وطن-عاد ملف الناشط البحريني أحمد جعفر محمد علي إلى الواجهة في أوروبا، بعد مطالبة مجلس أوروبا السلطات الصربية باتخاذ خطوات لتنفيذ حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، الذي خلص إلى أن صربيا انتهكت التزاماتها بموجب الاتفاقية الأوروبية عندما سلّمت الناشط إلى البحرين رغم وجود مخاوف من تعرضه للتعذيب أو سوء المعاملة.
وتكتسب القضية أهمية خاصة لأنها تتعلق بتسليم طالب لجوء إلى بلد كان يقول إنه يواجه فيه خطراً حقيقياً على سلامته، في وقت تؤكد فيه قواعد المحكمة الأوروبية أن أحكامها ملزمة للدول المعنية، بينما تتولى لجنة وزراء مجلس أوروبا الإشراف على تنفيذها.
من صربيا إلى سجن جو
أحمد جعفر محمد علي، وهو مواطن بحريني مولود عام 1973، اعتُقل في صربيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 بموجب مذكرة توقيف دولية صادرة عبر الإنتربول، بعدما وصل إلى البلاد وطلب الحماية.
وبحسب المحكمة الأوروبية، كان علي قد أدين غيابياً في البحرين بجرائم مرتبطة بالإرهاب، فيما دفع خلال إجراءات تسليمه بأنه يواجه، باعتباره ناشطاً سياسياً وشيعياً، خطر الاضطهاد والتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، فضلاً عن خطر الحكم عليه بالسجن المؤبد من دون إمكانية للإفراج عنه.
ورغم هذه المخاوف، وافقت السلطات الصربية على تسليمه بعد حصول وزير العدل الصربي على تطمينات دبلوماسية من البحرين بشأن إعادة محاكمته وتمكينه من عرض قضيته شخصياً.
لكن التسليم تم في 24 يناير/كانون الثاني 2022، بعد أيام قليلة من إصدار المحكمة الأوروبية تدبيراً مؤقتاً في 21 يناير يطلب من صربيا عدم تسليمه إلى البحرين إلى حين نظر المحكمة في القضية.
المحكمة الأوروبية تدين صربيا
في مارس/آذار 2025، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمها في قضية «علي ضد صربيا»، رقم 4662/22، المتعلقة بتسليمه إلى البحرين.
وكان أساس القضية هو المادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تحظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة.
وخلصت المحكمة إلى وجود انتهاك لهذه المادة، بعدما رأت أن السلطات الصربية لم تتعامل بصورة كافية مع المخاطر التي كان علي يقول إنه سيواجهها في حال إعادته إلى البحرين، كما تناولت المحكمة مسألة تسليمه رغم التدبير المؤقت الصادر عنها.
وتشير المحكمة في عرضها الرسمي للقضية إلى أن علي كان محتجزاً في البحرين عند صدور الحكم، وأنه كان قد جادل أمام القضاء الصربي بأنه يواجه خطر التعذيب أو سوء المعاملة وحتى الموت بسبب نشاطه السياسي وانتمائه الديني.
تعويض مالي ومشكلة في تنفيذه
أقرت المحكمة الأوروبية تعويضاً مالياً لعلي، لتبدأ بعد ذلك مرحلة أخرى من القضية تتعلق بتنفيذ الحكم، وتتولى لجنة وزراء مجلس أوروبا مراقبة تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية، استناداً إلى المادة 46 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وتشمل عملية المتابعة المعلومات المقدمة من الحكومات والضحايا ومنظمات المجتمع المدني والجهات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان.
وفي حالة علي، أثارت عملية تحويل التعويض المالي وإتاحته له تعقيدات مرتبطة بوضعه الحالي في البحرين، وهو ما دفع إلى مطالبة السلطات الصربية بالتعاون مع ممثليه ومع الأمانة العامة لمجلس أوروبا لإيجاد آلية تسمح بتنفيذ الجزء المالي من الحكم.
لكن تنفيذ التعويض لا ينهي القضية الأوسع، إذ إن جوهر الحكم يتعلق أيضاً بالمسؤولية عن عملية التسليم والمخاطر التي كانت قائمة وقتها.
ماذا يقول علي عن ظروف احتجازه؟
بحسب ما نقلته «ميدل إيست آي» عن مكالمة حديثة أجراها علي مع ناشطين حقوقيين، فإنه لا يزال محتجزاً في سجن جو في البحرين، ويقول إنه يتعرض لظروف احتجاز قاسية واعتداءات وتهديدات من بعض السجناء.
وأضاف، وفق الرواية التي نقلتها الصحيفة، أنه يعيش في زنزانة مكتظة ينام بعض نزلائها على الأرض، كما تحدث عن مشكلات في التهوية والنظافة والمرافق الصحية. وتبقى هذه الإفادات رواية منسوبة إلى علي نقلتها الصحيفة، ولا تعني بحد ذاتها أن كل هذه الادعاءات ثبتت بصورة مستقلة.
ناشطون يحذرون من ظروف سجن جو
ونقلت «ميدل إيست آي» عن سيد أحمد الوداعي، مدير المناصرة في معهد البحرين للحقوق والديمقراطية، قوله إن ظروف احتجاز علي تثير مخاوف بشأن سلامته، مستنداً أيضاً إلى تجربته السابقة في سجن جو.
ويرى الوداعي أن متابعة مجلس أوروبا للقضية تمثل تذكيراً بالتزامات صربيا بعد عملية التسليم، داعياً السلطات الصربية إلى اتخاذ خطوات لحماية علي ومتابعة ما ترتب على قرار تسليمه.
وتأتي هذه التصريحات في سياق انتقادات أوسع من منظمات حقوقية للظروف التي يقول ناشطون إن سجناء سياسيين يواجهونها في البحرين.
قضية تتجاوز حدود البحرين وصربيا
لا تقتصر أهمية القضية على مصير ناشط بحريني واحد، إذ تطرح أسئلة أوسع بشأن مسؤولية الدول الأوروبية عندما تسلم طالبي اللجوء أو الأشخاص المهددين بالاضطهاد إلى دول أخرى.
وتفرض الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على الدول الأطراف احترام الحقوق التي تحميها الاتفاقية، فيما تتولى المحكمة الأوروبية الفصل في الانتهاكات، وتراقب لجنة وزراء مجلس أوروبا تنفيذ الأحكام الصادرة عنها.
وفي هذه القضية تحديداً، تكمن الحساسية في أن المحكمة نظرت في مخاطر التعذيب وسوء المعاملة التي قال علي إنه سيواجهها، ثم وجدت أن صربيا لم تلتزم بالتزاماتها بموجب المادة الثالثة عندما سلمته إلى البحرين.
حكم قضائي لا يغلق الملف
بعد أكثر من أربع سنوات على تسليم أحمد جعفر محمد علي، لم يعد الجدل مقتصراً على قرار صربيا في عام 2022، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بكيفية تنفيذ الحكم الأوروبي الصادر في 2025.
ويواصل مجلس أوروبا الإشراف على تنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية، وهي آلية منفصلة عن المحاكمة الأصلية، وتهدف إلى ضمان اتخاذ الدولة المعنية الإجراءات المطلوبة لمعالجة الانتهاك الذي خلصت إليه المحكمة.
وتُظهر القضية، في نهاية المطاف، أن قرار تسليم شخص يطلب الحماية الدولية لا ينتهي بمجرد نقله إلى الدولة الأخرى، خصوصاً عندما تكون هناك مخاوف موثقة بشأن التعذيب أو المعاملة المهينة، وأن تبعات القرار يمكن أن تستمر لسنوات أمام المؤسسات الأوروبية.
اقرأ المزيد
اغتيال الناشطة النسوية البارزة ينار محمد برصاص مسلحين في العراق
لقاء كردية.. نوبات تشنج بعد 368 يوماً في احتجاز الهجرة الأمريكي

