وطن-دخلت الحرب في اليمن مرحلة جديدة مع تقدم الحوثيين نحو مرتفعات استراتيجية قريبة من مضيق باب المندب، في وقت كشفت فيه تقارير أمريكية أن الرئيس دونالد ترامب تراجع في اللحظات الأخيرة عن تنفيذ ضربات جوية ضد الجماعة، رغم أن الاستعدادات العسكرية كانت قد وصلت إلى مرحلة متقدمة.
ويأتي ذلك بينما تتسع رقعة القتال في اليمن، وترتفع المخاوف بشأن أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بالتزامن مع استمرار اضطرابات الملاحة والطاقة في المنطقة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، كان ترامب قد تردد لأسابيع بشأن الاستجابة للطلبات السعودية بالتدخل العسكري ضد الحوثيين. وبعد اتصال مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وجّه وزارة الدفاع الأمريكية إلى الاستعداد لضربات جوية.
لكن القرار تغير مرة أخرى يوم الأحد، إذ أوقف ترامب العملية قبل تنفيذها، بينما كانت قوائم الأهداف قد أُقرت، وكانت القوات تجهز القنابل على الطائرات التي اختيرت للمهمة، وفق أشخاص اطلعوا على تفاصيل العملية.
تقدم حوثي نحو المرتفعات الاستراتيجية
تزامن التراجع الأمريكي مع تحرك الحوثيين للسيطرة على مرتفعات جبلية في محافظتي تعز ولحج، في محاولة لتأمين مواقعهم وفصل المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر عن المناطق التي لا تزال تحت سيطرة القوات المدعومة من السعودية.
وقالت وكالة رويترز إن المعارك تتركز خصوصاً حول جبال كهبوب، وهي منطقة استراتيجية قريبة من باب المندب، فيما يسعى الحوثيون إلى تعزيز مواقعهم في المرتفعات المحيطة بالمضيق.
ويأتي هذا التحرك بعد سيطرة الحوثيين على مناطق مهمة من الساحل اليمني على البحر الأحمر، بما في ذلك مدينة المخا وجزيرة ميون الواقعة داخل مضيق باب المندب، وفق تقارير سابقة.
وتكتسب جزيرة ميون أهمية خاصة بسبب موقعها داخل المضيق، الذي يشكل نقطة اختناق بحرية رئيسية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
باب المندب في قلب المواجهة
لا تقتصر أهمية المعارك الحالية على الجغرافيا اليمنية، فمضيق باب المندب يمثل أحد المسارات الرئيسية لحركة التجارة والطاقة بين أوروبا وآسيا، وأي اضطراب طويل الأمد في حركة السفن عبره يمكن أن يرفع تكاليف الشحن ويؤثر في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
وتزداد حساسية الوضع بالنسبة إلى السعودية، التي تواجه في الوقت نفسه اضطرابات مرتبطة بصادرات النفط ومسارات نقل الطاقة، في ظل استمرار أزمة مضيق هرمز.
وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد ذكرت أن سيطرة الحوثيين على مناطق استراتيجية قرب باب المندب تهدد أحد أهم مسارات نقل النفط في المنطقة، في وقت تتعرض فيه أسواق الطاقة العالمية لضغوط متزايدة.
السعودية طلبت التدخل.. وترامب تراجع
وفق تقرير نيويورك تايمز، أجرى محمد بن سلمان اتصالاً بترامب يوم الخميس، وطلب منه التدخل لوقف التقدم الحوثي. وكان ترامب قد أبلغ مستشاريه قبل ذلك بيوم بأنه لا يؤيد شن ضربات على الحوثيين، لكنه غيّر موقفه بعد الاتصال السعودي وأمر البنتاغون بالاستعداد للعملية.
وبعد وصول الاستعدادات إلى مرحلة متقدمة، تراجع الرئيس الأمريكي مرة ثانية. وتشير الصحيفة إلى أن هذا القرار يعكس الخلاف داخل الإدارة الأمريكية بشأن جدوى العودة إلى حملة عسكرية ضد الحوثيين، خصوصاً في ظل الحرب الأوسع في المنطقة والضغوط التي تواجهها القوات الأمريكية.
وفي وقت سابق من سبتمبر، كان ترامب قد رفض بالفعل طلباً سعودياً للتدخل العسكري المباشر، لكنه تعهد بمواصلة تقديم دعم استخباراتي ومساعدة في تحديد الأهداف.
ترامب بين السعودية وتجنب حرب جديدة
يبدو أن واشنطن تحاول الموازنة بين التزامها بأمن السعودية وبين رغبتها في عدم فتح جبهة عسكرية جديدة في اليمن. وكانت الإدارة الأمريكية قد أنهت حملة جوية ضد الحوثيين في 2025 بعد أسابيع من الضربات، فيما استمرت الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن والجماعة عبر سلطنة عُمان.
وفي سبتمبر الحالي، تحدثت تقارير عن لقاءات أمريكية حوثية في مسقط، ركزت على استمرار وقف إطلاق النار بين الطرفين وعدم استهداف السفن الأمريكية.
وهذا السياق يساعد في تفسير الحذر الأمريكي الحالي: فواشنطن لا تريد بالضرورة العودة إلى مواجهة مباشرة مع الحوثيين، بينما تضغط الرياض من أجل وقف التقدم العسكري للجماعة.
العليمي طلب الدعم من ترامب
وفي خضم التصعيد، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي اتصالاً هاتفياً مع ترامب، طالب خلاله بدعم حكومته في مواجهة الحوثيين. لكن، وفق مصادر نقلتها رويترز، لم يقدم الرئيس الأمريكي خلال الاتصال التزاماً بتوفير دعم عسكري مباشر للحكومة اليمنية. ويشير ذلك إلى استمرار التحفظ الأمريكي رغم التطورات الميدانية المتسارعة.
أكثر من 130 ألف نازح
ولا تقتصر تداعيات التصعيد على الحسابات العسكرية، فالأمم المتحدة أفادت بأن القتال المتجدد منذ بداية سبتمبر أدى إلى نزوح أكثر من 130 ألف شخص داخل اليمن، مع تسجيل أعداد كبيرة من النازحين في محافظة تعز ومناطق أخرى متضررة من القتال.
كما فر آلاف الأشخاص عبر البحر الأحمر إلى دول في القرن الأفريقي، ما يضيف بعداً إقليمياً إلى الأزمة الإنسانية. وتشير التقارير إلى أن المعارك الأخيرة أدت أيضاً إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، فيما تتزايد المخاوف من اتساع نطاق الأزمة الإنسانية إذا استمرت العمليات العسكرية.
بريطانيا تتحرك.. وواشنطن تراقب
وفي الوقت الذي امتنعت فيه الولايات المتحدة حتى الآن عن تنفيذ الضربات التي كانت قيد التحضير، أعلنت بريطانيا تقديم دعم عسكري دفاعي محدود للسعودية.
وأعلنت لندن إرسال طائرة من طراز فوييجر للمساعدة في إعادة تزويد الطائرات السعودية بالوقود جواً، لدعم العمليات الدفاعية ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة القادمة من اليمن. وأكدت الحكومة البريطانية أن المهمة محدودة زمنياً وتخضع للمراجعة.
وبذلك أصبحت السعودية تتلقى دعماً دفاعياً من بعض حلفائها، بينما لا تزال واشنطن مترددة في الانتقال إلى تنفيذ ضربات مباشرة ضد الحوثيين.
أزمة تتجاوز اليمن
يضع التقدم الحوثي قرب باب المندب الولايات المتحدة والسعودية أمام معادلة معقدة، فمن جهة، يمثل تقدم الجماعة تهديداً للمواقع والقوات المتحالفة مع الحكومة اليمنية ولأمن السعودية، ومن جهة أخرى فإن التدخل الأمريكي المباشر قد يفتح جبهة جديدة في صراع إقليمي واسع أصلاً.
كما أن استمرار القتال قرب باب المندب يرفع المخاوف بشأن حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة، خصوصاً في ظل اضطرابات متزامنة في مضيق هرمز.
وفي أحدث مؤشر على القلق الإقليمي، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومحمد بن سلمان، في اتصال هاتفي في 22 سبتمبر، على أهمية ضمان حرية الملاحة وعدم عرقلة المرور عبر مضيقي باب المندب وهرمز، مع الدعوة إلى وقف سريع للأعمال القتالية والعودة إلى المسار السياسي.
وهكذا، فإن المعركة حول المرتفعات القريبة من باب المندب لم تعد شأناً يمنياً محلياً فقط. فمع تقدم الحوثيين، والضغوط السعودية على واشنطن، وتراجع ترامب عن ضربات كانت على وشك التنفيذ، تتحول المنطقة مجدداً إلى نقطة اختبار لأمن الملاحة والطاقة ولطبيعة الدور الأمريكي في الشرق الأوسط.
اقرأ المزيد
ترامب: الحوثيون لا يريدون قتال أمريكا.. والسعودية تطلب ضربات عسكرية
الحوثيون يعلنون استهداف الرياض وينبع.. والسعودية تعلن اعتراض الصواريخ
الحوثيون يقتربون من باب المندب ويهددون صادرات النفط السعودية وسط تصعيد إقليمي واسع

