وطن-أعاد إقرار مشروع قانون منح الجنسية الإسبانية للصحراويين في مجلس النواب الإسباني فتح ملف تاريخي شديد الحساسية يتعلق بمصير آلاف الأشخاص الذين عاشوا في الصحراء الغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية، ثم فقد كثير منهم الوثائق التي يمكن أن تثبت صلتهم القانونية بالإدارة الإسبانية.
ففي 10 سبتمبر 2026، أقر مجلس النواب الإسباني مشروع القانون بأغلبية 168 صوتاً مقابل 31، مع امتناع 145 نائباً، قبل إحالته إلى مجلس الشيوخ لاستكمال المسار التشريعي. وينص النص المعتمد على منح الجنسية الإسبانية بمرسوم تجنّس استثنائي للصحراويين المولودين في الصحراء الغربية تحت الإدارة الإسبانية قبل 29 سبتمبر 1977، حتى في حال عدم إقامتهم القانونية في إسبانيا.
لكن تطبيق القانون المحتمل يواجه مشكلة أساسية: كيف يمكن إثبات الميلاد في الصحراء الغربية عندما تكون الوثائق الأصلية مفقودة أو يصعب الوصول إليها؟
سجلات أُرسلت إلى مدريد ثم اختفت
بحسب التحقيق الصحفي الذي تناول القضية، فإن جزءاً مهماً من الإجابة قد يكون مرتبطاً بسجلات أُجلِيت من الصحراء الإسبانية قبل انسحاب إسبانيا من الإقليم.
وتفيد الوثائق التي اطلعت عليها القاضية الإسبانية بيلار بارّادو لييسا، في إطار بحثها الأكاديمي، بأن القاضي فرناندو بيرموديث دي لا فوينتي قام بإجلاء سجلات ووثائق المحاكم في الصحراء الإسبانية، وسلمها إلى المديرية العامة لترقية الصحراء في مدريد في 15 ديسمبر 1975.
وتقول القاضية إن لديها شهادة من أرشيف المحكمة العليا في جزر الكناري تتضمن نسخة من جرد الوثائق، بما يحدد ما أُرسل والجهة التي أُرسل إليها وتاريخ الإرسال. غير أن محاولة العثور على سجلات الأحوال المدنية التي أُجلِيت من العيون وفيلا سيسنيروس، المعروفة اليوم باسم الداخلة، لم تؤد إلى العثور عليها في أرشيف الإدارة العامة.
وتزداد أهمية هذه الوثائق لأن سجلات الأحوال المدنية يمكن أن تشكل دليلاً مباشراً على الولادة والتسجيل خلال فترة الإدارة الإسبانية.
حتى النسخ المصغرة لم تظهر
ولا يتعلق الأمر، بحسب الشهادة التي نقلها التحقيق، بالدفاتر الورقية وحدها، فخلال تلك المرحلة، جرى أيضاً تصوير بعض سجلات الأحوال المدنية على أفلام مصغرة وشرائح ميكروفيلم وميكروفيش بهدف حفظها. غير أن هذه النسخ البديلة لم تظهر هي الأخرى ضمن الوثائق التي أمكن الوصول إليها.
ووفق التقرير، لم يبقَ في أرشيف الإدارة العامة بمدينة ألكالا دي إيناريس سوى عدد محدود من الدفاتر. لكن هذه الوثائق تُعامل باعتبارها كتباً تاريخية، ولا تُمنح، وفق الوضع الحالي، القيمة القانونية نفسها التي تتمتع بها سجلات الأحوال المدنية الرسمية.
وترى القاضية بارّادو أن هذا التفسير قابل للنقاش، وتستند في ذلك إلى أن تسجيلات الولادة التي كانت تتم في تلك الفترة في العيون أو لاس بالماس أو مدريد كانت تخضع، بحسب قولها، للإجراءات الإدارية نفسها.
كما تشير إلى أن وثائق أخرى أرسلها القاضي نفسه إلى لاس بالماس، بينها سجلات مرتبطة بمحاكم العيون ومحكمة العمل، لا تزال محفوظة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مصير سجلات الأحوال المدنية تحديداً.
مشكلة الوثائق تضرب جوهر قانون الجنسية
تكمن أهمية هذا الملف في أن مشروع القانون الإسباني لا يفتح الباب أمام طلب الجنسية من دون إثبات الصلة المطلوبة بالإقليم، فالنص الذي أقره مجلس النواب يحدد مجموعة من وسائل الإثبات، من بينها بطاقة الهوية الإسبانية حتى وإن كانت منتهية الصلاحية، وإثبات التسجيل في تعداد الأمم المتحدة للاستفتاء حول الصحراء الغربية، وشهادة الميلاد، ودفتر العائلة أو وثائق تثبت العمل لدى الإدارة الإسبانية في الصحراء الغربية.
كما يسمح النص باستخدام وسائل إثبات إضافية تُقيّم مجتمعة، مثل شهادات الدراسة، ووثائق المعاشات، ورخصة القيادة الإسبانية، وشهادات الاستشفاء أو الرعاية الطبية، وأي وثيقة صادرة عن سلطة إدارية إسبانية تثبت الولادة في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر 1977.
وهذا يعني أن فقدان السجلات الأصلية لا يغلق الباب قانونياً بالضرورة، لكنه قد يجعل عملية إثبات الأهلية أكثر تعقيداً بالنسبة إلى من لا يملكون وثائق بديلة.
نصف قرن من النزوح وفقدان الأوراق
يرتبط ضياع عدد من الوثائق أيضاً بظروف النزوح التي عاشها الصحراويون بعد انسحاب إسبانيا، فبحسب الشهادات التي نقلها التحقيق، اضطر كثير من السكان إلى مغادرة مناطقهم في ظروف شديدة الصعوبة، ولم تكن الأولوية خلال رحلة النزوح الاحتفاظ بالوثائق الرسمية، بل النجاة والوصول إلى أماكن آمنة.
وتشير المصادر التي تناولت القضية إلى أن جزءاً من السكان فرّ نحو الجزائر، حيث استقر عدد كبير منهم في مخيمات اللاجئين قرب تندوف.
وفي هذا السياق، تقول القاضية بارّادو إن بعض الوثائق الشخصية فُقدت أثناء الفرار، بينما تحدثت شهادات أخرى عن تدمير وثائق في ظروف مرتبطة بالنزاع. وهذه الشهادات والاتهامات يجب أن تبقى منسوبة إلى أصحابها ومصادرها، خصوصاً أن الوقائع المرتبطة بالنزاع في الصحراء الغربية لا تزال محل خلاف سياسي وقانوني واسع.
اتهامات بشأن تغيير الوثائق والبيانات
إلى جانب فقدان الوثائق خلال النزوح، يتناول التحقيق شهادات صحراوية تتحدث عن تدمير وثائق شخصية بعد دخول القوات المغربية إلى الإقليم، وعن تغييرات طالت بعض البيانات والأسماء وتواريخ الميلاد.
كما يتحدث التقرير عن حالات أصبح فيها تاريخ الميلاد المسجل لدى بعض الأشخاص هو الأول من يناير، بدلاً من تاريخ الميلاد الأصلي، وهو ما قد يزيد صعوبة مطابقة الوثائق الحالية مع السجلات الإسبانية القديمة.
وتُطرح كذلك قضية أخرى مرتبطة باستخدام وثائق قديمة أو الحصول عليها بطرق غير مشروعة، وهي مسألة يمكن أن تعقد أكثر عمليات التحقق من الهوية والأصل عند دراسة ملفات الجنسية.
ماذا ينص عليه مشروع القانون؟
ينص النص الذي أقره مجلس النواب على اعتبار الظروف الاستثنائية المطلوبة للحصول على الجنسية الإسبانية بمرسوم تجنّس متوافرة بالنسبة إلى الصحراويين المولودين في الصحراء الغربية تحت الإدارة الإسبانية قبل 29 سبتمبر 1977، حتى في حال عدم إقامتهم القانونية في إسبانيا.
كما يمنح أبناء هؤلاء، من الدرجة الأولى، إمكانية التقدم بطلب الجنسية خلال خمس سنوات من تاريخ تسجيل حصول أحد والديهم على الجنسية وفق الآلية الجديدة.
أما طلبات الجنسية نفسها، فيحدد المشروع لها مدة ثلاث سنوات من تاريخ دخول القانون حيز التنفيذ، مع إمكانية تمديدها سنة إضافية بقرار من الوزارة المختصة بالعدل. ولا يصبح هذا المسار نافذاً بعد، لأن المشروع لا يزال قيد الدراسة في مجلس الشيوخ. وقد أحيل إليه في 17 سبتمبر 2026، وأُعلن عن مهلة لتقديم التعديلات والاعتراضات تنتهي في 23 سبتمبر.
ويشمل المشروع أيضاً تعديلاً على قانون الجنسية الإسباني يدرج الصحراويين ضمن الفئات التي يكفيها، في مسار الحصول على الجنسية عن طريق الإقامة، إتمام إقامة قانونية لمدة سنتين، وفق الشروط التي يحددها النص.
لماذا تصبح الأرشيفات الإسبانية حاسمة؟
بالنسبة إلى الصحراويين الذين لا يملكون شهادات ميلاد أو وثائق إسبانية قديمة، يمكن أن تصبح السجلات التي أُجلِيت من الصحراء في سبعينيات القرن الماضي عنصراً حاسماً في إثبات الهوية ومكان الميلاد.
وتقول القاضية بارّادو إن استعادة سجلات الأحوال المدنية التي أرسلها القاضي بيرموديث دي لا فوينتي إلى مدريد تمثل خطوة أساسية، لأنها قد توفر أدلة أصلية على تسجيل مواليد صحراويين خلال فترة الإدارة الإسبانية.
ولا يتعلق الأمر بمطلب فردي فقط؛ إذ يشير التحقيق إلى أن أمين المظالم الإسباني تدخل في هذه القضية في مناسبات عدة، بعد محاولات قام بها مواطنون صحراويون للعثور على سجلات مدنية تتضمن تسجيلات ولادتهم من دون التوصل إليها.
بين قانون جديد وأرشيف عمره نصف قرن
أقر مجلس النواب الإسباني مشروع القانون، لكن الطريق إلى دخوله حيز التنفيذ لم ينته بعد. وفي المقابل، تظل مسألة الوثائق القديمة واحدة من أكثر العقبات حساسية أمام تطبيقه.
فالقانون المقترح يوسع وسائل الإثبات ولا يحصرها في شهادة الميلاد وحدها، لكنه يجعل الوثائق والسجلات الإسبانية التاريخية ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى من فقدوا أوراقهم خلال عقود النزوح والنزاع.
وبذلك يتداخل مساران في قضية واحدة: مسار تشريعي يسعى إلى إنشاء آلية خاصة للحصول على الجنسية، ومسار أرشيفي يبحث عن وثائق قديمة يمكن أن تحدد هوية ومكان ولادة أصحابها قبل نحو نصف قرن.
وإذا أمكن تحديد مكان سجلات الأحوال المدنية التي أُجلِيت من الصحراء الإسبانية، فقد تشكل تلك الوثائق مصدراً مهماً في معالجة عدد من ملفات الجنسية الجديدة، بينما سيظل مصير السجلات المفقودة سؤالاً مفتوحاً أمام المؤسسات الإسبانية التي تحتفظ بأرشيف تلك المرحلة.
اقرأ المزيد
المغرب يقطع الاتصال عن الأسير الصحراوي نعمة أسفاري مع تدهور صحته بعد 45 يوماً من الإضراب عن الطعام..
هدم “السجن الأسود” في العيون يثير غضب منظمات صحراوية: المغرب يحاول طمس ذاكرة الانتهاكات..

