق الدول بالهجرة»
في حديثه عن التجربة الأوروبية، شدد روبيو على أن الدولة، وفق رؤيته، لا تستطيع السماح بحدود مفتوحة أمام تدفقات واسعة من المهاجرين.
ووصف الهجرة المنظمة بأنها عملية ينبغي أن تعرف من خلالها الدولة هوية الأشخاص الذين يدخلون أراضيها، وأسباب دخولهم، والشروط التي تنطبق عليهم، إضافة إلى القدرة على تحديد عدد الأشخاص الذين يمكن استقبالهم سنوياً.
واستخدم روبيو تشبيهاً لافتاً لتفسير موقفه قائلاً: «أنا لست ضد المطر، بل ضد الفيضانات»، في إشارة إلى أنه لا يعارض الهجرة باعتبارها ظاهرة في حد ذاتها، لكنه يعارض التدفقات التي يرى أنها تتجاوز قدرة الدول على إدارتها.
وأضاف أن الهجرة واسعة النطاق يمكن أن تكون مكلفة للمجتمعات، معتبراً أنها غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل إذا لم تكن خاضعة لضوابط.
روبيو يربط أوروبا بتجربة الولايات المتحدة
لم يقتصر حديث وزير الخارجية الأميركي على أوروبا، بل ربط بين ما شهدته القارة وبين سياسات الهجرة الأميركية خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن.
وقال روبيو إن الولايات المتحدة شهدت خلال تلك الفترة، من وجهة نظره، تدفقاً كبيراً وغير منضبط للأشخاص عبر الحدود، معتبراً أن التجربة الأميركية كشفت، بحسب تقييمه، عن آثار ترك الحدود من دون رقابة كافية.
ويأتي هذا الموقف منسجماً مع الخطاب الذي تبناه روبيو منذ سنوات بشأن ضرورة الجمع بين إصلاح نظام الهجرة وتشديد الرقابة على الحدود.
وفي تصريحات سابقة، دعا روبيو إلى تأمين الحدود أولاً، ثم تحديث نظام الهجرة القانونية، قبل معالجة أوضاع المهاجرين المقيمين بصورة غير نظامية داخل الولايات المتحدة.
أزمة سبتة تعود إلى الواجهة الأوروبية
تصريحات روبيو جاءت في وقت لم تنته فيه تداعيات أزمة سبتة داخل إسبانيا، ففي نهاية يوليو، دخل آلاف المهاجرين المدينة بحراً وبراً، وأرسلت مدريد قوات إضافية لدعم الشرطة بعد تعرض مرافق الاستقبال لضغوط كبيرة. وكانت السلطات قد سجلت في البداية آلاف عمليات العبور خلال يوم واحد، قبل أن تتضح لاحقاً ضخامة الموجة التي تجاوزت عشرات الآلاف.
وتسببت الأزمة في نقاش سياسي حاد داخل إسبانيا، كما امتدت تداعياتها إلى المستوى الأوروبي. وفي سبتمبر، أعلن مفوض الهجرة الأوروبي ماغنوس برونر عن توجه لتقوية مراقبة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، بما يشمل تعزيز دور وكالة «فرونتكس»، وإنشاء آليات إنذار مبكر للتعامل مع موجات العبور المفاجئة، إضافة إلى تعزيز إجراءات إعادة المهاجرين غير النظاميين.
المغرب ينفي المسؤولية عن موجة العبور
وأثارت أزمة سبتة أيضاً خلافاً سياسياً حول أسبابها، فقد اتهمت أطراف سياسية إسبانية المغرب بالتساهل في مراقبة حدوده خلال موجة العبور، لكن الرباط نفت هذه الاتهامات، وقالت وزارة الخارجية المغربية إنه لم يتم تقديم أدلة ملموسة تربط السلطات المغربية بتنظيم عملية العبور الجماعي.
وأكدت الرباط في المقابل استعدادها للتعاون مع إسبانيا في ملفات الأمن والهجرة وإعادة المهاجرين، رافضة تحميلها مسؤولية الأزمة.
كما أشارت تقارير إلى أن عوامل اقتصادية ومعلومات مضللة انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً في دفع أعداد كبيرة من الأشخاص إلى محاولة الوصول إلى سبتة.
الهجرة تتحول إلى ملف أوروبي أكثر حساسية
أزمة سبتة لم تعد قضية إسبانية محلية فقط، فالموجة الكبيرة التي شهدتها المدينة أعادت إلى الواجهة سؤال قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل مع التدفقات المفاجئة للمهاجرين، خصوصاً في المناطق الحدودية التي تربط أوروبا بشمال أفريقيا.
وفي الوقت نفسه، تتداخل في هذا الملف اعتبارات مختلفة: أمن الحدود، واللجوء، وإعادة المهاجرين، والعلاقات مع دول المنشأ والعبور، إلى جانب الالتزامات القانونية والإنسانية للدول الأوروبية.
ولهذا جاءت تصريحات روبيو في لحظة تشهد فيها أوروبا نقاشاً متجدداً حول كيفية التعامل مع الهجرة غير النظامية، بينما تحاول إسبانيا احتواء آثار أزمة سبتة وإعادة تنظيم آليات استقبال وإعادة الأشخاص الذين دخلوا المدينة خلال موجة يوليو.
من سبتة إلى واشنطن.. الهجرة في قلب النقاش الغربي
اختيار روبيو لسبتة مثالاً في حديثه عن الهجرة يعكس اتساع نطاق الأزمة الأخيرة وتأثيرها في النقاش السياسي خارج إسبانيا، فبعدما تحولت المدينة إلى نقطة رئيسية في الجدل الإسباني حول أمن الحدود، أصبحت أيضاً مثالاً يُستشهد به في نقاش أوسع حول قدرة الدول الأوروبية على التحكم في حدودها الخارجية.
وبينما يرى روبيو أن الهجرة يجب أن تكون «منظمة» ومحددة وفق قدرة الدولة على الاستيعاب، تظل أوروبا أمام معادلة أكثر تعقيداً، تجمع بين حماية الحدود والالتزامات المتعلقة باللجوء وحقوق الإنسان.
وفي سبتة تحديداً، يبدو أن أزمة يوليو لم تنتهِ بانتهاء موجة العبور، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة عنوانها كيف ستتعامل إسبانيا والاتحاد الأوروبي مع التدفقات الجماعية مستقبلاً، ومن يملك أدوات منع تكرارها؟
اقرأ المزيد
أزمة سبتة الحدودية.. الإعلام الجزائري يتهم المغرب بتوظيف الهجرة للضغط على إسبانيا وأوروبا

