وطن-لم تعد عودة التوتر إلى إقليم تيغراي في شمال إثيوبيا مجرد تطور داخلي، بعدما دخلت اتهامات موجهة إلى دول مجاورة، بينها مصر والسودان، على خط الأزمة، بالتزامن مع إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة وسياسية تشكيل تحالف موحد في مواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
وفي خضم هذا التصعيد، اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، قوى خارجية بتمويل وتجهيز جماعات مسلحة وسياسية بهدف زعزعة استقرار البلاد، مشيراً إلى أن تيغراي وإريتريا لا تملكان، منفردتين، القدرة على تشكيل تهديد كبير ما لم تحصلا على دعم من دول مجاورة.
وبحسب التصريحات الواردة في المادة، سمّى المسؤول العسكري الإثيوبي مصر والسودان ضمن الدول التي تتهمها أديس أبابا بالارتباط بهذا الدعم.
اتهامات إثيوبية بلا أدلة علنية تفصيلية
تأتي هذه الاتهامات في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة لإثيوبيا، مع عودة الاشتباكات إلى الشمال وتشكّل تحالف جديد يضم سبع جماعات إثيوبية مسلحة وسياسية تعارض حكومة آبي أحمد.
وتقول هذه الجماعات إنها توحدت تحت مظلة واحدة بهدف مواجهة الحكومة والعمل على تشكيل إدارة انتقالية.
لكن الاتهام الإثيوبي لمصر والسودان يبقى، وفق المعطيات الواردة في المادة، اتهاماً سياسياً وأمنياً لم تُقدَّم بشأنه أدلة علنية تفصيلية تثبت تورط القاهرة أو الخرطوم في تمويل أو تسليح هذه الجماعات.
وهنا تبرز نقطة أساسية في المشهد: وجود توتر إقليمي فعلي حول إثيوبيا لا يعني بالضرورة ثبوت تورط الدول التي وردت أسماؤها في الاتهامات.
لماذا دخلت مصر والسودان إلى المشهد؟
يرتبط حضور مصر والسودان في الخطاب الإثيوبي بملفين شديدي الحساسية: سد النهضة والحرب السودانية. فبين القاهرة وأديس أبابا خلاف طويل بشأن مياه النيل وقواعد تشغيل سد النهضة، بينما تشهد العلاقات بين السودان وإثيوبيا توترات متزايدة على خلفية الحرب السودانية والتطورات الأمنية على الحدود.
ومع استمرار الحرب في السودان وتداخل المصالح الإقليمية حولها، أصبحت الحدود بين الملفات الإثيوبية والسودانية أكثر تعقيداً، خصوصاً مع الاتهامات المتبادلة بشأن طرق الإمداد والدعم العسكري.
ومع عودة التوتر في تيغراي، تلتقي هذه الملفات في منطقة جغرافية واحدة، ما يرفع مستوى المخاوف من انتقال الأزمة من صراع إثيوبي داخلي إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات دول الجوار.
تحالف جديد ضد حكومة آبي أحمد
الجانب الأكثر أهمية في التطورات الأخيرة هو إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة وسياسية تشكيل تحالف واحد في مواجهة حكومة آبي أحمد. ويجمع التحالف أطرافاً كانت في السابق تخوض صراعات متباينة، لكنها تلتقي حالياً حول هدف سياسي مشترك يتمثل في تغيير المعادلة السياسية القائمة والسعي إلى تشكيل إدارة انتقالية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع عودة التوتر في تيغراي، الإقليم الذي شهد بين عامي 2020 و2022 حرباً واسعة خلّفت أعداداً كبيرة من الضحايا وأزمة إنسانية حادة، قبل التوصل إلى اتفاق بريتوريا الذي أوقف القتال الرئيسي. وبالتالي، فإن عودة التوتر إلى المنطقة لا تعني بالضرورة عودة الحرب السابقة بالشكل نفسه، لكنها تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع، خصوصاً في ظل تعدد القوى المسلحة وتداخل الملفات الإقليمية.
سد النهضة يعود إلى قلب الأزمة
يبقى سد النهضة أحد أبرز مصادر التوتر بين مصر وإثيوبيا. وتنظر القاهرة إلى ملف السد باعتباره قضية مرتبطة بأمنها المائي، بينما تؤكد أديس أبابا حقها في استغلال مواردها المائية لأغراض التنمية.
وعلى مدى سنوات، تعثرت المفاوضات بين الدول الثلاث، مصر وإثيوبيا والسودان، بشأن قواعد ملء وتشغيل السد وآليات التعامل مع فترات الجفاف. ولهذا السبب، فإن أي تصعيد أمني داخل إثيوبيا يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز حدود تيغراي، خصوصاً عندما تدخل فيه اتهامات مرتبطة بدول حوض النيل.
الحرب السودانية تزيد تعقيد المعادلة
أما السودان، فيرتبط بالمشهد الإثيوبي من خلال الحدود والمصالح الأمنية والاقتصادية، فضلاً عن تداعيات الحرب المستمرة داخل الأراضي السودانية. وتثير مسارات السلاح والمقاتلين والدعم الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي مخاوف من توسع دائرة الصراع، خصوصاً مع وجود أكثر من بؤرة توتر في المنطقة. وفي هذا السياق، تظهر إثيوبيا والسودان وتيغراي كأجزاء متداخلة من مشهد أمني معقد، لا يمكن فصل تطوراته بسهولة عن التنافس الإقليمي الأوسع.
مصر تنفي الزج بها في الأزمة
في المقابل، رفضت مصر، وفق المادة، زج اسمها في الأزمة الإثيوبية، في وقت لم تُعرض فيه أدلة علنية تفصيلية تثبت مشاركتها في دعم الجماعات التي تعارض الحكومة الإثيوبية. وهذا يجعل المشهد الحالي قائماً على مستويين متوازيين: اتهامات إثيوبية من جهة، ونفي مصري من جهة أخرى، بينما تبقى حقيقة أي دعم خارجي للجماعات المسلحة بحاجة إلى أدلة مستقلة ومعلومات يمكن التحقق منها.
هل تتحول تيغراي إلى أزمة إقليمية؟
السؤال الأبرز الآن لا يتعلق فقط بما يحدث داخل تيغراي، بل بمدى قدرة الصراع الإثيوبي على جذب ملفات المنطقة إلى داخله. فوجود تحالف مسلح جديد، بالتزامن مع عودة التوتر في تيغراي، والحرب المستمرة في السودان، والخلاف حول سد النهضة، يجعل أي تصعيد إضافي قابلاً لأن تكون له انعكاسات تتجاوز الحدود الإثيوبية.
لكن تحويل هذه التطورات إلى دليل على وجود حرب بالوكالة بين مصر والسودان وإثيوبيا يحتاج إلى أكثر من الاتهامات السياسية والتزامن الزمني بين الأحداث. حتى الآن، تكشف التطورات عن تشابك متزايد بين أزمات داخلية وإقليمية، فيما تبقى طبيعة الدعم الخارجي للجماعات الإثيوبية، وحجم أي دور للدول المجاورة، من أكثر الملفات التي تحتاج إلى أدلة ومعلومات موثقة.
وتبقى تيغراي، في هذه المرحلة، نقطة تقاطع بين صراع إثيوبي داخلي وحسابات إقليمية أوسع؛ وإذا استمر التصعيد، فقد يصبح السؤال الأكبر ليس فقط: من يسيطر على شمال إثيوبيا؟ بل أيضاً: إلى أي مدى يمكن أن تمتد تداعيات الصراع عبر منطقة النيل والقرن الأفريقي؟
اقرأ المزيد
الإمارات وسد النهضة.. هل كانت أبوظبي شريكاً في أزمة عطّشت مصر؟
سد النهضة يدخل أخطر اختبار.. الجفاف يكشف تحديات إدارة السد وتأثيرها على السودان ومصر
سد فولا في جنوب السودان.. هل يفتح جبهة جديدة في ملف مياه النيل؟
مصر أمام اختبار مائي خطير.. إثيوبيا تلوّح بسدود جديدة والنيل الأزرق يدخل عصر النفوذ المائي
أسلحة الإمارات في يد تيغراي.. ماذا يحدث في شمال إثيوبيا؟

