وطن-تواجه أوروبا ضغوطًا متزايدة على إمدادات النفط والغاز، في ظل تزامن اضطرابات طرق الطاقة في الخليج والبحر الأحمر وأوراسيا، بما يهدد بزيادة تكاليف الوقود والكهرباء والنقل والغذاء، ويدفع التضخم إلى مستويات أعلى.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «عين الشرق الأوسط» في 18 سبتمبر/أيلول 2026، أبلغت السعودية مصافي أوروبية بأنها لن تتلقى مخصصاتها من النفط الخام خلال أكتوبر/تشرين الأول، في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة العالمية سلسلة من الاضطرابات المرتبطة بالحروب والتوترات الجيوسياسية.
ولا تقتصر المشكلة على النفط السعودي، إذ تتزامن هذه التطورات مع اضطرابات في عدد من الممرات البحرية وخطوط أنابيب الطاقة، من مضيق هرمز والبحر الأحمر إلى البحر الأسود وبحر قزوين، ما يزيد هشاشة سلاسل الإمداد الأوروبية.
البحر الأحمر يضيف ضغطًا جديدًا
ويشير التقرير إلى أن التطورات في البحر الأحمر تضيف عاملًا جديدًا إلى أزمة الإمدادات، بعدما تحدث عن سيطرة جماعة الحوثيين على مواقع وجزر قرب مضيق باب المندب.
وبحسب التقرير، فإن المضيق لم يُغلق فعليًا، لكن ارتفاع المخاطر الأمنية قد يكون كافيًا لدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها. وقد أدى ذلك، وفق المصدر نفسه، إلى ارتفاع تكاليف التأمين على السفن وتحويل بعض الرحلات حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يضيف ما بين 10 و14 يومًا إلى بعض الرحلات ويرفع تكاليف النقل وسلاسل الإمداد.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى أوروبا، التي تعتمد على استيراد جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة، إذ يمكن لارتفاع تكلفة نقل النفط والغاز أن ينتقل سريعًا إلى أسعار الوقود والكهرباء والسلع الأساسية.
مضيق هرمز وخط الأنابيب السعودي
وتأتي أزمة البحر الأحمر بعد أشهر من الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز، أحد أهم ممرات نقل الطاقة في العالم. ويقول تقرير «عين الشرق الأوسط» إن إغلاق المضيق خلال الفترة الممتدة من فبراير/شباط إلى بداية سبتمبر/أيلول أدى إلى خروج ما يقدّر بنحو 17 إلى 19 مليون برميل من النفط يوميًا من الأسواق العالمية، ما دفع أوروبا إلى الاعتماد بصورة أكبر على إمدادات من حوض الأطلسي وبحر قزوين.
وحاولت السعودية تخفيف آثار الأزمة من خلال تحويل جزء من النفط عبر خط أنابيب الشرق والغرب إلى محطة ينبع على البحر الأحمر، ما رفع التدفقات عبر الخط، وفق التقرير، من نحو مليوني برميل يوميًا في بداية العام إلى قرابة ستة ملايين برميل يوميًا قبل توقفه.
لكن هجومًا بطائرة مسيّرة استهدف محطة ضخ في 11 سبتمبر/أيلول أدى إلى إغلاق الخط، ما زاد الضغوط على صادرات النفط السعودية ومسارات الإمداد المتجهة إلى الأسواق العالمية.
وتشير تقارير أخرى إلى أن الهجوم وتعطل خط الأنابيب دفعا أسعار بعض شحنات النفط الفعلية في أوروبا إلى تجاوز 130 دولارًا للبرميل، مع ارتفاع سعر خام برنت أيضًا، ما يعكس حساسية السوق تجاه أي اضطراب جديد في الإمدادات.
التضخم الأوروبي يتسارع
وتظهر آثار أزمة الطاقة بالفعل في بيانات منطقة اليورو. فقد ارتفع التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 3.3% في أغسطس/آب 2026، مقارنة بـ2.9% في يوليو/تموز، بينما قفز تضخم أسعار الطاقة إلى 14.3% مقابل 10.3% في الشهر السابق، بحسب البنك المركزي الأوروبي.
وكان ارتفاع أسعار الطاقة من أبرز العوامل التي دفعت التضخم إلى الصعود، في وقت تجاوزت فيه أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل وسط استمرار الاضطرابات المرتبطة بالحرب في المنطقة.
كما حذر البنك المركزي الأوروبي من أن ارتفاع أسعار الغاز والوقود قد يواصل الضغط على التضخم، فيما أظهرت الأسواق الأوروبية ارتفاعًا حادًا في أسعار الغاز مقارنة ببداية العام.
روسيا وأوكرانيا تضيفان أزمة أخرى
ولا تواجه أوروبا اضطرابات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط فقط. فالحرب الروسية الأوكرانية تضغط بدورها على إمدادات الطاقة، مع تعرض مصافي ومرافق تصدير روسية لهجمات أوكرانية، بينما تحد العقوبات الأوروبية من قدرة بعض الأسواق الأوروبية على الاعتماد على الإمدادات الروسية.
ويزيد ذلك صعوبة البحث عن بدائل، خصوصًا أن بعض الدول المنتجة التي يمكن أن تساعد في سد جزء من الفجوة تواجه بدورها مشكلات في طرق التصدير.
ومن أبرز الأمثلة كازاخستان، التي تعتمد بدرجة كبيرة على خط أنابيب بحر قزوين الذي ينقل النفط إلى ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود. وبالتالي فإن أي اضطراب في هذه المنطقة يمكن أن يؤثر في قدرة كازاخستان على إيصال نفطها إلى الأسواق الأوروبية.
أما المسار البديل عبر بحر قزوين وأذربيجان وتركيا، فيملك قدرة محدودة مقارنة بحجم صادرات كازاخستان، ما يجعل تعويض الإمدادات المفقودة أمرًا معقدًا.
الطقس قد يزيد الأزمة تعقيدًا
ولا تتوقف المخاطر عند الجغرافيا السياسية. فالتقرير يشير إلى أن الطقس قد يلعب دورًا حاسمًا في تحديد حجم الطلب الأوروبي على الطاقة خلال شتاء 2026-2027.
وقد يؤدي شتاء معتدل إلى تخفيف الطلب على التدفئة، لكن تغيرات جوية مفاجئة قد تسبب موجات برد قوية خلال فبراير/شباط 2027، بما يرفع استهلاك الغاز والكهرباء.
كما يشير التقرير، استنادًا إلى بيانات تاريخية، إلى أن ظاهرة النينيو القوية يمكن أن تؤثر في إنتاج طاقة الرياح الأوروبية خلال الشتاء، الأمر الذي قد يدفع محطات الكهرباء إلى زيادة الاعتماد على الغاز لتغطية الطلب.
قواعد أوروبية جديدة قد ترفع كلفة بعض الإمدادات
وتواجه أوروبا عاملًا آخر يتمثل في القواعد البيئية الجديدة. فمن المقرر أن تدخل قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالميثان حيز التنفيذ في 2027، وستفرض على مستوردي الغاز والغاز الطبيعي المسال إثبات التزام المنتجين في الخارج بمعايير أوروبية للمراقبة والتحقق من الانبعاثات.
ويرى محللون نقل عنهم التقرير أن هذه القواعد قد تقسم سوق الغاز إلى إمدادات مستوفية للمعايير وأخرى غير مستوفية لها، وهو ما قد يجعل بعض الإمدادات المطابقة للمتطلبات الأوروبية أكثر تكلفة.
أوروبا أمام اختبار صعب
وتشير الصورة العامة إلى أن أوروبا تواجه مجموعة من الضغوط في وقت واحد: اضطرابات في الشرق الأوسط، ومخاطر على طرق الشحن في البحر الأحمر، وتحديات أمام الإمدادات القادمة من أوراسيا، إضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة والتغيرات المناخية والقواعد التنظيمية الجديدة.
ولا يعني ذلك أن أوروبا دخلت بالفعل في أزمة تضخمية شاملة، لكن البيانات الحالية تظهر أن صدمة الطاقة أصبحت عاملًا رئيسيًا في ارتفاع التضخم. ومع وصول تضخم منطقة اليورو إلى 3.3% وتضخم الطاقة إلى 14.3% في أغسطس/آب، أصبحت قدرة أوروبا على تأمين إمدادات مستقرة وبأسعار يمكن تحملها عنصرًا أساسيًا في تحديد مسار الاقتصاد خلال الأشهر المقبلة.
وبينما تستطيع الحكومات والبنك المركزي استخدام أدوات مالية ونقدية للتعامل مع آثار التضخم، فإن هذه الأدوات لا تستطيع وحدها إعادة النفط والغاز إلى الأسواق إذا استمرت الاضطرابات في طرق الإمداد. ولهذا تبدو تطورات الخليج والبحر الأحمر وروسيا وأوكرانيا والطقس عوامل مترابطة ستحدد إلى حد كبير شكل أزمة الطاقة الأوروبية خلال المرحلة المقبلة.
قد يعجبك
زلزال في أسواق الطاقة: إغلاق أكبر مصفاة سعودية ومصنع غاز قطري يشعل أزمة الإمدادات في أوروبا
السعودية توقف شحنات نفط إلى أوروبا.. هجمات المسيّرات تضرب شريانًا حيويًا للطاقة
ناقلات النفط تحصد 510 آلاف دولار يومياً وسط توتر مضيق هرمز.. حرب الخليج تقلب سوق الشحن العالمي

