وطن-أثارت تصريحات الإعلامي نشأت الديهي بشأن أداء وزارة الداخلية المصرية، وتأكيده أن الوزارة لا تتسامح مع أي مخالفة يرتكبها ضابط أو أمين شرطة، نقاشًا حول مدى اتساق هذه التصريحات مع وقائع قضائية سابقة انتهت بإدانة عدد من رجال الشرطة في قضايا تعذيب أفضى إلى وفاة مواطنين.
وقال الديهي إن أي ضابط أو أمين شرطة يرتكب مخالفة يواجه القانون، مؤكدًا أن وزارة الداخلية لا تتجاهل أخطاء أفرادها. لكن مراجعة عدد من القضايا التي صدرت فيها أحكام قضائية بحق رجال شرطة تكشف عن مسارات لاحقة شملت العفو عن بعض المحكوم عليهم وعودة بعضهم إلى الخدمة.
قضية أحمد السيد محمد عجمي.. حكم بالسجن ثم عفو رئاسي
في يونيو/حزيران 2018 توفي أحمد السيد محمد عجمي داخل قسم شرطة حدائق القبة، بعدما كان محتجزًا على خلفية قضية سرقة. ووفق ما ورد في التحقيقات وأوراق القضية، وُجهت إلى عدد من رجال الشرطة اتهامات بتعذيبه لإجباره على الاعتراف، وانتهت المحاكمة إلى إدانة رئيس مباحث القسم تامر صابر فراج بالسجن 8 سنوات، فيما صدر حكم بالسجن المشدد 7 سنوات على أربعة من أفراد الشرطة.
وشملت الأحكام اتهامات مرتبطة بتعذيب المحتجز، كما تضمنت القضية اتهامات باستخدام العنف لإجباره على الاعتراف، بحسب ما أوردته مصادر قضائية وإعلامية عن ملف القضية. وفي عام 2022 شمل عفو رئاسي الضابط وأفراد الشرطة الأربعة المحكوم عليهم في القضية، بعد أن كانوا قد أدينوا قضائيًا.
مجدي مكين.. تسعة أحكام بالسجن ثم عفو عن خمسة
وتعود قضية أخرى إلى وفاة بائع السمك مجدي مكين داخل قسم شرطة الأميرية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016. وفي ديسمبر/كانون الأول 2020 قضت محكمة جنايات شمال القاهرة بالسجن 3 سنوات على ضابط وثمانية من أمناء الشرطة، فيما برأت متهمًا آخر. وكانت النيابة قد وجهت إلى المتهمين اتهامات تضمنت التعذيب الذي أفضى إلى الوفاة والتزوير في محضر الواقعة والإضرار بجهة العمل.
وبعد ذلك، شمل عفو رئاسي في عام 2022 خمسة من المحكوم عليهم في القضية. لكن القضية لم تنته عند الإفراج عنهم، إذ كشفت تحقيقات صحفية استندت إلى وثائق رسمية أن أحد المشمولين بالعفو، وهو محمد أحمد حسن علي، عاد إلى العمل بوزارة الداخلية، وجرى توزيعه أولًا على قسم شرطة المناخ في بورسعيد ثم على قسم شرطة ثان بورفؤاد.
وتثير هذه الواقعة تحديدًا سؤالًا حول العلاقة بين العفو عن العقوبة وبين الآثار الوظيفية للأحكام القضائية، وهي مسألة كانت محل نزاع قضائي وإداري بحسب التحقيقات المنشورة حول القضية.
محمد صالح أحمد.. إدانة ثلاثة ضباط ثم عودة أحدهم إلى مواقع قيادية
وفي قضية ثالثة، توفي محمد صالح أحمد عام 2016 بعد تعرضه للتعذيب، وفق ما خلصت إليه التحقيقات التي تناولت احتجازه بهدف إجباره على الاعتراف بجريمة قتل. وفي فبراير/شباط 2019 قضت محكمة جنايات سوهاج بالسجن 3 سنوات على ثلاثة ضباط، هم المزمل نافع، وعمر أحمد سعد أبو عقرب، وعمر خطاب شحات، على خلفية القضية، مع إدانتهم كذلك في واقعة تزوير محرر رسمي متعلق بالتقرير الطبي. وشمل العفو الرئاسي الصادر عام 2022 الضباط الثلاثة.
وفي أغسطس/آب 2021، كان المزمل نافع قد عُيّن رئيسًا لمباحث مركز دار السلام في محافظة سوهاج، وفق ما أوردته تقارير محلية عن حركة تنقلات الشرطة.
بين التصريح والوقائع.. أين تكمن المساءلة؟
لا تعني هذه الوقائع أن كل أفراد وزارة الداخلية متورطون في مخالفات، كما لا تلغي وجود إجراءات قضائية في الحالات التي تصل إلى المحاكم. لكنها تطرح سؤالًا محددًا حول مدى اتساق الخطاب القائل بعدم التسامح مع المخالفات مع الحالات التي انتهت بإدانة رجال شرطة، ثم شمل بعضهم العفو الرئاسي، بينما عاد بعضهم لاحقًا إلى الخدمة.
وتبقى مسألة المسؤولية الفردية مختلفة عن تقييم مؤسسة كاملة؛ فالأحكام القضائية تتعلق بأشخاص محددين ووقائع محددة، في حين أن تصريحات المسؤولين أو الإعلاميين بشأن أداء وزارة الداخلية تتناول سياسة المؤسسة وآليات الرقابة والمساءلة داخلها.
ومن هذه الزاوية، فإن اختبار عبارة «لا نقبل أي تجاوز» لا يتعلق فقط بوجود أحكام قضائية ضد أفراد الشرطة، وإنما أيضًا بما يحدث بعد صدور هذه الأحكام، وكيف تُطبق العقوبات، وما إذا كانت هناك إجراءات وظيفية مستقلة، وما حدود أثر العفو الرئاسي على الوضع الوظيفي للمحكوم عليهم.
وتكشف القضايا الثلاث عن فجوة تستحق النقاش بين المبدأ المعلن، وهو محاسبة أي فرد يثبت ارتكابه مخالفة، وبين المسارات التي اتخذتها بعض الملفات بعد صدور الأحكام، بما في ذلك العفو وعودة بعض المحكوم عليهم إلى العمل.
وفي النهاية، تبقى الوقائع القضائية والوثائق الرسمية هي الأساس في تقييم كل قضية على حدة، بعيدًا عن التعميم على جميع رجال الشرطة أو اختزال أداء وزارة الداخلية في حالات محددة.
اقرأ المزيد
هشام عبد الحميد يكشف موقفه من العودة إلى مصر: «لن أعتذر عن خطأ لم أفعله»
13 عاماً في سجون السيسي.. باسم عودة وزير الغلابة الذي لم يغب عن ذاكرة المصريين
محتجزون مصريون يطالبون الحكومة بتطبيق الحدود الجديدة للحبس الاحتياطي فوراً
“معركة الحيتان” في القضاء المصري.. أزمة بين القضاة والنيابة تبدأ بمشادة في الشارع

