وطن-وجّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء، رسالة تحدٍّ واضحة إلى الولايات المتحدة من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكداً أن إيران لن تخضع للضغوط والعقوبات والتهديدات، لكنها في الوقت نفسه مستعدة للحوار والدبلوماسية، شرط ألا تجري المفاوضات تحت لغة القوة.
وجاء خطاب بزشكيان في اليوم التالي لكلمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة، التي هدد فيها بإمكانية «إبادة» إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، ما جعل كلمة الرئيس الإيراني بمثابة رد مباشر على الموقف الأمريكي.
«لن ننحني».. بزشكيان يرد على ترامب
قال بزشكيان إن الضغوط الأمريكية والعقوبات والتهديدات لن تؤدي إلى إخضاع الشعب الإيراني، مضيفاً أن المقاومة الإيرانية ستزداد أمام ما وصفه بالضغط والتنمر السياسي. وأكد الرئيس الإيراني أن بلاده «لن تنحني» ولن «تركع»، في رسالة تعكس تمسك طهران بموقفها الرافض للتفاوض تحت التهديد.
وفي الوقت نفسه، شدد بزشكيان على أن إيران لا تغلق الباب أمام الدبلوماسية، قائلاً إن بلاده مستعدة للحوار والمفاوضات، لكن «من دون قبول لغة القوة». وهو موقف يتقاطع مع ما نقلته رويترز عن الرئيس الإيراني بشأن إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً رغم استمرار الحرب والتصعيد.
إيران تقدم نفسها باعتبارها الطرف الذي تعرض للهجوم
خصص بزشكيان جانباً مهماً من خطابه للرد على اتهامات ترامب لإيران، مقدماً رواية طهران للحرب المستمرة منذ أشهر. وقال إن إيران تعرضت لما وصفه بالإرهاب، وعرض خلال خطابه صوراً مرتبطة بالمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومدرسة في مدينة ميناب، قائلاً إن أطفالاً قتلوا خلال الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
كما أكد أن إيران ردت على الهجمات، لكنها لم تستهدف، بحسب روايته، السكان المدنيين، مضيفاً أن بلاده «دافعت عن نفسها» ولم تكن الطرف الذي بدأ الحرب.
وغادر الوفد الأمريكي قاعة الجمعية العامة في بداية خطاب بزشكيان، في مشهد عكس مستوى التوتر بين واشنطن وطهران. وأكدت تقارير عدة خروج الوفد الأمريكي أثناء كلمة الرئيس الإيراني.
النووي الإيراني.. «لا للسلاح ولا للقيود»
عاد الملف النووي إلى صدارة الخطاب الإيراني، إذ أكد بزشكيان أن طهران لا تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، لكنها في الوقت نفسه ترفض التخلي عن حقها في التكنولوجيا النووية السلمية.
وقال إن إيران تريد استخدام الطاقة النووية من أجل الطاقة والتقدم، مؤكداً أن بلاده لا تقبل التخلي عن ما تعتبره حقاً أصيلاً في التكنولوجيا النووية المدنية.
ووضع الرئيس الإيراني موقف بلاده في صيغة مباشرة: «لا للأسلحة النووية ولا للقيود على التكنولوجيا النووية السلمية».
ويمثل هذا الملف أحد أبرز نقاط الخلاف بين طهران وواشنطن، إذ تطالب الولايات المتحدة بقيود وضمانات تحول دون تطوير إيران سلاحاً نووياً، بينما تؤكد طهران أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية وترفض فرض قيود تراها غير مبررة على التكنولوجيا المدنية.
انتقادات لإسرائيل واتهامات بازدواجية المعايير
انتقد بزشكيان كذلك السياسة النووية الإسرائيلية، متحدثاً عن ازدواجية في المعايير الدولية تجاه الملف النووي في الشرق الأوسط. وأشار إلى أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، وفق ما هو متداول على نطاق واسع بشأن قدراتها، وليست طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بينما تواجه إيران مطالب دولية متزايدة بشأن الرقابة على برنامجها النووي.
وقال الرئيس الإيراني إن طهران ترفض أن تكون القيود النووية مفروضة عليها وحدها، في الوقت الذي لا تخضع فيه إسرائيل للنظام نفسه. وتأتي هذه المقارنة في إطار الموقف السياسي الإيراني المعروف بشأن البرنامج النووي الإسرائيلي، في حين تركز الولايات المتحدة والدول الغربية على منع إيران من تطوير سلاح نووي.
مضيق هرمز.. ورقة أساسية في الأزمة
لم يغب مضيق هرمز عن خطاب بزشكيان، في ظل موقعه الحيوي في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وقال الرئيس الإيراني إن بلاده لن تسمح باستخدام الممر المائي بطريقة تخدم، بحسب وصفه، أعمالاً عدائية ضد إيران، معتبراً أن طهران لا يمكن أن تقبل بحرية استخدام المضيق من جانب أطراف ترى أنها تستعمله ضدها.
وتأتي تصريحات بزشكيان في وقت أصبح فيه مستقبل الملاحة في مضيق هرمز أحد الملفات الرئيسية في أي نقاش بشأن إنهاء الحرب وخفض التصعيد.
وكانت إيران قد ربطت في اتصالاتها الأخيرة مع الوسطاء بين تخفيف الضغوط الأمريكية وإمكانية اتخاذ خطوات بشأن الملاحة في المضيق، ما يجعل هرمز جزءاً مهماً من أي مسار تفاوضي محتمل بين الطرفين.
فلسطين في قلب الخطاب الإيراني
انتقل الرئيس الإيراني كذلك إلى القضية الفلسطينية، مؤكداً أن تحقيق السلام في الشرق الأوسط لا يمكن فصله عن حقوق الفلسطينيين.
ووصف القضية الفلسطينية بأنها جرح مفتوح، وربط استمرار أزمات المنطقة بما تعتبره طهران اختلالاً في تطبيق مبادئ العدالة والقانون الدولي.
كما دعا إلى أن تُحل قضايا الشرق الأوسط داخل المنطقة، بعيداً عن التدخلات الخارجية، في موقف ينسجم مع الخطاب الإيراني الذي يركز على رفض الهيمنة الخارجية ودور القوى الكبرى في المنطقة.
بزشكيان بين التصعيد والدبلوماسية
ورغم اللهجة الحادة التي استخدمها بزشكيان، لم يكن خطابه إعلاناً عن إغلاق المسار الدبلوماسي، فالرئيس الإيراني أكد بوضوح أن طهران مستعدة للحوار والمفاوضات، لكنه ربط ذلك برفض التهديد والضغط العسكري.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل الاتصالات غير المباشرة التي جرت أخيراً بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين بوساطة أطراف إقليمية، والتي أثارت احتمال إعادة فتح قناة تفاوض بين البلدين.
وكان ترامب قد قال إن مسؤولين أمريكيين وإيرانيين عقدوا اجتماعاً «جيداً جداً» و«مثمراً» على هامش اجتماعات الجمعية العامة، بينما أكدت طهران حصول تبادل للرسائل عبر وسطاء، مع استمرار الخلاف حول شروط استئناف التفاوض.
رسالة إلى الداخل والخارج
حمل خطاب بزشكيان رسالتين متوازيتين؛ الأولى موجهة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية، ومفادها أن إيران لن تتراجع تحت التهديد أو العقوبات، والثانية إلى الأطراف التي تحاول إعادة إطلاق المسار الدبلوماسي، وتؤكد استعداد طهران للتفاوض إذا جرى ذلك بعيداً عن الإكراه.
كما بدا الخطاب موجهاً إلى الداخل الإيراني، في ظل الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تواجهها البلاد، للتأكيد على أن الحكومة لا تعتزم التخلي عن ما تعتبره ثوابت تتعلق بالسيادة والبرنامج النووي والسياسة الإقليمية.
وفي المحصلة، عكس ظهور بزشكيان في الجمعية العامة استمرار الهوة السياسية الكبيرة بين طهران وواشنطن، لكنه أظهر في الوقت نفسه أن التصعيد لم يغلق الباب بالكامل أمام الدبلوماسية.
وبينما يرفض الرئيس الإيراني «لغة القوة»، فإنه لا يطرح انسحاباً من المفاوضات، بل يقول إن طهران مستعدة للحوار بشروط ترفض فيها الضغوط والتهديدات. وهكذا، تبدو المعادلة التي طرحتها إيران في نيويورك قائمة على الجمع بين التشدد في الموقف السياسي والإبقاء على قناة تفاوضية مفتوحة.
اقرأ المزيد
طائرة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تتوقف تقنيًا في الجزائر قبل التوجه إلى نيويورك
بزشكيان من قلب الأمم المتحدة: إيران لن تستسلم.. والنووي «حق لا تنازل عنه»
إيران ترفع سقف شروط التفاوض مع واشنطن.. 24 مليار دولار واليمن ومضيق هرمز على الطاولة

