بينما تستمر الحرب في غزة، عادت اتفاقيات أبراهام إلى الواجهة من نيويورك، حيث اجتمع ممثلون عن الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب، إلى جانب كازاخستان، لبحث مستقبل الاتفاقيات وسبل تعميق التعاون بين الدول المشاركة.
الاجتماع، الذي انعقد في 24 سبتمبر/أيلول 2026 على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، نظمته مؤسسة «إن7»، وشكّل أول اجتماع رسمي للدول المشاركة في الاتفاقيات منذ يناير/كانون الثاني 2023، كما كان أول مشاركة رسمية لكازاخستان في هذا الإطار.
عودة اتفاقيات أبراهام بعد توقف طويل
اتفاقيات أبراهام التي أطلقت خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2020، أسست لعلاقات دبلوماسية بين إسرائيل والإمارات والبحرين، قبل أن تنضم المغرب إلى المسار.
لكن هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب التي تلتهما في غزة أوقفا، أو على الأقل أبطآ، مساعي توسيع الاتفاقيات لتشمل دولًا أخرى. وتشير تقارير أمريكية إلى أن الاجتماع الأخير يمثل محاولة لإعادة تحريك هذا المسار بعد سنوات من الجمود.
وفي نيويورك، لم يكن النقاش منصبًا فقط على احتمال انضمام دول جديدة، بل أيضًا على كيفية الانتقال إلى ما تصفه مؤسسة «إن7» بالمرحلة التالية من الاتفاقيات، عبر تعميق العلاقات القائمة وتطوير مجالات تعاون عملية بين الدول المشاركة.
كازاخستان تدخل المشهد
اللافت في الاجتماع كان حضور كازاخستان للمرة الأولى، في خطوة مرتبطة بخططها المعلنة للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن كازاخستان تعتزم الانضمام إلى الاتفاقيات، فيما أكدت مؤسسة «إن7» خلال اجتماع نيويورك الترحيب بانضمامها المرتقب.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام أمريكية عن مسؤول في السفارة الكازاخستانية، فإن أستانا تنظر إلى الاتفاقيات باعتبارها فرصة للتعاون في مجالات من بينها التكنولوجيا والنقل.
وهكذا، لم يعد الحديث عن الاتفاقيات محصورًا بالدول العربية التي وقعت عليها، بل بدأ يأخذ بُعدًا أوسع مع دخول دولة من آسيا الوسطى إلى مسارها.
واشنطن تريد تحريك المسار من جديد
الاجتماع حمل أيضًا رسالة أمريكية واضحة بشأن رغبة إدارة ترامب في إعادة تنشيط اتفاقيات أبراهام.
فبحسب ما نقلته «سي بي إس نيوز» عن مسؤول أمريكي، فإن فريق وزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف يعطيان هذا المسار أولوية. كما قال مسؤولون مشاركون إن المرحلة المقبلة تركز على تحويل العلاقات الدبلوماسية القائمة إلى تعاون عملي في مجالات متعددة.
أما مؤسسة «إن7»، التي استضافت الاجتماع، فتطرح الاتفاقيات باعتبارها إطارًا يمكن أن يتوسع من العلاقات الثنائية إلى تعاون إقليمي أوسع، يشمل إسرائيل ودولًا عربية وإسلامية والولايات المتحدة وشركاء آخرين.
التطبيع يتحرك بالتوازي مع الحرب
هنا تظهر المفارقة السياسية التي تجعل اجتماع نيويورك أكثر حساسية.
ففي الوقت الذي تستمر فيه الحرب في غزة وتتصاعد الملفات الإقليمية المرتبطة بها، يتحرك مسار دبلوماسي آخر باتجاه تعزيز العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية والإسلامية.
ولا يعني ذلك أن جميع الدول المشاركة تتبنى الموقف نفسه من الحرب أو من القضية الفلسطينية، لكن توقيت الاجتماع يضع اتفاقيات أبراهام مجددًا في قلب النقاش حول مستقبل المنطقة.
وقبل اجتماع نيويورك بأيام، أعلنت إسرائيل والمغرب اتفاقات لتعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، من بينها ترتيبات مرتبطة بالاستثمار والضرائب والرحلات الجوية، ما يعكس استمرار بعض مسارات التعاون التي انطلقت في إطار اتفاقيات أبراهام.
من التطبيع إلى «التعاون الاستراتيجي»
المرحلة الجديدة التي يجري الحديث عنها لا تقتصر على إقامة العلاقات الدبلوماسية.
فوفق مؤسسة «إن7»، ناقش الاجتماع فرص تعميق التعاون وتحويل المصالح المشتركة إلى نتائج عملية، مع التركيز على التعاون الإقليمي والاستفادة من العلاقات القائمة وفتح المجال أمام شركاء جدد.
وهذا يعني أن مستقبل الاتفاقيات قد لا يقاس فقط بعدد الدول التي تنضم إليها، وإنما أيضًا بحجم العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية والاستراتيجية التي يمكن أن تنشأ بينها.
ماذا عن الدول الأخرى؟
عودة المسار إلى الطاولة تفتح الباب مجددًا أمام السؤال الذي طُرح قبل حرب غزة: هل تنضم دول أخرى إلى اتفاقيات أبراهام؟
حتى الآن، لا تعني مشاركة كازاخستان أن موجة جديدة من الانضمامات باتت وشيكة بالضرورة. لكن حضورها الرسمي الأول، إلى جانب تأكيد مؤسسة «إن7» أن المرحلة المقبلة تتضمن البحث عن شركاء جدد، يشير إلى أن فكرة التوسع لا تزال مطروحة.
وفي المقابل، تظل الحرب في غزة والعلاقات الإقليمية المتوترة عاملًا أساسيًا في تحديد مدى قدرة واشنطن وشركائها على دفع المسار إلى الأمام.
غزة في جهة.. والتطبيع في جهة أخرى
اجتماع نيويورك أعاد اتفاقيات أبراهام إلى المشهد الدولي بعد فترة طويلة من التراجع، لكنه حدث في بيئة إقليمية مختلفة تمامًا عن تلك التي شهدت توقيع الاتفاقيات الأولى عام 2020.
فالحرب في غزة، وتداعياتها الإقليمية، جعلت أي تحرك باتجاه توسيع العلاقات مع إسرائيل أكثر ارتباطًا بالسؤال الفلسطيني وبمواقف الرأي العام في المنطقة.
وبينما تسعى واشنطن إلى تقديم الاتفاقيات باعتبارها منصة للتعاون والتكامل الإقليمي، يرى منتقدو المسار أن توسيع العلاقات في ظل استمرار الحرب يطرح أسئلة سياسية وأخلاقية حول توقيت التطبيع وأولوياته.
في النهاية، انتهى اجتماع نيويورك، لكن النقاش لم ينتهِ.
فهل تكون كازاخستان بداية مرحلة جديدة من توسع اتفاقيات أبراهام، أم أن الحرب في غزة ستظل العقبة الأكبر أمام انتقال المشروع إلى مستوى إقليمي أوسع؟
اقرأ أيضاً
المغرب وإسرائيل يعززان العلاقات.. سفارتان واتفاقيات استثمار ورحلات مباشرة
السلام خدعة؟.. كاتب إسرائيلي يشكك في اتفاقيات السلام ويضع الإمارات “الاستثناء”
الجزائر بين المغرب والإمارات وإسرائيل.. هل تتشكل خريطة نفوذ جديدة في المنطقة؟
الإمارات وفلسطين وإسرائيل.. بين الاحتفاء بالقضية واستمرار العلاقات مع تل أبيب

