وطن-حقق حزب «التجمع الوطني» الفرنسي مكسباً مؤسسياً جديداً في مجلس الشيوخ، بعدما تمكن الحزب وحلفاؤه من الوصول إلى عدد من المقاعد يتيح لهم تشكيل كتلة داخل الغرفة العليا للبرلمان للمرة الأولى في تاريخ الحزب.
وجاء هذا التطور قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في عام 2027، ليمنح مارين لوبان وحزبها حضوراً أكبر داخل المؤسسات السياسية الفرنسية، في وقت يسعى فيه «التجمع الوطني» إلى توسيع نفوذه على مختلف المستويات الانتخابية.
لكن المكسب السياسي سرعان ما تزامن مع أزمة جديدة، بعدما نشرت منصة «ميديابارت» تحقيقاً نسبت فيه إلى رئيس الحزب جوردان بارديلا كتابات تعود إلى عام 2013 وصفتها بأنها معادية للسامية، وهو ما نفاه بارديلا بشكل قاطع، واصفاً المواد بأنها «أكاذيب فاضحة».
اختراق تاريخي في مجلس الشيوخ
أفرزت الانتخابات غير المباشرة لمجلس الشيوخ نتائج منحت «التجمع الوطني» وحلفاءه ما مجموعه 14 مقعداً، وفق النتائج التي أُعلنت بعد الاقتراع.
ويمثل ذلك تحولاً بالنسبة إلى الحزب الذي لم يكن يمتلك في السابق العدد الكافي من أعضاء مجلس الشيوخ لتشكيل مجموعة برلمانية مستقلة. وقد وصف جوردان بارديلا النتيجة بأنها خطوة جديدة في مسار ترسيخ حضور الحزب داخل المؤسسات.
كما احتفت مارين لوبان بالنتائج، معتبرة أن ما تحقق تجاوز توقعات الحزب وأن تشكيل كتلة في مجلس الشيوخ يمثل محطة مهمة في مساره السياسي.
ويأتي هذا التطور بعد صعود «التجمع الوطني» في الجمعية الوطنية، حيث أصبح الحزب أكبر قوة من حيث عدد النواب بعد الانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت عام 2024، وإن كان دون أغلبية مطلقة.
ماذا يعني تشكيل كتلة داخل مجلس الشيوخ؟
لا يغير هذا التطور وحده ميزان القوى في مجلس الشيوخ، لكنه يمنح «التجمع الوطني» حضوراً مؤسسياً أكثر تنظيماً. فتشكيل مجموعة برلمانية يتيح لأعضائها الاستفادة من آليات عمل مخصصة للمجموعات السياسية، بما في ذلك المشاركة في اللجان وتوزيع أوقات الكلام داخل الجلسات والاستفادة من موارد العمل البرلماني.
ومع ذلك، لا يعني دخول الحزب مرحلة جديدة في مجلس الشيوخ أنه أصبح القوة المهيمنة على الغرفة العليا. فمجلس الشيوخ الفرنسي يضم 348 عضواً، وتظل موازين القوى فيه مختلفة عن الجمعية الوطنية، كما أن نظام انتخاب أعضائه بصورة غير مباشرة يجعل تركيبته أكثر ارتباطاً بالمنتخبين المحليين والسلطات الإقليمية.
مكسب مؤسسي قبل معركة الإليزيه
تكمن أهمية النتيجة بالنسبة إلى مارين لوبان في توقيتها أيضاً، فالحزب يدخل المرحلة السابقة للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة وهو يحاول تقديم نفسه باعتباره قوة سياسية قادرة على العمل داخل المؤسسات، وليس فقط قوة انتخابية في الانتخابات الوطنية.
ويأتي ذلك في وقت يستعد فيه «التجمع الوطني» للمعركة الرئاسية، بينما يواصل جوردان بارديلا الاضطلاع بدور بارز في قيادة الحزب، إلى جانب مارين لوبان.
وبذلك يصبح الحضور في مجلس الشيوخ جزءاً من صورة أوسع يسعى الحزب إلى ترسيخها، تتمثل في توسيع وجوده داخل مختلف مؤسسات الدولة الفرنسية.
ثم جاءت قضية بارديلا
بعد ساعات من بروز نتائج الانتخابات، انتقل الاهتمام السياسي إلى قضية مختلفة تماماً، فقد نشرت «ميديابارت» تحقيقاً قالت فيه إنها عثرت على كتابات ورسائل تعود إلى صيف عام 2013 وتنسبها إلى جوردان بارديلا، الذي كان آنذاك شاباً في السابعة عشرة من عمره.
وبحسب المنصة الاستقصائية، تضمنت بعض هذه الكتابات عبارات وصفتها بأنها معادية للسامية، من بينها تعليقات تتعلق باليهود والصهيونية. لكن هذه الرواية لم تمر من دون رد.
فبارديلا نفى بشكل قاطع أن يكون قد كتب أو قال تلك العبارات، وقال في رده على «ميديابارت» إن ما نُسب إليه «أكاذيب فاضحة»، مؤكداً أنه لم يدلِ بتصريحات عنصرية أو معادية للسامية، علناً أو سراً، كتابة أو شفهياً.
بارديلا: «أكاذيب فاضحة»
دافع رئيس «التجمع الوطني» عن موقفه بالقول إن المصادر التي تستند إليها الرواية تعود إلى فترة كان فيها قاصراً، كما شكك في صحة المواد المنسوبة إليه.
ورد الحزب بدوره برفض الاتهامات.
وفي السياق نفسه، خرجت مارين لوبان للدفاع عن بارديلا، معتبرة أن الاتهامات المنشورة لا يمكن تصديقها، بحسب ما نقلته وسائل إعلام فرنسية عن موقفها.
وبالتالي، فإن القضية في وضعها الحالي تتضمن روايتين متعارضتين: تحقيق صحفي ينسب تلك الكتابات إلى بارديلا، ونفي صريح من رئيس «التجمع الوطني» لصحتها. ولا يمكن التعامل مع مضمون التحقيق بوصفه حقيقة قضائية محسومة ما دام الشخص المعني ينفي نسبتها إليه.
لماذا تحمل القضية حساسية خاصة للحزب؟
يكتسب الجدل حول هذه الاتهامات حساسية إضافية بسبب التاريخ السياسي لحزب «التجمع الوطني» وجذوره المرتبطة بالجبهة الوطنية التي أسسها جان ماري لوبان.
وعلى مدى سنوات، حاولت مارين لوبان إعادة صياغة صورة الحزب وإبعاده عن بعض المواقف والتصريحات التي ارتبطت بماضيه، في إطار مسار سياسي استهدف توسيع قاعدة الناخبين وتقديم الحزب بصورة أكثر قبولاً داخل المؤسسات.
ولهذا فإن أي اتهامات جديدة تتعلق بمعاداة السامية أو العنصرية تعيد إلى الواجهة النقاش حول مدى نجاح الحزب في تجاوز إرثه السابق.
وكان بارديلا نفسه قد أثار جدلاً في عام 2023 عندما قال إنه لا يعتقد أن جان ماري لوبان كان معادياً للسامية، قبل أن يتراجع عن تصريحه ويصفه لاحقاً بأنه «زلة».
مكسب انتخابي وجدال سياسي في الوقت نفسه
وهكذا يجد «التجمع الوطني» نفسه أمام تطورين متناقضين في التوقيت نفسه. ومن جهة، يحقق الحزب تقدماً مؤسسياً غير مسبوق في مجلس الشيوخ، مع امتلاك العدد الكافي لتشكيل كتلة برلمانية للمرة الأولى.
ومن جهة أخرى، تعيد قضية بارديلا النقاش حول ماضي الحزب وعلاقته بالاتهامات المتعلقة بمعاداة السامية إلى صدارة المشهد السياسي.
ولا يعني هذا الجدل أن المكسب البرلماني قد تراجع، لكنه يفرض على قيادة الحزب التعامل مع قضية يمكن أن تكون ذات حساسية خاصة في المرحلة التي تسبق الانتخابات الرئاسية.
إلى أين يتجه «التجمع الوطني»؟
يشير التوسع في مجلس الشيوخ إلى أن «التجمع الوطني» بات حاضراً في مستوى جديد من المؤسسات الفرنسية، بعد صعوده الكبير في الجمعية الوطنية.
لكن تشكيل كتلة في الغرفة العليا لا يعني تحولاً فورياً في موازين القوى الفرنسية، ولا يمنح الحزب أغلبية في مجلس الشيوخ.
وفي المقابل، فإن القضية المرتبطة بالكتابات المنسوبة إلى بارديلا تفتح جبهة سياسية وإعلامية مختلفة، خصوصاً أن رئيس الحزب يمثل أحد أبرز وجوه الجيل الجديد الذي تريد مارين لوبان أن يواصل مسار الحزب بعد سنوات من إعادة بناء صورته.
اقرأ المزيد
رسمياً.. مارين لوبان خارج دائرة الإقصاء! محكمة الاستئناف تفسح المجال لزعيمة اليمين لخوض رئاسيات 2027

