وطن-في خطاب حمل رسائل واضحة بشأن توجهات السياسة الخارجية البريطانية، أعلن وزير الخارجية إد ميليباند من مؤتمر حزب العمال في مدينة ليفربول أن حكومة رئيس الوزراء آندي بورنهام تتبنى نهجاً أكثر وضوحاً في التعامل مع ملف فلسطين وإسرائيل، مؤكداً أن لندن ستعمل على تحويل مواقفها السياسية إلى إجراءات عملية.
وخلال كلمته أمام المؤتمر، وجه ميليباند رسالة إلى ملايين البريطانيين الذين عبروا عن غضبهم من معاناة الفلسطينيين، قائلاً: «نسمعكم، كنتم على حق». وقال إن ما وصفه بإعادة ضبط موقف الحكومة تجاه فلسطين وإسرائيل يمثل جزءاً من توجه أوسع في السياسة الخارجية البريطانية يقوم على العمل مع الدول التي تتشارك معها في القيم والأهداف الدولية.
«نسمعكم.. كنتم على حق»
قال ميليباند أمام أعضاء حزب العمال إن الحكومة البريطانية تدرك حجم المشاعر التي أثارتها الحرب في غزة ومعاناة الفلسطينيين، مضيفاً أن الحكومة الجديدة أعادت النظر في مقاربتها للملف الإسرائيلي الفلسطيني.
ويأتي الخطاب في وقت اتخذت فيه حكومة بورنهام بالفعل سلسلة من الإجراءات تجاه المستوطنات الإسرائيلية والاحتلال، بينها توسيع نطاق العقوبات التجارية المرتبطة بالمستوطنات، ورفض طلبات التصدير التي ترى الحكومة أنها تساهم مادياً في استمرار الاحتلال.
وكانت الحكومة البريطانية قد أكدت في سبتمبر/أيلول أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأنها ستشدد القيود على الصادرات التي يمكن أن تسهم مادياً في استمراره. كما أبقت على تعليق تراخيص محددة لمعدات قد تستخدمها القوات الإسرائيلية في غزة.
من الكلمات إلى الإجراءات
ركز ميليباند في خطابه على أن السياسة البريطانية الجديدة لن تقتصر على التصريحات، متحدثاً عن ضرورة مواجهة ما وصفه بالممارسات غير القانونية في الضفة الغربية، وعن الأدلة المتعلقة بارتكاب جرائم حرب في غزة.
كما شدد على موقف الحكومة من المستوطنات الإسرائيلية، مؤكداً أن بريطانيا ستواصل اتخاذ خطوات تستهدف الأنشطة المرتبطة بها.
وكانت لندن قد أعلنت في سبتمبر/أيلول إجراءات تستهدف السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب إجراءات ضد جهات تساعد في بناء المستوطنات أو تمويلها. وقالت الحكومة إن هذه الخطوات تستهدف حماية إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة والحفاظ على حل الدولتين.
وفي أغسطس/آب، انتقد ميليباند أيضاً مشروعاً إسرائيلياً في منطقة «إي1» بالضفة الغربية، محذراً من أن المشروع يمكن أن يفصل بين أجزاء من الضفة الغربية والقدس الشرقية، ويضر بإمكانية تطبيق حل الدولتين.
فرنسا وكندا تلتحقان ببريطانيا
لم تبق الإجراءات البريطانية معزولة عن التحولات الدولية، إذ أعلنت فرنسا وكندا بدورهما إجراءات تستهدف السلع المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية.
ووفق «ميدل إيست آي»، اعتبرت هذه الخطوات مؤشراً إلى اتساع نطاق الضغوط الدولية على سياسة الاستيطان الإسرائيلية، وإلى إمكانية انتقال بعض الإجراءات التي تتخذها لندن إلى دول أخرى.
لكن ذلك لا يعني وجود موقف أوروبي موحد بشأن جميع جوانب الحرب في غزة أو العلاقات مع إسرائيل، إذ تختلف الحكومات الأوروبية في طبيعة الإجراءات التي تتخذها وفي مستوى انتقاداتها للحكومة الإسرائيلية.
«تحالفات الدول المتشابهة في التفكير»
لم يضع ميليباند القضية الفلسطينية بمعزل عن رؤيته الأوسع للسياسة الخارجية البريطانية، إذ تحدث عن بناء تحالفات مع دول تتشارك مع لندن في عدد من القيم والأهداف، باعتبار ذلك وسيلة لتعزيز قدرة بريطانيا على التأثير في الملفات الدولية.
ووصفت «ميدل إيست آي» هذا التوجه بأنه قريب من الأفكار التي ارتبطت بما سمي «عقيدة كارني»، في إشارة إلى توجه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني نحو تعزيز التعاون بين الدول متوسطة القوة لمواجهة التحديات الدولية.
وبحسب ميليباند، فإن قدرة بريطانيا على تحقيق مصالحها الدولية ترتبط بقدرتها على إقناع دول أخرى بالعمل معها، بدلاً من الاعتماد على التحرك المنفرد.
بريطانيا وأوروبا.. إعادة بناء العلاقات
ومن أبرز الرسائل التي حملها خطاب وزير الخارجية البريطاني حديثه عن مستقبل بلاده وعلاقتها بالاتحاد الأوروبي.
وقال ميليباند إن بريطانيا تحتاج إلى «شراكة أقوى وأعمق مع الاتحاد الأوروبي»، وهي رسالة تعكس توجهاً لدى حكومة بورنهام نحو إعادة ترتيب العلاقات مع القارة الأوروبية بعد سنوات من التوترات التي أعقبت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ويأتي ذلك ضمن تصور أوسع للسياسة الخارجية الجديدة، التي تسعى الحكومة من خلالها إلى الجمع بين تعزيز العلاقات مع أوروبا والحفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة وتوسيع التعاون مع دول أخرى حول القضايا الدولية.
فلسطين لا تزال نقطة خلاف داخل حزب العمال
ورغم الإجراءات التي أعلنتها الحكومة، لا يزال ملف فلسطين وإسرائيل يثير جدلاً داخل حزب العمال نفسه.
وتواجه حكومة بورنهام مطالب من ناشطين ومنظمات مؤيدة للفلسطينيين باتخاذ إجراءات إضافية، خصوصاً بشأن حظر مجموعة «بالستاين أكشن» الذي صدر في عهد حكومة كير ستارمر.
وخلال مؤتمر الحزب في ليفربول، اعتُقل متظاهرون خارج مقر المؤتمر على خلفية احتجاجات مرتبطة بالحظر. وقالت مصادر حقوقية ومنظمات مشاركة في الاحتجاجات إن المشاركين كانوا يطالبون برفع الحظر، بينما تتعامل السلطات البريطانية مع المجموعة باعتبارها منظمة محظورة بموجب قانون الإرهاب.
وأظهرت الاحتجاجات أن التحول في سياسة الحكومة تجاه إسرائيل لم ينهِ الخلاف داخل القاعدة العمالية، إذ لا تزال هناك أصوات تطالب بموقف أكثر تشدداً، خصوصاً في ما يتعلق بتصدير الأسلحة والتعاون العسكري.
وفي المقابل، لم يجعل مؤتمر حزب العمال هذا العام ملف الشرق الأوسط أولوية رئيسية في جدول أعماله، بعدما حل الملف في مرتبة متأخرة في تصويت أولويات المؤتمر، وفق تقارير صحفية بريطانية.
من غزة إلى أوكرانيا
تجاوز خطاب ميليباند الملف الفلسطيني ليضعه ضمن رؤية أشمل للسياسة الخارجية البريطانية، متطرقاً أيضاً إلى الحرب في أوكرانيا.
وأكد وزير الخارجية أن بريطانيا ستواصل دعم أوكرانيا، مندداً بالغزو الروسي، ومستحضراً دور بلاده في مواجهة الفاشية خلال الحرب العالمية الثانية.
وقال إن الجيل الحالي والحكومة العمالية أمام مسؤولية الدفاع عن الديمقراطية وسيادة القانون، في إشارة إلى الدور الذي تريد لندن أن تؤديه في مواجهة الأزمات الدولية.
سياسة خارجية بريطانية أكثر اعتماداً على التحالفات
ويعكس خطاب ميليباند محاولة من حكومة آندي بورنهام لتقديم رؤية جديدة للسياسة الخارجية البريطانية، تقوم على التحالفات الدولية وعلى اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً في عدد من القضايا، وفي مقدمتها فلسطين وإسرائيل.
ويأتي ذلك في وقت أعلنت فيه الحكومة بالفعل إجراءات جديدة تجاه المستوطنات الإسرائيلية، وأكدت رفضها للصادرات التي تساهم مادياً في استمرار الاحتلال، مع استمرارها في دعم حل الدولتين.
لكن حجم هذا التحول وحدوده سيبقى مرتبطاً بمدى قدرة الحكومة على تحويل هذه المواقف إلى سياسات طويلة الأمد، وبكيفية موازنتها بين علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا، والتزاماتها الأمنية والعسكرية، والضغوط السياسية المتزايدة داخل بريطانيا بشأن الحرب في غزة.
وبخطابه في مؤتمر حزب العمال، حاول ميليباند وضع فلسطين ضمن تصور أوسع لدور بريطانيا في العالم: دولة تسعى إلى استخدام التحالفات الدولية للدفاع عن مصالحها وقيمها، مع تقديم الملف الفلسطيني باعتباره أحد الاختبارات الرئيسية لهذا النهج الجديد.
اقرأ أيضاً
وزير الخارجية البريطاني الجديد إد ميليباند يرسم ملامح سياسة لندن تجاه إسرائيل والعراق وسوريا وإيران
بريطانيا تتجه لحظر بضائع المستوطنات الإسرائيلية.. اختبار حاسم لاستقلال سياستها الخارجية
كالاس تدعو أوروبا لحظر تجارة المستوطنات الإسرائيلية.. «تعاملوا معها كما تعاملتم مع القرم»
عقوبات بريطانيا على المستوطنات الإسرائيلية.. ما الجهات والأنشطة التي تستهدفها؟

