وطن-قد يبدو بعض الأشخاص هادئين ومتماسكين حتى في أصعب الظروف، لكن هذا الهدوء لا يعني بالضرورة أنهم لا يعانون. فهناك من يواجهون الضغوط والمشكلات النفسية بصمت، ويعتادون التقليل من حجم ما يشعرون به، بل وقد يرفضون طلب المساعدة حتى عندما يصبحون في أمسّ الحاجة إليها.
وتشير أبحاث في علم النفس إلى أن هذا السلوك قد لا يكون قرارًا واعيًا دائمًا، بل نمطًا نفسيًا يمكن أن يبدأ في مرحلة مبكرة من الحياة، ثم يترسخ تدريجيًا حتى يصبح الشخص معتادًا على إخفاء معاناته والتعامل معها بمفرده.
حين يصبح التقليل من الألم عادة
يبدأ الأمر أحيانًا بفكرة بسيطة: «هناك من يعاني أكثر مني». ومع تكرار هذه المقارنة، قد يفقد الشخص القدرة على تحديد اللحظة التي تصبح فيها مشكلته جديرة بالاهتمام أو بطلب الدعم.
وبدلًا من التعبير عن مشاعره، قد يقول لنفسه إن ما يمر به أمر عادي، أو إنه قادر على تحمله، أو إن الآخرين لديهم مشكلات أكثر أهمية. ومع مرور الوقت، يصبح تجاهل الألم والتقليل من شأنه أسلوبًا مألوفًا في التعامل مع الضغوط.
وقد يؤدي ذلك إلى تأخير طلب المساعدة، حتى عندما تستمر المشكلة فترة طويلة أو تبدأ في التأثير على الحياة اليومية والعلاقات والنوم أو القدرة على أداء المهام المعتادة.
قد تبدأ الحكاية في الطفولة
ترتبط طريقة تعامل الإنسان مع مشاعره، في جانب منها، بالتجارب التي مر بها خلال طفولته. فعندما يعبّر الطفل عن الحزن أو الخوف أو الغضب، فإن رد فعل الوالدين أو الأشخاص المحيطين به يمكن أن يؤثر في الطريقة التي سيتعامل بها لاحقًا مع مشاعره.
إذا شعر الطفل، بشكل متكرر، بأن مشاعره تزعج الآخرين أو أن التعبير عن الحزن يسبب توترًا في المنزل، فقد يتعلم تدريجيًا الاحتفاظ بما يشعر به لنفسه. وقد يتوصل إلى استنتاج مفاده أن إخفاء المشاعر أسهل من التعبير عنها.
ومع مرور السنوات، يمكن أن يتحول هذا السلوك إلى نمط متكرر: يشعر الشخص بالضيق، لكنه لا يتحدث عنه؛ يحتاج إلى الدعم، لكنه يتردد في طلبه؛ ويعاني، لكنه يواصل التأكيد للآخرين بأنه «بخير».
الصمت لا يعني أن الشخص لا يحتاج إلى أحد
من السهل تفسير الصمت على أنه علامة على القوة أو الاستقلالية، لكن عدم طلب المساعدة لا يعني بالضرورة أن الشخص لا يحتاج إليها. فالشخص الذي اعتاد مواجهة مشكلاته بمفرده قد يجد صعوبة في معرفة متى ينبغي أن يشارك الآخرين بما يمر به. وقد يشعر بالحرج من إظهار ضعفه، أو يخشى أن يثقل على من حوله، أو يعتقد أن مشكلته ليست مهمة بما يكفي لتستحق اهتمام الآخرين.
وهكذا يمكن أن تتشكل دائرة مغلقة: كلما أخفى الشخص معاناته، قلّت فرص حصوله على الدعم، وكلما بقي من دون دعم، ازداد شعوره بأنه مطالب بمواجهة كل شيء بمفرده.
لماذا نكون أكثر قسوة مع أنفسنا؟
من المفارقات أن بعض الأشخاص يكونون أكثر تعاطفًا مع الآخرين من تعاطفهم مع أنفسهم. فإذا أخبرهم صديق بأنه يمر بظروف صعبة، قد يسارعون إلى دعمه وتشجيعه على طلب المساعدة، لكنهم عندما يواجهون المشكلة نفسها، يرون أنه ينبغي عليهم تحملها وحدهم.
وتشير أبحاث في علم النفس إلى وجود اختلاف بين الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى مشكلاته الشخصية والطريقة التي يتصور بها معاناة الآخرين. فقد يعتقد الشخص أن الآخرين سيحكمون عليه أو يرونه ضعيفًا إذا طلب المساعدة، بينما تكون نظرة الآخرين الفعلية أكثر تفهمًا مما يتخيل. وهذا التقدير الخاطئ قد يجعل طلب الدعم أكثر صعوبة، خصوصًا عندما يكون الشخص معتادًا أصلًا على إخفاء مشاعره.
«أنا بخير» ليست دائمًا الإجابة الحقيقية
عبارة «أنا بخير» قد تكون أحيانًا مجرد طريقة سريعة لإنهاء الحديث، وليست وصفًا دقيقًا للحالة النفسية. وفي بعض الحالات، لا يكون الشخص نفسه قادرًا على تحديد مدى سوء ما يمر به، لأنه اعتاد تجاهل إشارات التعب النفسي أو مقارنتها دائمًا بمشكلات الآخرين.
لذلك، فإن الاعتراف بأن المشكلة تؤثر في الإنسان لا يعني المبالغة أو الضعف. كما أن طلب المساعدة لا يعني عدم القدرة على الاعتماد على النفس، بل يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع المشكلة قبل أن تصبح أكثر تعقيدًا.
كيف يمكن كسر دائرة المعاناة بصمت؟
يمكن أن تكون الخطوة الأولى هي التوقف عن انتظار الوصول إلى مرحلة الانهيار حتى يصبح طلب المساعدة «مبررًا». فإذا استمرت مشكلة ما في شغل التفكير أو أثرت في الحياة اليومية، فقد يكون من المفيد الحديث عنها مع شخص موثوق.
كما يمكن أن يساعد تحديد نوع الدعم المطلوب بدل الاكتفاء بالقول إن كل شيء على ما يرام. فقد يحتاج الشخص أحيانًا إلى من يستمع إليه فقط، بينما يحتاج في حالات أخرى إلى نصيحة أو مساعدة عملية أو إلى التواصل مع مختص في الصحة النفسية.
ومن المهم أيضًا التعامل مع الذات بقدر أكبر من التعاطف. فالشخص ليس مطالبًا بأن يكون قويًا طوال الوقت، كما أن وجود مشكلات لدى الآخرين لا يلغي حقه في الاعتناء بنفسه وطلب الدعم عندما يحتاج إليه.
أما بالنسبة إلى المحيطين به، فقد يكون السؤال المباشر والاهتمام الحقيقي أكثر فائدة من انتظار أن يبادر الشخص بالحديث. فبعض الأشخاص الذين اعتادوا كتمان معاناتهم قد يحتاجون إلى الشعور بالأمان والثقة قبل أن يتمكنوا من التعبير عما بداخلهم.
طلب المساعدة ليس فشلًا
المعاناة بصمت ليست بالضرورة علامة على القوة، كما أن التعبير عن الألم لا يعني الضعف. وفي كثير من الحالات، قد يكون كتمان المشاعر سلوكًا تعلمه الإنسان في مرحلة مبكرة ثم استمر معه دون أن يدرك تأثيره.
لذلك، فإن كسر هذا النمط يبدأ بالاعتراف بالمشاعر بدل التقليل منها، وبإدراك أن طلب الدعم حق مشروع وليس عبئًا على الآخرين. وإذا أصبحت المعاناة مستمرة أو شديدة، أو بدأت تؤثر بوضوح في الحياة اليومية والعلاقات والقدرة على أداء المهام المعتادة، فقد يكون التحدث إلى مختص في الصحة النفسية خطوة مناسبة للحصول على الدعم الملائم.
ملاحظة: هذه المعلومات ذات طابع توعوي ولا تُعد تشخيصًا نفسيًا. فالأسباب التي تدفع شخصًا إلى كتمان معاناته تختلف من فرد إلى آخر.
اقرأ المزيد
أخصائي نفسي يكشف العبارة التي تفضح الأشخاص المنافقين رغم مظهرهم اللطيف..
3 علامات نفسية هادئة قد تشير إلى آثار تجارب صعبة في الطفولة
يبدو سعيداً فجأة بعد الاكتئاب ثم ينتحر.. ما السبب وراء ذلك؟
المشي في المساء: لماذا قد يساعد تكرار الطريق نفسه كل يوم على تهدئة العقل؟

