وطن-بعد سنوات من التوسع في طرح أصول وأراضٍ ذات مواقع استراتيجية للاستثمار، تتجه الأنظار في مصر إلى واحدة من أكثر الواجهات العقارية حساسية: أراضي ومبانٍ مطلة مباشرة على نهر النيل في القاهرة والجيزة.
فقد كشف رئيس صندوق التنمية الحضرية، خالد صديق، عن حصر 136 قطعة أرض على كورنيش النيل في المحافظتين، تمهيدًا للترويج لها أمام المستثمرين خلال الشهرين المقبلين، فيما تلقى الصندوق بالفعل ثلاثة طلبات من مستثمرين خليجيين للاستحواذ على أراضٍ ضمن الطرح المستهدف.
136 قطعة أرض على كورنيش النيل
الخطوة الجديدة تأتي ضمن خطة حكومية أوسع لتعظيم الاستفادة من الأراضي والمباني المطلة على النيل وتحويل غير المستغل منها إلى فرص استثمارية.
وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت في أكتوبر 2025 الانتهاء من حصر 745 فدانًا في القاهرة والجيزة، موزعة على 192 موقعًا، بهدف إعداد قاعدة بيانات تفصيلية عن هذه الأصول وتحديد طبيعة استخدامها والجهات المالكة أو صاحبة الولاية عليها، تمهيدًا لدراسة سبل استثمارها.
وشمل الحصر في القاهرة 110 مواقع بمساحة تقارب 430 فدانًا، بينما شملت الجيزة 82 موقعًا بمساحة تبلغ نحو 315 فدانًا، في مناطق تمتد من الساحل وروض الفرج وبولاق أبو العلا ومصر القديمة والمعادي، إلى الوراق وإمبابة والعجوزة والدقي وجنوب الجيزة.
أما الرقم الأحدث الذي أعلنه صندوق التنمية الحضرية، فيتعلق بـ136 قطعة يجري تجهيزها ودراسة فرص استثمارها.
ثلاثة طلبات خليجية قبل بدء الطرح
اللافت أن الاهتمام الاستثماري لم ينتظر بدء عملية الترويج رسميًا، فبحسب خالد صديق، تلقى الصندوق حتى الآن ثلاثة طلبات من مستثمرين خليجيين للاستحواذ على قطع من الأراضي المطلة على النيل. وفي تصريحات أخرى، أشار إلى أن الطلبات جاءت من مستثمرين من قطر والإمارات والسعودية.
ولا تعني هذه الطلبات، حتى الآن، إتمام صفقات بيع، إذ لا تزال العروض قيد الدراسة والتفاوض، فيما تتولى لجنة تضم ممثلين عن رئاسة مجلس الوزراء وصندوق التنمية الحضرية بحث فرص الاستثمار والتفاوض مع المستثمرين لصالح الجهات المالكة للأراضي.
وهذه النقطة مهمة، لأن ملكية الأراضي ليست مجمعة بالكامل لدى صندوق التنمية الحضرية، بل تتوزع بين جهات حكومية ومؤسسات مختلفة. ومن بين المواقع التي تخضع للدراسة أرض تابعة لمؤسسة «أخبار اليوم»، تقدمت عدة شركات بطلبات للشراكة عليها.
من «تعظيم الاستفادة» إلى تحويل الأصول إلى إيرادات
الحكومة المصرية تقدم المشروع باعتباره جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى الاستفادة من الأصول غير المستغلة، بدلًا من بقائها دون استخدام اقتصادي.
وفي أكتوبر 2025، وجّه رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بسرعة تحويل الأراضي المطلة على كورنيش النيل إلى فرص استثمارية بأنشطة مختلفة، مع تحديد القيود الخاصة بالارتفاعات والأسعار والاستخدامات المقترحة وإجراءات الحصول على التراخيص.
وتتحدث الحكومة عن نماذج تشمل الشراكة مع القطاع الخاص وتطوير الأراضي والمباني وتحويلها إلى مشروعات ذات عائد اقتصادي، بينما يرى خبراء عقاريون واقتصاديون أن المواقع النيلية تتمتع بقيمة استثمارية مرتفعة بسبب موقعها وقربها من المناطق التاريخية والسياحية ومراكز الأعمال في القاهرة والجيزة.
صندوق التنمية الحضرية يرفع مستهدفات المبيعات
وتأتي أراضي كورنيش النيل في وقت يسعى فيه صندوق التنمية الحضرية إلى زيادة إيراداته ومبيعاته من المشروعات العقارية. وبحسب تصريحات حديثة لرئيس الصندوق، بلغت المبيعات المستهدفة نحو 9 مليارات جنيه خلال 2026، بينما تتراوح المستهدفات المعلنة لعام 2027 بين 15 و18 مليار جنيه بحسب تحسن حركة السوق العقارية.
وفي هذا السياق، تمثل الأراضي ذات المواقع المميزة، وعلى رأسها الأراضي المطلة على النيل، جزءًا من توجه الصندوق والجهات الحكومية إلى البحث عن موارد جديدة من الأصول العقارية.
لكن طرح هذه المواقع لا يتعلق فقط بقيمة الأرض أو العائد المالي المحتمل، بل يفتح أيضًا نقاشًا حول طبيعة المشروعات التي ستقام عليها، وحقوق استخدام الواجهة النيلية، ومدى بقاء المساحات العامة متاحة أمام المواطنين.
هل يتحول كورنيش النيل إلى واجهة استثمارية مغلقة؟
هنا تبرز المسألة الأكثر حساسية، فالحديث عن استثمار الأراضي المطلة على النيل لا يعني بالضرورة بيع النهر أو إغلاق الكورنيش أمام الجمهور، كما أن المصادر الرسمية المتاحة لا تثبت أن جميع القطع الـ136 ستباع أو ستتحول إلى مشروعات خاصة مغلقة.
لكن اتساع نطاق الأراضي المطروحة للاستثمار، ووجود طلبات خليجية مبكرة، يطرحان تساؤلات حول كيفية تنظيم استخدام هذه المواقع، وضمان استمرار الوصول العام إلى الواجهة النيلية، وطبيعة الأنشطة التي ستقام عليها.
وهذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية مع اختلاف نماذج التعامل مع الأراضي بين البيع والشراكة وحقوق الانتفاع والتطوير، وهي نماذج أشارت إليها التغطيات الاقتصادية للملف.
من السواحل إلى قلب القاهرة
التحول اللافت في المشهد هو أن استراتيجية استثمار الأصول لم تعد مرتبطة فقط بالمناطق الساحلية في البحرين المتوسط والأحمر. فاليوم، تدخل الأراضي ذات الإطلالة على النيل في القاهرة والجيزة دائرة الاهتمام الاستثماري، بما تحمله من قيمة عقارية وتاريخية وعمرانية استثنائية.
وبينما ترى الحكومة في هذه الأصول فرصة لزيادة العائد الاقتصادي وجذب الاستثمارات، يبقى مستقبل الواجهات النيلية مرتبطًا بالتفاصيل التي ستحددها العقود والمشروعات والاشتراطات العمرانية: ما الذي سيُطوّر؟ وما الذي سيُباع أو يُمنح بحق انتفاع؟ وما المساحات التي ستظل مفتوحة للجمهور؟
وفي النهاية، فإن ملف الـ136 قطعة لا يمثل مجرد مشروع عقاري جديد، بل اختبارًا لكيفية الموازنة بين تعظيم قيمة الأصول المصرية وجذب الاستثمارات من جهة، والحفاظ على الطابع العام للواجهات النيلية وحق المواطنين في الوصول إليها من جهة أخرى.
اقرأ المزيد
من العقارات إلى الموانئ والطاقة.. كيف تمدد النفوذ الإماراتي على الساحل الشمالي المصري؟
الخديوي عبد الفتاح.. هل تبيع مصر ضرائب المستقبل لسداد ديون الحاضر؟
لسداد الديون.. أرض جديدة في الساحل الشمالي تدخل دائرة الاستثمارات الإماراتية وتثير جدلًا في مصر

