وطن-خطت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطوة جديدة نحو إتمام صفقة ضخمة لبيع السعودية ما يصل إلى 48 مقاتلة من طراز «إف-35» الشبحية، في اتفاق تبلغ قيمته التقديرية 24.3 مليار دولار، من شأنه أن يجعل المملكة، في حال إتمام الصفقة وتسليم الطائرات، ثاني دولة في الشرق الأوسط تشغّل هذه المقاتلات بعد إسرائيل، وأول دولة عربية تحصل عليها.
وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، الخميس 17 سبتمبر/أيلول، موافقتها على البيع المحتمل، وأبلغت الكونغرس رسمياً بالصفقة، التي تشمل 48 مقاتلة و49 محركاً، إضافة إلى معدات اتصالات ودعم وقطع غيار وتدريب وتجهيزات أخرى. لكن الموافقة لا تعني إتمام الصفقة نهائياً، إذ لا تزال أمامها فترة مراجعة في الكونغرس.
وقالت الخارجية الأمريكية إن الصفقة المقترحة ستدعم أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة، وستعزز قدرة السعودية على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية وتحسن قدرتها على العمل المشترك مع القوات الأمريكية والقوات الإقليمية وقوات حلف شمال الأطلسي.
وأكدت الوزارة في الوقت نفسه أن البيع المقترح «لن يغير التوازن العسكري في المنطقة»، في إشارة إلى السياسة الأمريكية المستمرة التي تضع الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في الشرق الأوسط ضمن الاعتبارات الأساسية عند إبرام صفقات الأسلحة مع دول المنطقة.
صفقة تتجاوز 24 مليار دولار
لا تقتصر الصفقة على الطائرات وحدها، إذ تشمل 49 محركاً من إنتاج شركة برات آند ويتني، إلى جانب أنظمة اتصالات آمنة ومعدات ملاحة دقيقة وتجهيزات للحرب الإلكترونية ودعماً لبرمجيات الطائرات وقطع غيار ومعدات صيانة وتدريباً للطيارين والأطقم السعودية.
وتبلغ القيمة التقديرية القصوى للحزمة 24.3 مليار دولار، فيما يمكن أن تتغير الكلفة النهائية والكميات خلال مراحل التفاوض والتنفيذ. كما أن تسليم الطائرات، حتى في حال موافقة الكونغرس، لن يكون فورياً، إذ تشير التقديرات إلى أن الإنتاج والتسليم سيستغرقان سنوات.
وتُعد مقاتلة «إف-35» من أكثر الطائرات القتالية تقدماً في الترسانة الأمريكية، بفضل قدراتها على التخفي وجمع المعلومات ودمج البيانات والقتال الجوي والهجمات على الأهداف الأرضية.
السعودية تقترب من دخول نادي «إف-35»
في حال اكتمال الصفقة وتسليم الطائرات، ستصبح السعودية أول دولة عربية تشغّل «إف-35»، بينما تظل إسرائيل الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تستخدم هذه المقاتلة حتى الآن.
ولهذا السبب، تحمل الصفقة أهمية تتجاوز قيمتها المالية، إذ يمكن أن تمنح سلاح الجو السعودي قدرات نوعية جديدة، وتوسع نطاق التعاون العسكري بين الرياض وواشنطن.
وكان الرئيس ترامب قد أعلن في وقت سابق أن الولايات المتحدة ستسمح للسعودية بشراء المقاتلات، فيما استمرت المفاوضات والمراجعات داخل الإدارة الأمريكية قبل صدور الموافقة الرسمية وإخطار الكونغرس.
أين تقف إسرائيل من الصفقة؟
تمثل الصفقة اختباراً لمبدأ «التفوق العسكري النوعي» الإسرائيلي، الذي شكل لعقود أحد الاعتبارات الرئيسية في السياسة الأمريكية المتعلقة بتسليح الشرق الأوسط.
وأبدى مسؤولون إسرائيليون مخاوف من أن يؤدي حصول السعودية على المقاتلة المتطورة إلى تقليص الفارق العسكري الذي تتمتع به إسرائيل في المنطقة. وتشير تقارير حديثة إلى أن إسرائيل كانت ترغب أيضاً في ربط حصول الرياض على «إف-35» بخطوات سعودية نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
لكن إدارة ترامب مضت في مسار الصفقة، مؤكدة أن البيع المقترح لن يغير التوازن العسكري الإقليمي.
ومن الناحية العملية، يعني ذلك أن واشنطن ترى إمكانية الجمع بين تزويد السعودية بالمقاتلة المتطورة وبين الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي، سواء عبر طبيعة التجهيزات التي ستحصل عليها الرياض أو عبر ترتيبات وضمانات تقنية وعسكرية مرتبطة بالصفقة.
مخاوف من التكنولوجيا الصينية
ولا ترتبط التحفظات بالجانب الإسرائيلي وحده، إذ تواجه الصفقة أيضاً مخاوف داخل الولايات المتحدة بشأن أمن التكنولوجيا العسكرية الحساسة.
وأفادت تقارير أمريكية بأن أجهزة استخبارات أمريكية أثارت مخاوف من إمكانية تعرض تقنيات مرتبطة بمقاتلة «إف-35» للتجسس أو التسرب إلى الصين، في ظل تنامي العلاقات العسكرية والتكنولوجية بين الرياض وبكين.
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن تقارير استخباراتية داخلية حذرت من احتمال حصول الصين على تكنولوجيا الطائرة أو سرقتها إذا وصلت المقاتلات إلى السعودية، بينما أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن جميع عمليات نقل المعدات الدفاعية تخضع للقوانين والسياسات الأمريكية، بما يشمل حماية التفوق التكنولوجي للجيش الأمريكي.
وتعيد هذه المخاوف إلى الواجهة تجربة صفقة «إف-35» الإماراتية، التي لم تتحول إلى صفقة مكتملة بعد أن أثارت واشنطن مخاوف مرتبطة بعلاقات أبوظبي مع الصين.
لماذا تمضي واشنطن الآن؟
تأتي الموافقة الأمريكية في ظل تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، وفي وقت تواجه فيه السعودية تهديدات متزايدة من جماعة الحوثيين في اليمن، بالتزامن مع اضطرابات أوسع مرتبطة بالصراع مع إيران.
وترى الإدارة الأمريكية أن تعزيز قدرات السعودية الدفاعية يخدم المصالح الأمنية الأمريكية في الخليج، كما يوسع التعاون العسكري بين البلدين.
وقالت وزارة الخارجية إن الصفقة ستعزز قدرة السعودية على ردع التهديدات وحماية أراضيها، فضلاً عن تحسين قابلية التشغيل المشترك بين القوات السعودية والأمريكية والقوات الحليفة.
لكن توقيت الصفقة يحمل أيضاً دلالة سياسية، إذ يأتي بعد سنوات من سعي الرياض للحصول على الطائرة، وبعد إعلان ترامب خلال العام الماضي دعمه لحصول المملكة عليها.
الصفقة لم تحسم بعد
ورغم الموافقة الأمريكية وإخطار الكونغرس، فإن الطريق أمام الصفقة لم ينتهِ.
فالكونغرس يملك فترة مراجعة يمكن خلالها الاعتراض على الصفقة، كما أن الاتفاق النهائي والكميات والأسعار وشروط التجهيز قد تتغير خلال المراحل اللاحقة.
وحتى إذا حصلت الصفقة على الموافقة النهائية، فإن السعودية لن تحصل على المقاتلات فوراً، لأن إنتاج الطائرات وتجهيزها وتدريب الأطقم وتسليمها سيحتاج إلى عدة سنوات.
وبذلك، لا يتعلق الأمر حالياً بدخول 48 مقاتلة «إف-35» إلى الخدمة السعودية، بل بانتقال الصفقة إلى مرحلة رسمية متقدمة داخل النظام الأمريكي.
وإذا اكتملت العملية، فإن حصول السعودية على هذه المقاتلات سيمثل تحولاً مهماً في سوق السلاح بالشرق الأوسط، وسيضع واشنطن أمام معادلة دقيقة بين تعزيز شراكتها الدفاعية مع الرياض، والحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، وحماية التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة من مخاطر التسرب إلى الصين.
اقرأ المزيد
الحوثيون يقتربون من شريان النفط السعودي.. صاروخ يضرب ناقلة قرب ينبع
الحوثيون يقتربون من باب المندب ويهددون صادرات النفط السعودية وسط تصعيد إقليمي واسع
مسيّرة جنوب مكة.. السعودية تتهم الحوثيين والحوثيون ينفون استهداف المدينة المقدسة

