وطن-قد يبدو السير في الطريق نفسه كل مساء مجرد عادة بسيطة تتكرر من دون تفكير، لكن هذه العادة قد تحمل بالنسبة إلى بعض الأشخاص وظيفة تتجاوز النشاط البدني. فمع نهاية يوم مليء بالعمل والالتزامات والقرارات، يمكن للمشي أن يتحول إلى لحظة انتقال تساعد على فصل أجواء النهار عن هدوء المساء.
وتشير أبحاث مختلفة إلى وجود علاقة بين انتظام بعض الأنشطة اليومية واستقرار الإيقاعات البيولوجية، في حين أظهرت دراسات أخرى أن المشي قد يساعد على تعزيز بعض أشكال التفكير الإبداعي.
لكن هذه النتائج لا تعني أن المشي في المسار نفسه كل مساء يحمي الدماغ من الشيخوخة أو يعالج الاضطرابات النفسية. فالأمر قد يكون أبسط من ذلك: الحركة المنتظمة والوقت المألوف والمسار المعروف يمكن أن تتحول معاً إلى نقطة ثابتة تمنح العقل فرصة لالتقاط أنفاسه.
المشي المسائي قد يصبح إشارة إلى نهاية اليوم
يعمل جسم الإنسان وفق إيقاعات بيولوجية تتأثر بعوامل متعددة، من بينها الضوء، ومواعيد النوم والاستيقاظ، والطعام، والنشاط البدني، والتفاعل مع المحيط. ويُعرف أحد أهم هذه الإيقاعات باسم الإيقاع اليومي أو الساعة البيولوجية، وهي منظومة تساعد الجسم على تنظيم النوم ودرجة الحرارة وبعض العمليات الهرمونية والوظائف الفسيولوجية الأخرى.
وعندما تتكرر بعض الأنشطة في أوقات متقاربة من اليوم، فإنها يمكن أن تشكل إشارات زمنية تساعد الجسم على الحفاظ على انتظام نسبي في إيقاعاته. ومن هذا المنظور، قد تصبح جولة المشي المسائية، إذا تكررت بانتظام، واحدة من هذه الإشارات اليومية. وليس بالضرورة لأن الطريق نفسه يمتلك تأثيراً خاصاً، بل لأن الجسم والعقل يتعودان على وجود لحظة مألوفة في نهاية اليوم.
دراسة تربط انتظام الحياة بمؤشرات أفضل للصحة
أشارت دراسة أجرتها جامعة ميزوري ونُشرت عام 2026 في مجلة مجلة الطب السلوكي، إلى وجود علاقة بين انتظام الأنشطة اليومية وبعض المؤشرات الصحية لدى كبار السن.
وشملت الدراسة 67 شخصاً من كبار السن، من بينهم 37 يعانون الأرق. ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين وصفوا أيامهم بأنها أكثر انتظاماً كانوا يميلون أيضاً إلى الإبلاغ عن مستويات أقل من الألم الجسدي وأعراض الاكتئاب، بغض النظر عن جودة نومهم.
لكن هذه النتائج تحتاج إلى قراءة حذرة. فالدراسة كانت رصدية، ولم يُطلب من المشاركين تغيير روتينهم أو ممارسة المشي يومياً في ساعة محددة. لذلك، فهي تكشف عن ارتباط بين انتظام الحياة وبعض المؤشرات الصحية، لكنها لا تثبت أن الروتين المنتظم هو الذي تسبب مباشرة في هذه النتائج.
ومع ذلك، يرى الباحثون أن انتظام أوقات الاستيقاظ والطعام والعمل والتواصل والنوم قد يوفر للجسم إشارات زمنية تساعد على تنظيم الساعة البيولوجية. وقد تكون جولة المشي المسائية المنتظمة جزءاً من هذا الإطار العام.
لماذا يمكن أن تكون نهاية اليوم أفضل وقت للمشي؟
تتميز ساعات المساء بالنسبة إلى كثير من الأشخاص بانتقال واضح من المسؤوليات إلى الراحة. وبعد انتهاء العمل أو الدراسة والابتعاد عن المهام اليومية، يمكن للمشي أن يصبح فاصلاً بسيطاً بين مرحلتين. فعوضاً عن الانتقال مباشرة من شاشة الحاسوب أو الهاتف إلى النوم، تمنح جولة قصيرة الجسم فرصة للحركة والعقل فرصة لتغيير سياق التفكير.
ولا يعني ذلك أن المشي يمحو المشكلات أو يحلها. لكنه قد يساعد على وضع مسافة مؤقتة بينها وبين صاحبها. فالمشكلة التي كانت تشغل التفكير طوال النهار لا تختفي بالضرورة أثناء المشي، لكن الانتباه قد يتوزع بين الحركة والتنفس والطريق والأصوات والمشهد المحيط.وهذا التغيير البسيط قد يجعل العودة إلى المشكلة لاحقاً أكثر سهولة بالنسبة إلى بعض الأشخاص.
المشي قد يساعد على إطلاق الأفكار
لا تقتصر فوائد المشي المحتملة على النشاط البدني. فقد بحث علماء في جامعة ستانفورد في العلاقة بين المشي والإبداع من خلال سلسلة من التجارب نُشرت عام 2014. وشارك في التجارب 176 طالباً وبالغاً، وخضع المشاركون لمهام تقيس التفكير التباعدي، أي القدرة على إنتاج أفكار متعددة انطلاقاً من سؤال أو مشكلة واحدة.
وأظهرت النتائج أن المشاركين كانوا في عدد من المهام أكثر قدرة على إنتاج الأفكار أثناء المشي مقارنة بالجلوس. لكن النتيجة كانت محددة وليست عامة على جميع أنواع التفكير. فالمشي بدا أكثر ارتباطاً بتوليد الأفكار واستكشاف الاحتمالات، وليس بالضرورة بتحسين القدرة على الوصول إلى إجابة واحدة صحيحة في المهام التي تتطلب حلاً محدداً.
كما لاحظ الباحثون أن التأثير ظهر حتى عندما كان المشي داخل مكان مغلق، ما يشير إلى أن الحركة نفسها قد تكون عاملاً مهماً، وليس مجرد وجود الشخص في الهواء الطلق.
هل يجب تغيير الطريق كل يوم؟
قد يتساءل البعض: إذا كان المشي مفيداً، فلماذا تكرار الطريق نفسه؟ الإجابة المحتملة تتعلق بـالألفة وتقليل الحاجة إلى اتخاذ القرارات. فعندما يعرف الشخص الطريق جيداً، فإنه لا يحتاج إلى التفكير باستمرار في الاتجاه الذي سيسلكه أو في المكان الذي سيذهب إليه. يعرف المنعطفات والممرات والأماكن المزدحمة مسبقاً.
وهذا قد يترك مساحة أكبر للتفكير أو الملاحظة أو الاسترخاء. لكن من المهم عدم تقديم هذه الفكرة على أنها نتيجة علمية مثبتة. فالدراسات التي بحثت في تأثير المشي والإبداع لم تثبت أن الطريق المألوف أكثر فائدة من الطريق الجديد. لذلك، يمكن القول إن الطريق المعروف قد يكون مريحاً لبعض الأشخاص، لكنه ليس شرطاً للاستفادة من المشي.
المشي المنتظم وصحة الدماغ
اهتمت أبحاث أخرى بالعلاقة بين أنماط النشاط والراحة وصحة الدماغ مع التقدم في العمر. وفي دراسة نُشرت في مجلة «ألزهايمر والخَرَف، حلل الباحثون بيانات 344 شخصاً لا يعانون اضطرابات معرفية، وكان متوسط أعمارهم نحو 73 عاماً. ارتدى المشاركون أجهزة لتسجيل نشاطهم وحركتهم خلال اليوم، كما خضعوا لفحوصات للدماغ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي.
ووجد الباحثون ارتباطاً بين أنماط النشاط والراحة الأقل تشتتاً وبين أحجام أكبر في بعض مناطق الدماغ المرتبطة بالذاكرة والعواطف، كما ظهرت علاقة بين انتظام أفضل وبعض المؤشرات المتعلقة بالحفاظ على حجم منطقة اللوزة الدماغية.
لكن هذه النتائج لا تعني أن اتباع روتين محدد يحمي الدماغ بشكل مباشر. فالدراسة رصدت ارتباطات إحصائية، ولم تثبت أن الانتظام هو السبب المباشر في الحفاظ على بنية الدماغ. وهذه نقطة مهمة، خصوصاً عند الحديث عن الشيخوخة المعرفية أو خطر الإصابة بالخرف.
النشاط المنتظم قد يكون مهماً مع التقدم في العمر
بحثت دراسة أخرى في العلاقة بين إيقاعات النشاط اليومية وخطر الإصابة بالخرف لدى أكثر من ألفي شخص من كبار السن. وأشارت النتائج إلى أن انخفاض النشاط أو زيادة تشتته، إضافة إلى حدوث ذروة النشاط في وقت متأخر من اليوم، ارتبطت بارتفاع خطر الإصابة بالخرف لاحقاً.
لكن الباحثين لم يثبتوا أن اضطراب الإيقاع اليومي يسبب الخرف مباشرة. فمن الممكن أيضاً أن تكون هناك تغيرات بيولوجية مبكرة تؤثر في نمط النشاط اليومي قبل ظهور الأعراض الواضحة.
كما أن هذه الدراسات لم تبحث تحديداً في تأثير المشي في الطريق نفسه كل مساء، وإنما درست التنظيم العام للنشاط والراحة. لذلك، لا يمكن تحويل نتائجها إلى ادعاء بأن المشي في الحي نفسه كل يوم يمنع مرض ألزهايمر أو الخرف.
لماذا قد يصبح الروتين أسهل مع مرور الوقت؟
قد تكون إحدى فوائد العادة المنتظمة أنها تقلل الحاجة إلى اتخاذ قرار جديد كل يوم. فعندما يصبح المشي جزءاً ثابتاً من المساء، لا يعود الشخص بحاجة إلى التفكير في أسئلة مثل: هل أخرج اليوم؟ كم سأمشي؟ أين سأذهب؟ وكم عدد الخطوات التي يجب أن أحققها؟
يمكن أن يصبح الأمر ببساطة: انتهى العشاء، حان وقت المشي. وبمرور الوقت، قد يتحول هذا التسلسل إلى عادة تلقائية تقلل الجهد الذهني اللازم لبدء النشاط. وهذا لا يعني أن الالتزام يجب أن يكون صارماً. فاليوم الذي لا تسمح فيه الظروف بالمشي لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للقلق أو الشعور بالذنب.
عندما تصبح العادة مفيدة من دون أن تتحول إلى قيد
الانتظام يمكن أن يكون مفيداً، لكن المبالغة فيه قد تحول العادة المريحة إلى مصدر ضغط. فالحياة تتضمن السفر، والزيارات، والمناسبات، والمرض، والتعب، والأيام التي تتغير فيها المواعيد.
لذلك، من الأفضل النظر إلى المشي المنتظم باعتباره مرساة مرنة داخل اليوم، وليس قانوناً يجب الالتزام به مهما كانت الظروف. فإذا لم يتمكن الشخص من المشي في السابعة مساءً مثلاً، فهذا لا يعني أن فوائد الروتين قد اختفت. الأهم هو وجود نشاط يمكن تكراره بصورة مريحة ومستدامة.
المشي قد يمنح العقل استراحة من التفكير المستمر
بعد يوم طويل، قد يشعر الإنسان بأنه مطالب بحل كل مشكلاته فوراً. رسالة تحتاج إلى رد، ومحادثة تحتاج إلى مراجعة، ومشكلة في العمل تحتاج إلى قرار. لكن المشي قد يمنح العقل فترة قصيرة لا يكون فيها مطلوباً منه الوصول إلى نتيجة.
الجسم يتحرك، والطريق مألوف، والتنفس مستمر، والانتباه يتوزع على المحيط. وخلال هذه الفترة، قد تتراجع سيطرة المشكلة على التفكير بشكل مؤقت. وهذا لا يعني تجاهل المشكلة، بل تأجيل التعامل معها إلى وقت قد يكون فيه الذهن أكثر هدوءاً.
هل يمكن أن يساعد المشي على الإبداع؟
تشير نتائج أبحاث المشي والإبداع إلى أن الحركة قد تكون مفيدة عندما يحتاج الشخص إلى توليد أفكار جديدة. فبدلاً من إجبار العقل على الوصول إلى حل واحد، يمكن للمشي أن يفتح المجال أمام احتمالات متعددة وارتباطات جديدة بين الأفكار.
ولهذا السبب، قد يجد بعض الأشخاص أن أفضل الأفكار تأتي أثناء المشي أو بعده. لكن هذا لا يعني أن المشي علاج للمشكلات النفسية أو وسيلة مضمونة لاتخاذ القرارات الصحيحة. إنه ببساطة نشاط يمكن أن يغير مؤقتاً البيئة التي يعمل فيها العقل وطريقة توزيع الانتباه.
أحلام اليقظة قد تجد مساحة أكبر أثناء المشي
عندما لا يكون الطريق بحاجة إلى الكثير من التفكير، قد يجد العقل مساحة للشرود الطبيعي. وأحلام اليقظة ليست بالضرورة علامة على الكسل أو عدم التركيز. ففي بعض الحالات، يمكن للذهن أثناء الابتعاد مؤقتاً عن المهمة المباشرة أن يعيد ترتيب الأفكار والذكريات والاحتمالات.
لكن من المهم التمييز بين الشرود الطبيعي والتشتت الذي يعطل الحياة اليومية أو الدراسة أو العمل. فالهدف من المشي ليس الهروب من الواقع، وإنما منح العقل فترة قصيرة من المرونة.
المشي ليس وصفة لحماية الدماغ
مع تزايد الاهتمام بالعادات المرتبطة بصحة الدماغ، من السهل أن تتحول نتائج الدراسات إلى عناوين مبالغ فيها. لكن الأدلة المتاحة لا تسمح بالقول إن المشي في الطريق نفسه كل مساء يمنع الخرف أو مرض ألزهايمر.
ما يمكن قوله بدرجة أكبر من الثقة هو أن النشاط البدني المنتظم، وتنظيم أوقات النشاط والراحة، والحفاظ على نمط حياة متوازن، كلها موضوعات ترتبط بأبحاث واسعة حول الصحة الجسدية والمعرفية. أما الطريق نفسه أو الساعة المحددة للمشي، فلا توجد أدلة كافية تمنحهما تأثيراً خاصاً ومستقلاً.
ما الذي يمكن الاحتفاظ به من هذه العادة؟
قد يجمع المشي المسائي المنتظم بين عدة عناصر بسيطة: الحركة، وكسر الجلوس لفترات طويلة، والانتظام، والابتعاد المؤقت عن الشاشات والالتزامات، ومنح العقل لحظة هادئة. ولهذا، فإن الشخص الذي يكرر الطريق نفسه كل مساء ليس بالضرورة أسيراً للروتين. ربما يكون قد وجد طريقة بسيطة تساعده على الانتقال من صخب النهار إلى هدوء المساء.
وفي النهاية، ليست القيمة الحقيقية في أن يكون الطريق نفسه تماماً أو أن تتم الجولة في الدقيقة نفسها كل يوم، بل في أن يجد الإنسان نشاطاً بسيطاً ومريحاً وقابلاً للاستمرار يمنحه مساحة للحركة والهدوء. فأحياناً، لا يحتاج العقل إلى حل جديد، بل إلى بضع دقائق يتوقف خلالها عن محاولة حل كل شيء.
اقرأ المزيد
المشي واليدان خلف الظهر.. ماذا تكشف هذه الوضعية عن الشخصية وفق علم النفس؟
حقيقة المشي حافي القدمين: كيف تتحول ممارسة “التواصل مع الأرض” إلى تشويه دائم لعظامك؟
المشي البطيء… ما الذي يكشفه عن شخصيتك وصحتك وحالتك النفسية؟
العلاج الطبيعي الوحيد للدوالي المدعوم علمياً.. ماذا تقول الدراسات عن مستخلص كستناء الحصان؟

