وطن-لم يكن قفص الاتهام في محكمة جنح مستأنف المنتزه بالإسكندرية، في 15 سبتمبر/أيلول الجاري، مجرد مكان لانتظار انتهاء جلسة قضائية، وفق رواية حقوقية أثارت جدلًا واسعًا، بعدما أفادت بوفاة محتجز مصاب بمرض السكري داخل القفص، عقب مطالبته بالسماح له بقضاء حاجته.
وبحسب المعلومات الأولية التي نشرها مركز الشهاب لحقوق الإنسان، كان المحتجز يعاني من مرض السكري، وطلب السماح له بالتبول بسبب حالته الصحية، إلا أن طلبه قوبل بالرفض، وأُبقي داخل قفص الاتهام أثناء انعقاد الجلسة، قبل أن تتدهور حالته ويفارق الحياة.
ولا تتوافر حتى الآن، في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها، تفاصيل رسمية كاملة حول هوية المتوفى أو السبب الطبي الدقيق للوفاة أو ما إذا كان قد فُتح تحقيق مستقل في ملابساتها. ولذلك تبقى الرواية المتداولة بشأن رفض السماح له بالخروج لقضاء حاجته منسوبة إلى المصدر الحقوقي الذي أعلنها، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها نتيجة قضائية نهائية.
طلب بسيط تحول إلى واقعة وفاة
تقول رواية مركز الشهاب إن المحتجز طلب دخول دورة المياه بسبب حاجته المرتبطة بمرضه المزمن، إلا أنه لم يُسمح له بمغادرة القفص، قبل أن تتدهور حالته الصحية.
ووصف المركز الواقعة بأنها تمثل إخلالًا بمعايير التعامل الإنساني مع المحتجزين المرضى، ودعا من يملك معلومات موثقة حول الواقعة إلى التواصل معه لاستكمال التوثيق والتواصل مع أسرة المتوفى.
وتكتسب الواقعة حساسية إضافية بسبب طبيعة المرض الذي كان يعاني منه المحتجز، إذ إن مرض السكري قد يتطلب متابعة طبية منتظمة، كما أن أي تدهور مفاجئ في حالة مريض داخل الاحتجاز يحتاج، من الناحية الطبية والقانونية، إلى معرفة ظروفه الصحية الدقيقة وما الإجراءات التي اتخذت للتعامل معه.
لكن تحديد العلاقة بين منع قضاء الحاجة والوفاة يحتاج إلى إثبات طبي وتحقيق مستقل، وهو أمر لا يمكن حسمه اعتمادًا على الرواية الحقوقية وحدها.
«يوم الترحيلة».. شكاوى تتجاوز قاعة المحكمة
ولا تتوقف القضية عند ما حدث داخل قفص الاتهام، إذ أعادت الواقعة إلى الواجهة شكاوى سابقة تتعلق بظروف نقل المحتجزين من أماكن الاحتجاز إلى المحاكم. وتحدثت شهادات نقلتها وسائل إعلام مصرية عن رحلات ترحيل طويلة في سيارات مكتظة، وظروف تهوية صعبة، وقيود تستمر لساعات، فضلًا عن شكاوى تتعلق بتوفير المياه والطعام وإمكانية استخدام دورات المياه خلال فترات الانتظار.
ونقلت «عربي21» شهادة لسجين جنائي سابق وصف يوم الترحيل بأنه شديد القسوة، وتحدث عن ظروف قال إنها تشمل الإهانة والضرب والدفع والسب خلال الرحلة من السجن إلى المحكمة ثم العودة إليه. وهذه تبقى شهادة فردية منسوبة إلى صاحبها، وليست إثباتًا بأن هذه الظروف تنطبق على جميع عمليات نقل المحتجزين في مصر.
ومن الناحية العملية، فإن يوم المحاكمة بالنسبة إلى المحتجز لا يبدأ عند وصوله إلى قاعة المحكمة، بل قد يبدأ قبل ذلك بساعات أثناء عملية نقله، وينتهي بعد انتهاء الجلسة والعودة إلى مكان الاحتجاز.
ولهذا فإن أي تقييم لظروف المحتجزين المرضى يحتاج إلى النظر في كامل سلسلة الإجراءات: النقل، والانتظار، والرعاية الطبية، وإمكانية الحصول على الماء والطعام واستخدام دورات المياه، ثم العودة إلى مكان الاحتجاز.
أرقام حقوقية عن الوفيات والإهمال الطبي
وتأتي هذه الواقعة في ظل تقارير صادرة عن منظمات حقوقية تتحدث عن أوضاع المحتجزين في مصر. وبحسب أرقام أوردها مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب ونقلتها مصادر إعلامية، جرى رصد 36 حالة وفاة داخل أماكن الاحتجاز خلال النصف الأول من عام 2026، إلى جانب 38 حالة تعذيب و90 حالة وصفها المركز بأنها إهمال طبي متعمد.
وهذه الأرقام تعكس ما وثقته الجهة الحقوقية وفق منهجها ومصادرها، ولا تعني بالضرورة أن جميع الحالات حُسمت قضائيًا أو ثبتت مسؤولية السلطات عنها. كما أن بعض الحالات التي تصفها المنظمات الحقوقية بالإهمال الطبي تحتاج، من الناحية القانونية، إلى تحقيقات مستقلة لتحديد أسباب الوفاة والمسؤوليات المحتملة.
أين تبدأ مسؤولية الدولة؟
تضع الواقعة سؤالًا أوسع من تفاصيلها المباشرة: ما مستوى الرعاية التي ينبغي أن يحصل عليها المحتجز عندما يكون مصابًا بمرض مزمن؟
فوجود الإنسان داخل قفص الاتهام أو خلف أبواب الاحتجاز لا يلغي احتياجاته الأساسية، ولا يحوّل حالته الصحية إلى مسألة ثانوية. وفي المقابل، فإن تحديد المسؤولية القانونية عن وفاة أي محتجز يتطلب معرفة دقيقة بما جرى، ومن كان مسؤولًا عن رعايته، وما إذا كانت هناك استجابة لطلباته، وما السبب الطبي الذي أدى إلى الوفاة.
ومن هنا تأتي أهمية التحقيق المستقل والشفاف في مثل هذه الوقائع، خصوصًا عندما تتعلق الوفاة بشخص كان تحت مسؤولية الدولة أثناء وجوده داخل منشأة قضائية.
قفص الاتهام ليس نهاية الحقوق
تتجاوز قصة المحتجز المتوفى في الإسكندرية شخصه والقضية التي كان يمثل بسببها أمام المحكمة، لأنها تطرح مسألة أوسع تتعلق بالحقوق الأساسية للأشخاص الموجودين تحت الاحتجاز. فالاحتجاز يقيّد حرية الإنسان، لكنه لا يلغي حقه في المعاملة الإنسانية والرعاية الصحية المناسبة، كما أن وجوده داخل قفص الاتهام لا يعني فقدانه احتياجاته الأساسية.
وبين الرواية الحقوقية التي تتحدث عن رفض طلب محتجز مريض، وغياب تفاصيل رسمية كاملة عن ملابسات الوفاة في المصادر المتاحة، يبقى السؤال الأهم هو: ماذا حدث داخل قفص المحكمة في تلك اللحظات، وهل كانت هناك استجابة طبية وإنسانية كافية لحالة المحتجز قبل وفاته؟
الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تبقى في نطاق الروايات المتداولة، بل تحتاج إلى توثيق طبي وتحقيق مستقل يحدد بدقة ما جرى والمسؤوليات المرتبطة به.
اقرأ المزيد
13 عاماً في سجون السيسي.. باسم عودة وزير الغلابة الذي لم يغب عن ذاكرة المصريين
محتجزون مصريون يطالبون الحكومة بتطبيق الحدود الجديدة للحبس الاحتياطي فوراً
وفاة شقيق محمد ناصر داخل سجن المنيا.. هل أصبحت عائلات المعارضين هدفًا للضغط في مصر؟

