وطن-أعادت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ملف الهجرة والاندماج والهوية الوطنية إلى واجهة النقاش السياسي، بعد أن أقرت حكومتها مرسوماً جديداً بشأن المدارس يتضمن حظر ارتداء النقاب والبرقع، ووضع سقف يبلغ 30% للتلاميذ الذين لا يمتلكون مستوى كافياً في اللغة الإيطالية داخل الصفوف المعنية.
وجاء القرار في وقت تتجه فيه إيطاليا إلى الانتخابات العامة المقبلة المقررة في 2027، وسط منافسة داخل التيار اليميني حول قضايا الهجرة والجنسية والإسلام والهوية الوطنية.
وقالت ميلوني، خلال تجمع شبابي لحزبها «إخوة إيطاليا» في روما، إن الإجراءات الجديدة تهدف إلى منع ظهور ما وصفته بـ«صفوف معزولة» وتعزيز الاندماج، معتبرة أن المدرسة يجب أن توفر لجميع التلاميذ فرصاً متساوية للانطلاق.
حظر النقاب والبرقع داخل المدارس
وأقر مجلس الوزراء الإيطالي، الخميس 24 سبتمبر/أيلول، مرسوماً يتضمن منع تغطية الوجه داخل المؤسسات التعليمية، بما يشمل البرقع والنقاب، مع استثناءات محددة لأسباب صحية أو أمنية.
وينص القرار على غرامات تتراوح بين 200 وألف يورو في حال مخالفة الحظر، وتُفرض الغرامة على أولياء الأمور عندما يتعلق الأمر بقاصر.
كما يتضمن المرسوم إجراءات تتعلق بأولياء أمور التلاميذ الذين يواجه أبناؤهم صعوبات لغوية كبيرة، من بينها إلزامهم بالمشاركة في دورات مجانية لتعلم اللغة الإيطالية، مع إمكانية فرض غرامات في حال عدم الالتزام.
وقالت ميلوني إن هذه الإجراءات تمثل، من وجهة نظر حكومتها، أدوات تهدف إلى تعزيز الاندماج من دون التخلي عن القواعد التي تحكم النظام التعليمي.
ماذا يعني سقف الـ30%؟
أثار إعلان الحكومة بشأن نسبة الـ30% جدلاً واسعاً، خصوصاً أن الصيغة النهائية للمرسوم تختلف عن الانطباع الأول الذي أوحى بأن جميع التلاميذ غير الحاصلين على الجنسية الإيطالية سيخضعون للسقف.
وبحسب التفاصيل التي نُشرت بعد إقرار المرسوم، تستهدف القاعدة الجديدة الصفوف الأولى، مع احتساب التلاميذ الأجانب الذين لا يمتلكون مستوى كافياً في اللغة الإيطالية أو تنطبق عليهم شروط محددة مرتبطة بالمسار الدراسي.
وتُستثنى من الحساب فئات من التلاميذ المولودين في إيطاليا، إضافة إلى من أمضوا مدة محددة في رياض الأطفال أو التعليم الإلزامي الإيطالي، ما يعني أن أبناء الجيل الثاني الذين ولدوا ونشأوا في البلاد لن يُعاملوا بالطريقة نفسها التي يُعامل بها الوافدون الجدد الذين يواجهون صعوبات لغوية.
وفي حال تعذر على مدرسة الالتزام بنسبة الـ30% بسبب طبيعة المنطقة أو عدد التلاميذ، تسمح القواعد بإجراء استثناءات، مع تعزيز برامج تعليم اللغة الإيطالية.
الجنسية لا تعني دائماً «أجنبياً» في المدرسة
ويعيد القرار فتح نقاش أوسع حول معنى وصف «التلميذ الأجنبي» في إيطاليا، فالنظام الإيطالي للجنسية يعتمد بدرجة كبيرة على مبدأ النسب، ما يعني أن الطفل المولود في إيطاليا لأبوين أجنبيين لا يحصل تلقائياً على الجنسية الإيطالية لمجرد ولادته داخل البلاد.
وبالتالي، قد يكون الطفل مولوداً في مدينة إيطالية، ودرس منذ سنوات في المدارس الإيطالية، ويتحدث الإيطالية كلغة أولى، لكنه يظل من الناحية القانونية غير إيطالي ما لم يحصل على الجنسية وفق الإجراءات المعمول بها. غير أن الصيغة النهائية للمرسوم المدرسي أخذت في الاعتبار بدرجة أكبر عامل اللغة والمسار التعليمي، بدلاً من الاكتفاء بالجنسية وحدها.
وكانت إيطاليا قد شهدت في يونيو/حزيران 2025 استفتاءً بشأن خفض مدة الإقامة المطلوبة للتقدم بطلب التجنس من عشر سنوات إلى خمس سنوات. وصوّت نحو ثلثي المشاركين لصالح المقترح، لكن نسبة المشاركة الإجمالية بلغت نحو 30% فقط، وهي أقل من النصاب المطلوب لجعل الاستفتاء نافذاً.
من المدرسة إلى المساجد
ولا يأتي الجدل حول الإجراءات التعليمية بمعزل عن نقاش أوسع حول الإسلام والمساجد في إيطاليا. وفي مدينة ميستري، على البر الرئيسي المقابل لمدينة البندقية، تصاعد الخلاف حول مشروع لبناء مسجد ومركز إسلامي يخدم الجالية البنغالية في المنطقة.
وفي محيط إحدى المدارس ظهرت شعارات معادية للمسلمين، بينما شهدت مناطق أخرى عبارات ترفض المشروع الإسلامي المقترح.
ويواجه المشروع معارضة من شخصيات سياسية محلية وأوروبية من حزب «الرابطة»، من بينها النائبة الأوروبية آنا ماريا سيسينت، التي خاضت في السابق حملات ضد بناء مساجد جديدة في إيطاليا.
«الإسلام الراديكالي» في خطاب الرابطة
وفي تجمع حزب «الرابطة» بمدينة بونتيدا في 20 سبتمبر/أيلول، ظهرت سيسينت على المنصة إلى جانب أربع ناشطات من مجموعة «نيميسيس» الفرنسية، التي تصف نفسها بأنها نسوية وتنتمي إلى اليمين المتطرف.
وارتدت الناشطات أغطية كاملة للوجه قبل أن يخلعنها وسط هتافات من المنصة والجمهور. وقالت سيسينت في كلمتها إن «التهديد هو الإسلام الراديكالي»، وأضافت أن معسكرها السياسي لن يسمح، بحسب تعبيرها، بـ«أسلمة» البلاد.
ويأتي هذا الخطاب بالتزامن مع تشديد حكومة ميلوني خطابها بشأن الاندماج والهجرة، ما يعكس حضور هذه الملفات بقوة في المنافسة السياسية داخل اليمين الإيطالي.
فاناتشي يطرح «إعادة الهجرة»
وفي الجهة الأكثر تشدداً من اليمين الإيطالي، يواصل الجنرال السابق وعضو البرلمان الأوروبي روبرتو فاناتشي الدفع بحركة «فوتورو ناتسيونالي»، التي انفصل بها عن حزب «الرابطة».
وقد جعل فاناتشي من الهجرة والجنسية وإعادة المهاجرين إلى بلدانهم جزءاً أساسياً من خطابه السياسي. وفي 18 سبتمبر/أيلول، خلال مؤتمر حول الأمن الحضري في تورينو، عارض فاناتشي تسهيل حصول المهاجرين على الجنسية، وربط موقفه بالخشية من تأثير المواطنين المتجنسين في الانتخابات.
وقال إن المشكلة بالنسبة إليه ليست أن هؤلاء المواطنين قد لا يصوتون لصالحه، بل أنه يخشى، بحسب تعبيره، ألا يصوتوا «لإيطاليا».
وتأتي تصريحاته في وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي الإيطالية تقدماً ملحوظاً لحركته مقارنة بالفترة التي سبقت تأسيسها. وأظهر استطلاع نشر في 23 سبتمبر/أيلول حصول «فوتورو ناتسيونالي» على 7%، بينما أظهر استطلاع آخر في أغسطس/آب وصول الحركة إلى 8%.
أبناء المهاجرين في قلب الجدل
وتثير هذه التطورات سؤالاً يتجاوز قضية توزيع التلاميذ داخل الفصول: كيف تتعامل السياسة الإيطالية مع أبناء المهاجرين الذين ولدوا في البلاد أو أمضوا معظم حياتهم فيها؟
وترى الناشطة الإيطالية من أصل ألباني فيورالبا دوما، وفق ما نقلته «ميدل إيست آي»، أن وصف هؤلاء الأطفال بأنهم «أجانب» لا يعكس بالضرورة واقعهم الاجتماعي، خصوصاً بالنسبة إلى أبناء الجيل الثاني والثالث.
وتقول دوما إن النقاش الذي كان يركز في السابق على المهاجرين الذين وصلوا حديثاً أصبح اليوم يشمل أحفاد مهاجرين ولدوا في إيطاليا وعاشوا فيها طوال حياتهم.
كما انتقدت شخصيات ومنظمات إسلامية في إيطاليا حظر النقاب في المدارس، معتبرة أن الإجراء يعالج مشكلة محدودة ولا تعكس حجم حضورها الفعلي داخل المدارس.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن الهدف من الإجراءات هو تعزيز تعلم اللغة الإيطالية ومنع تركز التلاميذ الذين يواجهون صعوبات لغوية في الصفوف نفسها.
وهكذا، يتجاوز الجدل الإيطالي حدود قرار مدرسي يتعلق بالزي أو توزيع التلاميذ، ليصل إلى أسئلة أوسع حول الاندماج والجنسية والهوية ومكانة أبناء المهاجرين في المجتمع الإيطالي، في وقت تستعد فيه البلاد لمرحلة سياسية جديدة قبل انتخابات 2027.
اقرأ المزيد
الحكومة الفرنسية ترفض مقترح لو بن لفرض غرامات على ارتداء الحجاب الإسـلامي
هل تم إيقافها لعدم ارتدائها الحجاب؟ لؤه خلف تصعّد ضد نقابة المحامين وتلجأ للمجلس القومي للمرأة..
ترامب يثير جدلاً بعد نشر فيديو لطفلات محجبات.. انتقادات حقوقية وتحذيرات من خطاب الكراهية
قانون البرقع في البرتغال.. حظر تغطية الوجه وغرامات تصل إلى 3 آلاف يورو

