وطن-لم يعد النفوذ الإماراتي في أوروبا يُناقش فقط من زاوية العلاقات الدبلوماسية والاستثمارات والتحالفات الرسمية، بل عاد إلى الواجهة من بوابة أكثر حساسية: المال وشبكات التأثير السياسي والخطاب المتعلق بالإسلام والمسلمين.
تحقيق جديد نشره موقع «دارك بوكس» يتحدث عن شبكة مالية وسياسية يُزعم أنها ترتبط بالإمارات، وتستهدف شخصيات وشبكات ومنظمات أوروبية تتبنى مواقف متشددة تجاه ما تصفه الحكومات والأحزاب الأوروبية بـ«الإسلام السياسي» والمؤسسات الإسلامية.
وبحسب التحقيق، فإن أبوظبي ترى في تصاعد النقاش الأوروبي حول «الإسلام السياسي» فرصة لتوسيع أحد محاور سياستها الداخلية والإقليمية داخل أوروبا، من خلال دعم أطراف سياسية ومدنية تتقاطع معها في رؤيتها تجاه هذه التيارات. وهذه الاستنتاجات تبقى ضمن ما أورده التحقيق، ولا تعني ثبوت وجود سياسة إماراتية سرية شاملة تجاه جميع التيارات المناهضة للمسلمين في أوروبا.
من الدبلوماسية إلى شبكات التأثير
يشير تحقيق «دارك بوكس» إلى أن أدوات النفوذ المفترضة لا تقتصر على القنوات الحكومية التقليدية، وإنما تشمل، بحسب مصادر التحقيق، شخصيات سياسية وشبكات تأثير ومنظمات تعمل داخل عدد من الدول الأوروبية.
ويطرح ذلك سؤالاً أوسع حول الدور الذي يمكن أن تؤديه الأموال الأجنبية في تشكيل النقاشات السياسية داخل المجتمعات الأوروبية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات شديدة الحساسية مثل الهجرة والإسلام ووجود المؤسسات الإسلامية في الحياة العامة.
لكن من المهم التمييز بين تمويل سياسي أجنبي مثبت في وثائق أو سجلات رسمية وبين معلومات يقدمها تحقيق صحفي استناداً إلى مصادر ووثائق لم تُتحقق منها جميع الجهات بصورة مستقلة.
«أسرار أبوظبي».. الملف الذي سبق التحقيق الجديد
لا يأتي التحقيق الجديد في فراغ. ففي عام 2023 كشفت سلسلة «أسرار أبوظبي»، التي شارك فيها ائتلاف التحقيقات الصحفية الأوروبية، عن وثائق مسربة من شركة الاستخبارات الخاصة السويسرية «ألب سيرفيسز».
وبحسب الائتلاف، عملت الشركة لصالح الحكومة الإماراتية، وأرسلت إلى أجهزة الاستخبارات الإماراتية أسماء أكثر من ألف شخص وأكثر من 400 منظمة في 18 دولة أوروبية، وقدمتهم باعتبارهم مرتبطين بشبكة لجماعة الإخوان المسلمين في أوروبا.
وكشفت الوثائق، بحسب التحقيقات المنشورة، عن عمليات لجمع المعلومات وإعداد الملفات والتأثير في صورة أشخاص ومنظمات داخل أوروبا.
وتُظهر هذه القضية أن ملف النفوذ الإماراتي في أوروبا ليس جديداً، وإن كانت طبيعة الادعاءات الواردة في التحقيقات الأحدث تختلف عن طبيعة العمليات التي كُشف عنها في «أسرار أبوظبي».
أكثر من ألف شخص و400 منظمة
تكشف تحقيقات «أسرار أبوظبي» أن نطاق العملية التي نُسبت إلى «ألب سيرفيسز» كان واسعاً جغرافياً وبشرياً.
فبين عامي 2017 و2020، قدمت الشركة معلومات عن أكثر من ألف شخص وأكثر من 400 منظمة في 18 دولة أوروبية إلى أجهزة الاستخبارات الإماراتية، وفق الوثائق التي حللتها «ميديا بارت» وشركاؤها في ائتلاف التحقيقات الأوروبية.
وشملت القوائم، بحسب التحقيق، سياسيين وصحفيين وأكاديميين ونشطاء ومنظمات مدنية، مع تصنيف بعضهم على أنهم جزء من شبكة مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.
وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في القضية: وجود اسم شخص أو منظمة في تلك الملفات لا يعني بحد ذاته ثبوت انتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين أو ارتباطه بنشاط متطرف، وهو ما يجعل طريقة إعداد هذه القوائم وتصنيف الأشخاص جزءاً أساسياً من الجدل الذي أثارته التحقيقات.
من جمع المعلومات إلى صناعة الرواية؟
بحسب التحقيق الجديد لـ«دارك بوكس»، فإن التطور الذي يلفت الانتباه هو الانتقال المفترض من جمع المعلومات واستهداف الخصوم إلى الاستثمار في بيئة سياسية أوروبية موجودة أصلاً.
فتيارات سياسية معادية للإسلام والمسلمين موجودة في عدد من الدول الأوروبية لأسباب داخلية مرتبطة بالهجرة والهوية والأمن والسياسة الانتخابية. ولا يحتاج وجود هذه التيارات إلى دعم خارجي حتى يظهر.
لكن السؤال الذي يطرحه التحقيق هو ما إذا كانت جهات خارجية تحاول استثمار هذا المناخ السياسي وتوجيهه بما يخدم مصالحها، عبر شبكات مالية أو علاقات سياسية أو أدوات تأثير غير مباشرة.
وهذا فرق مهم؛ فوجود خطاب معادٍ للمسلمين في أوروبا ظاهرة سياسية واجتماعية لها جذورها المحلية، بينما الحديث عن تمويل أو توجيه خارجي يحتاج إلى أدلة مستقلة ومحددة لكل حالة.
لماذا يثير التمويل الأجنبي هذه الحساسية؟
تفرض العديد من الدول الأوروبية قيوداً وقواعد على التمويل السياسي الأجنبي وعلى الشفافية المتعلقة بالتأثير الخارجي، لأن الأموال القادمة من حكومات أو جهات أجنبية يمكن أن تثير أسئلة حول استقلال القرار السياسي والإعلامي.
وفي حالة المسلمين والمؤسسات الإسلامية، تصبح المسألة أكثر حساسية بسبب تداخل ملفات الدين والهجرة والأمن والاندماج السياسي.
ومن هنا فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يدفع المال، وإنما أيضاً بكيفية استخدامه، والجهات التي تصل إليها الأموال، والأهداف التي تمولها، وما إذا كانت مصادر التمويل معلنة وقانونية.
الإمارات.. ماذا تقول التحقيقات وماذا تثبت؟
التحقيقات التي ظهرت خلال السنوات الماضية تقدم صورة عن نشاطات نسبت إلى جهات إماراتية أو إلى شركات عملت لصالحها، لكن ينبغي عدم دمج جميع هذه الملفات في ادعاء واحد.
فـ«أسرار أبوظبي» استند إلى وثائق مسربة من «ألب سيرفيسز» ووثق شبكة عمليات نُسبت إلى الشركة لصالح الإمارات، بينما يستند تحقيق «دارك بوكس» الجديد إلى مصادر ووثائق يقول الموقع إنها تكشف عن شبكة مالية وسياسية جديدة.
وبالتالي، فإن وجود سوابق موثقة في ملف «أسرار أبوظبي» لا يثبت تلقائياً كل الادعاءات الجديدة، كما أن الادعاءات الجديدة تحتاج إلى تقييم مستقل للوثائق ومسارات الأموال والجهات المستفيدة.
معركة ضد «الإسلام السياسي» أم تأثير في صورة المسلمين؟
تضع هذه الملفات قضية أخرى أكثر تعقيداً أمام أوروبا: أين ينتهي الخلاف السياسي مع تنظيمات أو تيارات توصف بأنها «إسلام سياسي»، وأين يبدأ استهداف المسلمين والمؤسسات الإسلامية لمجرد هويتهم أو نشاطهم المدني؟
فالتمييز بين الاثنين أساسي؛ إذ يمكن للحكومات والأحزاب أن تختلف سياسياً مع جماعات أو حركات معينة، لكن تعميم الاتهامات على المسلمين أو المؤسسات الإسلامية من دون أدلة محددة يختلف عن نقد تنظيم سياسي بعينه.
وهنا تكتسب التحقيقات التي تتحدث عن حملات تشويه أو تصنيف جماعي أهمية خاصة، لأنها تطرح أسئلة حول الطريقة التي تُصنع بها صورة جماعات وأفراد داخل الفضاء العام الأوروبي.
نفوذ المال.. والسؤال المفتوح
في النهاية، لا يقدم التحقيق الجديد وحده دليلاً كافياً للقول إن الإمارات تتحكم في اليمين الأوروبي أو أنها صنعت الخطاب المعادي للمسلمين في أوروبا.
لكن التحقيق، إلى جانب ما سبق أن كشفته قضية «أسرار أبوظبي»، يعيد فتح ملف التأثير الأجنبي واستخدام المال وشركات العلاقات العامة والاستخبارات الخاصة وشبكات النفوذ في تشكيل النقاش السياسي الأوروبي.
ويبقى السؤال الأهم أمام المؤسسات الأوروبية والإعلامية والقضائية: إذا ثبت انتقال أموال أو توجيه سياسي من جهات أجنبية إلى شبكات تعمل في قضايا حساسة، فما حجم هذا النفوذ؟ ومن المستفيد منه؟ وهل جرى الإفصاح عنه وفق القواعد القانونية المعمول بها؟
أسئلة لا يمكن حسمها بالشعارات، وإنما بتتبع الوثائق ومسارات الأموال والجهات المستفيدة، وفصل الوقائع المثبتة عن الادعاءات والاستنتاجات السياسية.
اقرأ المزيد
تحليل لديفيد هيرست: الإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل يطبّعون مع “الحرب الدائمة” في المنطقة
لأنها لم تعلن الإخوان منظمة إرهابية.. الإمارات تقلّص بعثاتها الطلابية إلى بريطانيا
الإمارات والمسلمون في أوروبا.. هل تقود أبوظبي حملة لتشويه صورة الإسلام؟

