وطن-أعادت الهجمات الحوثية المتصاعدة على السعودية فتح ملف التحالف الدفاعي الجديد بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، بعدما أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان استعداد بلاده لتلبية الاحتياجات العسكرية السعودية، ولا سيما في المجالات التقنية.
وجاء الموقف التركي في وقت تتعرض فيه مدن ومنشآت حيوية داخل السعودية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما وضع اتفاق مكة للدفاع المشترك أمام أول اختبار فعلي منذ توقيعه.
ورغم أن أنقرة لم تعلن إرسال قوات إلى اليمن أو المشاركة في عمليات قتالية ضد الحوثيين، فإن تصريحات فيدان فتحت الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الدعم الذي يمكن أن تقدمه تركيا للسعودية، وما إذا كان التصعيد قد يدفع الاتفاق الثلاثي إلى مرحلة جديدة.
تركيا تعرض دعماً عسكرياً للسعودية
قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن بلاده ترى أن السعودية تواجه هجمات خطيرة تمس سيادتها وسلامة أراضيها، مشيراً إلى أن المملكة قد تكون لديها احتياجات عسكرية، خصوصاً في بعض الجوانب التقنية، وأن تركيا لا ترى مشكلة في تلبيتها. ولم يحدد فيدان بصورة دقيقة طبيعة المعدات أو المساعدات التي يمكن أن تقدمها أنقرة.
لكن محللين تحدثوا إلى الجزيرة أشاروا إلى أن المجالات المحتملة قد تشمل الدفاع الجوي، ومواجهة الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والرادارات والمراقبة، إضافة إلى مجالات أخرى مرتبطة بالأمن البحري. ويأتي ذلك في ظل تعرض منظومة الدفاع الجوي السعودية لضغوط بسبب كثافة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الحوثية.
«اتفاق مكة» أمام أول اختبار
وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس/آب الماضي اتفاقاً للدفاع المشترك أُطلق عليه اسم «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، ويقوم مبدئياً على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الدول الأعضاء جميعاً.
ويشبه هذا المبدأ، من الناحية العامة، مبدأ الدفاع الجماعي الموجود في حلف شمال الأطلسي، لكن محللين يحذرون من مساواة الاتفاق الجديد بالحلف الأطلسي، نظراً إلى افتقاره حتى الآن إلى هيكل قيادة عسكرية مشتركة وقوات دائمة وآلية واضحة لتفعيل بند الدفاع المشترك.
كما أن الاتفاق لم يكتمل بعد من الناحية المؤسسية والقانونية، وهو ما يجعل الانتقال من التضامن السياسي إلى تدخل عسكري مباشر أمراً أكثر تعقيداً.
الحوثيون يصعّدون ضد السعودية
يتزامن التحرك التركي مع تصعيد كبير من جانب الحوثيين، الذين كثفوا منذ يوليو/تموز هجماتهم على الأراضي السعودية، مستهدفين مدناً ومنشآت للطاقة وطرق الملاحة. وفي أحدث موجة من التصعيد، أعلنت قوات التحالف بقيادة السعودية اعتراض صاروخ باليستي أُطلق باتجاه الرياض، كما تحدثت عن إحباط محاولات أخرى لاستهداف مناطق سعودية مختلفة.
وفي المقابل، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجمات قالوا إنها استهدفت مواقع «حساسة» في العاصمة السعودية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة. ويمثل هذا التصعيد تطوراً مهماً، خصوصاً مع اتساع نطاق سيطرة الحوثيين على أجزاء من الساحل الغربي لليمن واقتراب المواجهة من ممرات بحرية استراتيجية، بينها مضيق باب المندب.
هل تقتصر المشاركة التركية على الدعم الفني؟
السؤال الرئيسي المطروح الآن هو ما إذا كانت تركيا ستكتفي بتوفير المعدات والخبرات والمعلومات الفنية للسعودية، أم أن استمرار الهجمات قد يدفعها إلى تقديم دعم عسكري أوسع. ويشير محللون إلى أن لدى تركيا قدرات يمكن أن تكون ذات أهمية بالنسبة إلى الرياض، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع والحرب الإلكترونية والاستطلاع. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن أنقرة تستعد لدخول الحرب بصورة مباشرة.
وقال محلل دفاعي للجزيرة إن هناك قيوداً سياسية وعسكرية تجعل تحول تركيا إلى طرف مقاتل بصورة مباشرة أمراً معقداً، في حين وصف محللون آخرون تفعيل الاتفاق في المرحلة الحالية بأنه سابق لأوانه. وبالتالي، فإن إعلان فيدان الاستعداد لتلبية الاحتياجات العسكرية السعودية لا يشكل بحد ذاته إعلاناً عن إرسال قوات تركية إلى اليمن.
فيدان: لا يجب جر السعودية إلى الحرب
في الوقت نفسه، شدد فيدان على أن من غير المقبول جر السعودية إلى الحرب الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً أن الرياض لا تريد الانخراط في هذا الصراع. وقال إن تركيا طرحت مبادرات ومقترحات لإنهاء القتال، مشيراً إلى أن نجاح هذه المبادرات يتطلب قبول الأطراف المعنية بها.
وتكشف هذه التصريحات عن محاولة تركية للجمع بين دعم أمن السعودية من جهة، والحفاظ على موقف يدفع باتجاه احتواء التصعيد من جهة أخرى.
وماذا عن باكستان؟
أما باكستان، العضو الثالث في اتفاق مكة، فقد أكدت بدورها التزامها بالدفاع عن السعودية. وقال المتحدث باسم الجيش الباكستاني أحمد شريف تشودري إن بلاده مستعدة للذهاب إلى أي مدى في الدفاع عن المملكة، بما في ذلك التحرك «ميدانياً»، من دون أن يوضح ما إذا كانت الرياض طلبت نشر قوات باكستانية إضافية.
لكن وزارة الخارجية الباكستانية أكدت في الوقت نفسه أنه لا توجد حالياً مناقشات بشأن تنفيذ رد عسكري في إطار الاتفاق، مشيرة إلى أن إسلام آباد ستتحرك «عندما يحين الوقت». وهذا التباين بين إعلان الالتزام بالدفاع عن السعودية وعدم وجود قرار عسكري فوري يعكس الغموض المحيط بكيفية تفعيل الاتفاق على أرض الواقع.
واشنطن ترفض التدخل المباشر
ويأتي الموقف التركي أيضاً في ظل إحجام الولايات المتحدة عن تنفيذ ضربات عسكرية مباشرة ضد الحوثيين رغم طلبات سعودية للحصول على دعم عسكري. وبحسب تقارير حديثة، رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلباً سعودياً للتدخل المباشر، بينما عرضت واشنطن تقديم دعم استخباراتي ومعلومات مرتبطة بتحديد الأهداف.
وفي الوقت نفسه، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة محتملة لبيع السعودية 48 طائرة مقاتلة من طراز «إف-35» بقيمة تصل إلى 24.3 مليار دولار، لكن الصفقة لا تزال بحاجة إلى موافقة الكونغرس. ويضع هذا الموقف السعودية أمام معادلة أمنية معقدة: حلفاء يقدمون دعماً سياسياً أو تقنياً، لكن من دون إعلان استعداد واضح للمشاركة المباشرة في العمليات القتالية.
باب المندب يرفع stakes الأزمة
ولا تقتصر أهمية المعركة على السعودية واليمن وحدهما. فمضيق باب المندب يمثل أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن وقناة السويس، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يمكن أن ينعكس على حركة التجارة والطاقة العالمية.
ومع استمرار اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، تزداد أهمية البحر الأحمر كمسار بديل لصادرات الطاقة الخليجية، ما يجعل سيطرة الحوثيين على مناطق واسعة من الساحل الغربي لليمن مصدر قلق يتجاوز حدود المنطقة.
وفي ظل هذه التطورات، بات اتفاق مكة أمام اختبار غير مسبوق منذ الإعلان عنه. فتركيا أعلنت استعدادها لمساعدة السعودية في احتياجاتها العسكرية، وباكستان أكدت التزامها بالدفاع عنها، بينما لا تزال آلية تفعيل الاتفاق في حال استمرار الهجمات غير واضحة.
حتى الآن، لا يوجد إعلان تركي عن مشاركة قتالية مباشرة في الحرب ضد الحوثيين، لكن تصاعد الهجمات قد يضع الاتفاق الثلاثي أمام قرارات أكثر صعوبة خلال المرحلة المقبلة. ويبقى السؤال: هل يظل «اتفاق مكة» إطاراً للتعاون والدعم الدفاعي، أم يتحول استمرار التصعيد إلى أول اختبار عسكري حقيقي للتحالف الجديد؟
اقرأ أيضاً
اتفاق مكة الدفاعي تحت الاختبار.. مسؤول تركي يوضح لماذا لا يوجد رد عسكري فوري على الحوثيين؟
باكستان تستبعد حربًا فورية بعد هجمات الحوثيين على السعودية.. ماذا يعني اتفاق مكة الدفاعي؟
تعزيزات عسكرية صينية وتركية لباكستان بعد اتفاق مكة تثير قلق الهند وإسرائيل

