وطن-يتوجه المغاربة، الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول 2026، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 395 نائبًا، في انتخابات تشريعية تجرى وسط اهتمام كبير بمستوى المشاركة، ولا سيما في صفوف الشباب، في ظل استمرار النقاش حول قدرة الأحزاب السياسية على استعادة ثقة الناخبين.
وبحسب أحدث المعطيات الرسمية، يبلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة 15 مليونًا و801 ألف و162 ناخبًا، فيما تتنافس 28 هيئة سياسية على 395 مقعدًا. وتشير البيانات الرسمية إلى أن الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا لا يمثلون سوى 4% من إجمالي المسجلين، بينما تبلغ نسبة المسجلين الذين تتجاوز أعمارهم 60 عامًا أكثر من 29%.
وتأتي هذه الانتخابات في سياق سياسي واجتماعي حساس، بعدما أظهرت استطلاعات وتجارب انتخابية سابقة ضعف المشاركة، في وقت تواجه فيه الأحزاب تحديًا يتمثل في إقناع الناخبين، وخاصة الشباب، بأن المشاركة السياسية يمكن أن تؤثر في حياتهم اليومية.
ماذا ينتخب المغاربة؟
ينتخب المغاربة أعضاء مجلس النواب، الغرفة الأولى في البرلمان، لمدة خمس سنوات. ويتكون المجلس من 395 مقعدًا، بينها 305 مقاعد تُنتخب في الدوائر المحلية و90 مقعدًا في الدوائر الجهوية. ويُجرى الاقتراع باللائحة وفق التمثيل النسبي وبقاعدة أكبر بقية، من دون التصويت التفضيلي أو مزج الأصوات.
وتجري الانتخابات في 92 دائرة محلية و12 دائرة جهوية. أما المقاعد الجهوية البالغ عددها 90، فتخصص وفق النظام المعتمد للدوائر الجهوية التي تشارك فيها النساء بشكل حصري ضمن القوائم المخصصة لهذا المستوى.
ويتميز النظام الانتخابي المغربي أيضًا باحتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، وليس فقط الأصوات الصحيحة المدلى بها، وهو ما يؤثر في طريقة تحويل الأصوات إلى مقاعد ويساهم في استمرار التعددية داخل مجلس النواب.
الملك والحكومة.. أين تنتهي صلاحيات البرلمان؟
المغرب ملكية دستورية، ويمنح الدستور الملك محمد السادس صلاحيات واسعة في عدد من المجالات، إلى جانب الصلاحيات التي تمارسها الحكومة والبرلمان.
وينص الدستور على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وبناءً على نتائجها. كما يترأس الملك مجلس الوزراء، الذي يضم رئيس الحكومة والوزراء.
وتحتفظ المؤسسة الملكية كذلك بدور محوري في عدد من الملفات الاستراتيجية، خصوصًا الدفاع والشؤون الدينية والسياسة الخارجية والأمن، فيما تتولى الحكومة تدبير السياسات العمومية وممارسة السلطة التنفيذية وفق الإطار الدستوري.
ولهذا، فإن نتائج الانتخابات لا تعني انتقال جميع مراكز القرار إلى الحزب أو الأحزاب التي تحصل على أكبر عدد من المقاعد، إذ يبقى النظام السياسي المغربي قائمًا على توزيع للسلطات يجعل المؤسسة الملكية طرفًا مركزيًا في عملية صنع القرار.
تمثيل النساء في البرلمان
شهد تمثيل النساء في مجلس النواب ارتفاعًا مقارنة بالمراحل السابقة، ويرتبط ذلك بشكل أساسي بنظام الدوائر الجهوية. ففي انتخابات 2021، فازت 96 امرأة بمقاعد في مجلس النواب، بينها 90 مقعدًا جاءت من الدوائر الجهوية، مقابل ست نساء فقط فزن من الدوائر المحلية. وبلغت نسبة النساء في المجلس آنذاك نحو 22.8%.
وفي انتخابات 2026، أظهرت البيانات الرسمية تسجيل 2658 ترشيحًا نسائيًا، أي 36.47% من إجمالي الترشيحات. كما قُدمت 235 لائحة في الدوائر الجهوية، تضم 1783 مرشحة، إضافة إلى 875 مرشحة في الدوائر المحلية.
وتشير هذه الأرقام إلى ارتفاع حضور النساء في مرحلة الترشح، بينما ستحدد النتائج الفعلية في 23 سبتمبر حجم التمثيل النسائي داخل البرلمان المقبل.
من يحق له التصويت؟
يحق للمواطن المغربي الذي يستوفي الشروط القانونية والمقيد في اللوائح الانتخابية العامة المشاركة في التصويت. وتبلغ الهيئة الانتخابية المسجلة رسميًا للانتخابات الحالية 15.8 مليون ناخب.
وتكشف البيانات الرسمية عن تفاوت واضح في التركيبة العمرية للناخبين. فالشباب بين 18 و24 عامًا يمثلون 4% فقط من المسجلين، بينما تبلغ نسبة الفئة العمرية بين 25 و34 عامًا 15%.
وتبرز هذه الأرقام في وقت تحاول فيه الأحزاب استقطاب الناخبين الشباب، وسط استمرار النقاش حول البطالة وفرص العمل والخدمات الصحية والتعليمية.
وتشير وكالة رويترز إلى أن الأحزاب المشاركة في السباق تحاول معالجة حالة الإحباط لدى الشباب، بعدما أصبحت قضايا التشغيل والخدمات العامة من أبرز الملفات التي تشغل الناخبين.
هل يتكرر عزوف الناخبين؟
تمثل المشاركة الانتخابية أحد أبرز التحديات أمام الانتخابات المغربية.
ففي انتخابات 2016، بلغت نسبة المشاركة نحو 42.3%، أي أن نسبة غير المشاركين اقتربت من 58%. وفي انتخابات 2021 ارتفعت المشاركة إلى نحو 50%، لكنها ظلت تعني أن ما يقرب من نصف المسجلين لم يصوتوا.
ولا يمكن الجزم مسبقًا بنسبة المشاركة في انتخابات 2026، لكن ضعف تسجيل الشباب، واستمرار حالة عدم الثقة التي ترصدها تقارير إعلامية وتحليلات سياسية، يجعلان المشاركة محورًا أساسيًا في متابعة الاقتراع.
وتقول رويترز إن الشباب المغربي لا يزال منقسمًا بشأن قدرة السياسة والأحزاب على إحداث تغيير ملموس، بينما تشير وكالة أسوشيتد برس إلى أن قضايا البطالة والخدمات الصحية والتعليمية ساهمت في زيادة حالة التشكيك لدى قطاعات من الشباب.
ماذا عن المغاربة المقيمين في الخارج؟
يعترف القانون المغربي بحق المغاربة المقيمين خارج البلاد في التصويت، لكن آلية ممارسة هذا الحق في انتخابات مجلس النواب تختلف عن أنظمة تعتمد التصويت المباشر في السفارات والقنصليات أو التصويت بالبريد.
وبالنسبة لانتخابات 2026، أطلقت السلطات منصة إلكترونية لتسهيل التصويت بالوكالة للمغاربة المقيمين في الخارج المسجلين في اللوائح الانتخابية.
وتتيح المنصة للمواطن المقيم بالخارج إتمام إجراءات الوكالة إلكترونيًا، ثم تفويض ناخب داخل المغرب للتصويت نيابة عنه. ويشترط أن يكون الوكيل مسجلًا في اللوائح الانتخابية، مع احترام الإجراءات والوثائق المحددة قانونًا.
وبذلك، لا يصوت المغربي المقيم بالخارج بصورة مباشرة في صندوق اقتراع داخل قنصلية، وإنما يمكنه استخدام نظام الوكالة وفق الإجراءات المعتمدة.
أرقام الترشيحات والأحزاب
تشهد انتخابات 2026 منافسة واسعة على المقاعد البرلمانية، ووفق البيانات الرسمية، تم تسجيل 1850 لائحة انتخابية و7288 ترشيحًا على المستوى الوطني، أي أكثر من 18 مرشحًا في المتوسط لكل مقعد.
وتضم الدوائر المحلية 1615 لائحة و5505 مرشحين، فيما تضم الدوائر الجهوية 235 لائحة مخصصة للنساء، تتضمن 1783 مرشحة. كما يخوض 227 برلمانيًا حاليًا الانتخابات من جديد. وتشارك في الانتخابات 28 هيئة سياسية، إلى جانب لوائح مستقلة، وفق المعطيات الرسمية الخاصة بالاقتراع.
أبرز القوى السياسية
يدخل الانتخابات عدد كبير من الأحزاب، لكن المشهد الحكومي الحالي يضم ثلاثة أحزاب رئيسية هي التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال. وكان التجمع الوطني للأحرار قد تصدر انتخابات 2021 بـ102 مقعدًا، تلاه حزب الأصالة والمعاصرة بـ87 مقعدًا، ثم حزب الاستقلال بـ81 مقعدًا. وشكلت هذه الأحزاب الثلاثة الحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش.
ويخوض التجمع الوطني للأحرار الاستحقاق بعد خمس سنوات من قيادة الحكومة، فيما يسعى حزب الأصالة والمعاصرة والاستقلال إلى تعزيز حضورهما داخل البرلمان. أما حزب العدالة والتنمية، الذي قاد الحكومة بين 2011 و2021، فقد تعرض لتراجع كبير في انتخابات 2021، وحصل حينها على 13 مقعدًا فقط.
كما تشارك في السباق أحزاب أخرى ذات حضور تاريخي، من بينها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، إضافة إلى عدد من الأحزاب والتحالفات السياسية الأخرى.
الشباب والاحتجاجات.. اختبار جديد للأحزاب
تأتي الانتخابات بعد احتجاجات شبابية واسعة قادتها حركة جيل زد 212 خلال 2025، ورفعت مطالب مرتبطة بالصحة والتعليم ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات العامة.
وتقول منظمة هيومن رايتس ووتش إن الاحتجاجات شهدت استخدامًا للقوة من جانب قوات الأمن واعتقالات واسعة، بينما تحدثت منظمة العفو الدولية عن سقوط قتلى واعتقالات خلال حملة أمنية على الاحتجاجات. وهذه الأرقام والتوصيفات تعكس مواقف المنظمات الحقوقية وتقاريرها، فيما قدمت السلطات المغربية روايات مختلفة بشأن الأحداث.
وتشير هذه الخلفية إلى أن ملف الشباب لن يكون مرتبطًا فقط بنسبة المشاركة في صناديق الاقتراع، بل أيضًا بمدى قدرة الأحزاب على استيعاب المطالب المتعلقة بالتشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية.
الحريات العامة و«الخطوط الحمراء»
تجري الانتخابات كذلك وسط استمرار النقاش حول حرية التعبير والصحافة والتجمع في المغرب. وتقول منظمات حقوقية دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إن السلطات المغربية شددت خلال السنوات الأخيرة الإجراءات ضد عدد من النشطاء والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بينما ترى هذه المنظمات أن بعض القوانين والممارسات تقيد مساحة المعارضة والتعبير.
ومن أكثر القضايا حساسية في الحياة السياسية المغربية وضع المؤسسة الملكية، والدين، وقضية الصحراء الغربية، وهي ملفات تحظى بمكانة خاصة داخل النظام السياسي والقانوني المغربي.
وفي الوقت نفسه، تفرض السلطات المغربية خلال الفترة الانتخابية قواعد صارمة على وسائل الإعلام، من بينها منع نشر نتائج استطلاعات الرأي الانتخابية خلال الفترة القانونية المحددة، إضافة إلى قيود على نشر التوقعات والنتائج قبل إغلاق آخر مكاتب التصويت.
انتخابات تتجاوز عدد المقاعد
لا تقتصر أهمية انتخابات 23 سبتمبر على تحديد تركيبة مجلس النواب المقبل، بل ترتبط أيضًا بالسؤال الأكبر حول المشاركة السياسية وثقة الناخبين في الأحزاب والمؤسسات. فالانتخابات تأتي في وقت يحاول فيه المغرب مواصلة مشاريع اقتصادية وبنية تحتية كبيرة استعدادًا لاستضافة كأس العالم 2030، بينما يطالب جزء من الشباب بمزيد من الإنفاق على الصحة والتعليم وفرص العمل.
وبين مؤسسة ملكية تحتفظ بدور محوري في الملفات الاستراتيجية، وحكومة تحتاج إلى أغلبية برلمانية للعمل، وأحزاب تسعى إلى تعبئة الناخبين، وشباب لا يمثل سوى نسبة محدودة من المسجلين في اللوائح، ستكون نسبة المشاركة وتركيبة البرلمان الجديد من أبرز المؤشرات التي ستكشف اتجاه المشهد السياسي المغربي خلال السنوات الخمس المقبلة.
اقرأ المزيد
أزمة الصحة النفسية في المغرب.. 7 ملايين يعانون و85% خارج دائرة العلاج
الجزائر بين المغرب والإمارات وإسرائيل.. هل تتشكل خريطة نفوذ جديدة في المنطقة؟
انتخابات المغرب 2026.. شباب “جيل زد” بين الأمل وخيبة الأمل: هل يصنع صوتهم فرقاً؟

