وطن-في خطوة لافتة تتجاوز الدعم السياسي والدبلوماسي التقليدي، أعلنت الجزائر نشر مقاتلات وطائرات دعم عسكرية في النيجر، استجابة لطلب من سلطات نيامي، عقب محاولة انقلاب فاشلة هزت البلاد. وأعاد هذا التحرك العلني إلى الواجهة سؤالًا قديمًا حول مستقبل عقيدة عدم التدخل التي شكلت لعقود أحد أبرز ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية، خصوصًا في منطقة الساحل التي تحولت تدريجيًا إلى عمق استراتيجي مباشر للأمن الجزائري.
وقالت صحيفة ميدل إيست آي البريطانية إن الجزائر، بناءً على تعليمات من الرئيس عبد المجيد تبون، أعلنت في 30 أغسطس 2026 إرسال أربع مقاتلات من طراز «سو-30»، وطائرة للتزود بالوقود، وأخرى للنقل العسكري إلى النيجر، لمساعدة السلطات هناك في مواجهة ما وصفته بمحاولة لزعزعة الاستقرار.
وجاء التحرك الجزائري بعد يوم واحد من محاولة انقلاب فاشلة في النيجر، الدولة التي يقودها الجنرال عبد الرحمن تياني منذ وصوله إلى السلطة إثر انقلاب عسكري في يوليو 2023. وتشترك النيجر مع الجزائر في حدود جنوبية تمتد لنحو 950 كيلومترًا، ما يجعل أي تدهور أمني في نيامي أو المناطق القريبة من الحدود مصدر قلق مباشر للجزائر.
تمرد داخل الجيش.. ما الذي يحدث في النيجر؟
بحسب «ميدل إيست آي»، شهدت النيجر يومي 28 و29 أغسطس موجة توتر جديدة، بعدما استهدف تمرد عسكري عددًا من المواقع الاستراتيجية في العاصمة نيامي، من بينها القصر الرئاسي ومطار ديوري حماني الدولي والقاعدة العسكرية 101.
ونقلت الصحيفة عن باحث كبير في منظمة «ذا سنتري» أن دوافع المتمردين كانت، وفق تقديره، عسكرية ومؤسساتية بالدرجة الأولى. وأوضح الباحث، الذي لم تكشف الصحيفة عن هويته، أن بعض الجنود رأوا وحداتهم تتكبد خسائر كبيرة في مواجهة الجماعات المسلحة، في حين بقي الحرس الرئاسي، التابع مباشرة لتياني، متمركزًا حول العاصمة ويتمتع بتجهيزات أفضل، بحسب الرواية التي نقلتها الصحيفة.
وأشار الباحث إلى مقتل نحو 18 جنديًا قرب منطقة دوسو قبل أسبوع من التمرد، في وقت عانى فيه الجيش النيجري خلال السنوات الماضية خسائر كبيرة في مواجهته الجماعات المسلحة الناشطة في منطقة الساحل.
ولا تمثل هذه الخسائر ظاهرة جديدة في النيجر. ففي ديسمبر 2019، قُتل 71 جنديًا نيجريًا في هجوم استهدف قاعدة إيناتيس العسكرية، فيما قُتل 89 آخرون بعد شهر في هجوم على موقع تشيناغودرار قرب الحدود مع مالي، وقد أعلن تنظيم «داعش» في الصحراء الكبرى مسؤوليته عن الهجومين.
وبذلك، يواجه الجنرال تياني ضغطًا مزدوجًا يتمثل في استمرار تهديد الجماعات المسلحة من جهة، وظهور مؤشرات على توتر داخل المؤسسة العسكرية من جهة أخرى.
الجزائر ترى الساحل عمقًا أمنيًا
بالنسبة إلى الجزائر، يصعب فصل التطورات في النيجر عن أمنها القومي. فالحدود الجنوبية الطويلة، وانتشار الجماعات المسلحة، ونشاط شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، وتراجع قدرة بعض دول الساحل على بسط نفوذها خارج مراكز المدن، كلها عوامل تجعل استقرار دول الجوار الجنوبي جزءًا من الحسابات الأمنية الجزائرية.
وترى «ميدل إيست آي» أن إعلان الجزائر نشر وسائل عسكرية في النيجر يثير احتمال حدوث تحول تدريجي في طريقة تعاملها مع أزمات الساحل، بعد عقود من التمسك بمبدأ عدم التدخل العسكري خارج الحدود.
وقال ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، إن الجزائر لم تعد قادرة، وفق تقديره، على حماية أمنها ومصالحها الوطنية من خلال تأمين حدودها فقط، بل أصبحت مطالبة بالتعامل مع ما يصفه بـ«عمقها الاستراتيجي».
وبهذا المنظور، لم يعد الساحل بالنسبة إلى الجزائر مجرد منطقة جغرافية مجاورة، وإنما أصبح جزءًا من المجال الأمني الذي يمكن أن تنعكس اضطراباته مباشرة على الداخل الجزائري.
واللافت أن الجزائر اختارت الإعلان عن تحركها العسكري بدل إبقائه في إطار الدعم غير المعلن. فقد نقلت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية الخبر، كما ظهر مقطع فيديو يوثق وصول الطائرات الجزائرية إلى الأراضي النيجرية، قبل عقد مؤتمر صحفي جمع مسؤولين نيجريين وأعضاء الوفد العسكري الجزائري الذي ترأسه اللواء رشيد شبلواي.
ويعتبر فابياني أن هذه الخطوة تعكس، بحسب تحليله، سياسة خارجية جزائرية أصبحت أكثر براغماتية، ومستعدة للانخراط في الملفات الأمنية إلى جانب الوسائل الدبلوماسية التقليدية.
لماذا تتحرك الجزائر الآن؟
لا يرتبط التحرك الجزائري بالأمن وحده. فالساحل أصبح خلال السنوات الأخيرة منطقة تنافس بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري.
فالمغرب عزز تعاونه مع النيجر منذ انقلاب 2023، وتركيا تزود الجيش النيجري بطائرات مسيرة قتالية، بينما يتمركز أكثر من 300 جندي إيطالي في القاعدة العسكرية 101. أما روسيا، فتحضر عبر عناصر «فيلق أفريقيا» شبه العسكرية، التي قالت «ميدل إيست آي» إنها ساعدت في إحباط محاولة انقلاب أغسطس.
وتنظر الجزائر بقلق إلى هذا التوسع في الحضور الخارجي، خصوصًا في ظل التنافس المتزايد على النفوذ داخل دول الساحل.
كما تضع الجزائر الدور الإماراتي ضمن دائرة اهتماماتها الأمنية، إذ سبق أن وجهت اتهامات إلى أبوظبي بدعم أطراف مسلحة وانفصالية في المنطقة عبر قنوات مختلفة. وهذه الاتهامات تأتي في سياق خلافات سياسية متزايدة بين البلدين، وينبغي التعامل معها باعتبارها مواقف واتهامات صادرة عن الجانب الجزائري، لا باعتبارها حقائق محسومة من طرف مستقل.
وفي 10 سبتمبر، أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، في خطوة تعكس مستوى التوتر بين البلدين، في وقت تتقاطع فيه خلافاتهما مع ملفات إقليمية متعددة، من بينها أمن الساحل.
الحدود ليست وحدها في الحسابات
تمثل الحدود الجزائرية النيجيرية، الممتدة لنحو 950 كيلومترًا، مساحة جغرافية شاسعة تتداخل فيها حركة السكان الرحل والتجارة العابرة للحدود، لكنها في الوقت نفسه تشكل تحديًا أمنيًا في ظل نشاط شبكات التهريب والجماعات المسلحة.
ويرى مراد برور، الخبير الجزائري في الطاقة والاستشارات الاستراتيجية، أن الحل العسكري لا يمكن أن يكون سوى إجراء مؤقت، وأن معالجة جذور عدم الاستقرار تتطلب تعزيز دول الساحل اقتصاديًا وتحويل المناطق الحدودية إلى فضاءات أكثر ازدهارًا.
وهنا تتقاطع الحسابات الأمنية مع المصالح الاقتصادية.
فبحسب «ميدل إيست آي»، عززت الجزائر والنيجر خلال السنوات الأخيرة تعاونهما الاقتصادي، ولا سيما في قطاع الطاقة، مع إعادة بناء التعاون حول حقل بيلما النفطي في شمال شرق النيجر، إلى جانب مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يفترض أن يمتد لنحو 4200 كيلومتر من نيجيريا، مرورًا بالنيجر، وصولًا إلى الجزائر.
وفي المقابل، تدعم الرباط مشروع خط أنابيب الغاز الأطلسي بين نيجيريا والمغرب، الذي يبلغ طوله نحو 5600 كيلومتر، ما يجعل استقرار النيجر عاملًا مهمًا في مستقبل أحد المسارين المقترحين لنقل الغاز.
وبحسب الباحث الذي تحدث إلى الصحيفة، فإن عدم الاستقرار في النيجر قد يؤثر في إمكانية تنفيذ المسار الصحراوي، بينما تنظر الجزائر إلى استمرار التعاون مع نيامي باعتباره جزءًا من مصالحها الاقتصادية طويلة الأمد.
وقالت الصحيفة إن الجزائر بدأت في يونيو الماضي بناء الجزء الخاص بها من خط الأنابيب في منطقة أدرار، في خطوة تشير إلى أن مشاريع الطاقة بين البلدين لم تعد مجرد خطط نظرية.
ولا يقتصر التعاون على الطاقة، إذ أشار برور إلى دعم الجزائر قطاع الكهرباء في النيجر، بما في ذلك توفير محطات صغيرة، فضلًا عن العمل على تطوير ممر عابر للصحراء يضم طرقًا وسكة حديدية لنقل البضائع والمسافرين.
وبذلك، يصبح استقرار النيجر بالنسبة إلى الجزائر مرتبطًا بمسارين متوازيين: حماية الحدود والمصالح الأمنية من جهة، وحماية المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية من جهة أخرى.
هل تتغير عقيدة عدم التدخل الجزائرية؟
هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية في التحرك الجزائري، فمنذ الاستقلال عام 1962، ارتبطت السياسة الخارجية الجزائرية بمبادئ عدم الانحياز وعدم التدخل واحترام سيادة الدول، مع اعتماد الدبلوماسية والوساطة وسيلة أساسية لمعالجة أزمات الجوار.
ولم تكن الجزائر غائبة تمامًا عن الملفات الأمنية الإقليمية، لكنها حافظت بصورة عامة على مسافة من التدخل العسكري المباشر خارج حدودها.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك دورها في التوصل إلى اتفاق الجزائر عام 2015 بين الحكومة المالية وجماعات الطوارق المسلحة في شمال مالي، قبل أن تتخلى السلطة العسكرية في باماكو عن الاتفاق رسميًا في يناير 2024.
غير أن الإطار الدستوري الجزائري شهد تحولًا مهمًا عام 2020، عندما أُدخل تعديل يسمح لرئيس الجمهورية باتخاذ قرار إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج، بعد موافقة ثلثي أعضاء غرفتي البرلمان.
كما يسمح الدستور بالمشاركة في عمليات حفظ السلام ضمن احترام مبادئ وأهداف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، مع التأكيد على رفض اللجوء إلى الحرب للمساس بالسيادة المشروعة وحرية الشعوب الأخرى.
وقد أثارت هذه التعديلات وقتها نقاشًا واسعًا داخل الجزائر، خصوصًا بشأن احتمال استخدام الجيش خارج الحدود.
لكن التحرك الحالي في النيجر لا يعني، وفق المعطيات المتاحة، إرسال قوة برية جزائرية لخوض عمليات قتالية داخل البلاد. فالحديث يدور عن مقاتلات وطائرات دعم وأطقم عسكرية مرتبطة بتشغيلها.
وهذا التفصيل مهم عند تقييم طبيعة الخطوة: هناك فرق بين تقديم دعم عسكري محدود لدولة مجاورة بطلب من سلطاتها، وبين الدخول في حرب أو إنشاء وجود عسكري دائم خارج الحدود.
من الدعم العسكري إلى التدخل المباشر؟
قبل إرسال الطائرات، كانت الجزائر قد عززت دعمها العسكري للنيجر، بما في ذلك التبرع بأربع مروحيات ومعدات عسكرية في مطلع أغسطس. لكن الجديد في التحرك الأخير هو مستوى العلنية وحجم الوسائل العسكرية المستخدمة، إضافة إلى تقديم العملية باعتبارها استجابة مباشرة لطلب السلطات النيجرية.
ويرى فابياني أن إرسال معدات وطائرات دعم يختلف سياسيًا عن نشر قوات برية تشارك بصورة مباشرة في العمليات العسكرية. وهذه النقطة تفسر لماذا لا يمكن اعتبار الخطوة الحالية، وحدها، دليلًا حاسمًا على التخلي عن عقيدة عدم التدخل. فإذا بقي التدخل الجزائري في إطار الدعم العسكري المحدود، وحماية المصالح المشتركة والاستجابة لطلبات رسمية من حكومات الجوار، فقد يُنظر إليه باعتباره تطويرًا لأدوات السياسة الأمنية، وليس بالضرورة قطيعة مع المبدأ التقليدي.
أما إذا تحول مستقبلًا إلى نشر قوات برية أو مشاركة مباشرة في القتال خارج الحدود، فستصبح مسألة التغيير في العقيدة أكثر وضوحًا، وستظهر أمام صانع القرار الجزائري حسابات سياسية وقانونية وأمنية أكثر تعقيدًا.
لماذا تختلف النيجر عن مالي؟
تُظهر مقارنة النيجر بمالي حجم التعقيد الذي تواجهه الجزائر. فالعلاقات الجزائرية مع مالي شهدت توترات حادة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بسبب ملف الطوارق واتفاق الجزائر، بينما تبدو العلاقات مع النيجر أقل ارتباطًا بهذا الملف.
ولهذا يرى الباحث الذي تحدثت إليه «ميدل إيست آي» أن تكرار نموذج الدعم العسكري نفسه في مالي ليس أمرًا تلقائيًا.
فالجزائر قد تجد هامشًا أكبر للتحرك في النيجر بسبب طبيعة العلاقات الثنائية وغياب بعض الملفات الحساسة التي عرقلت علاقاتها مع باماكو.
وهذا يعني أن السياسة الجزائرية قد تتجه إلى التعامل مع كل أزمة في الساحل وفق ظروفها الخاصة، بدل اعتماد قاعدة واحدة للتعامل مع جميع دول المنطقة.
خطوة استثنائية أم بداية تحول؟
التحرك الجزائري في النيجر يمثل بلا شك استخدامًا أكثر وضوحًا للأدوات العسكرية في دعم دولة مجاورة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات التخلي عن عقيدة عدم التدخل التي ظلت حاضرة في السياسة الخارجية الجزائرية.
وسيكون الاختبار الحقيقي في طبيعة الخطوات التالية: هل ستبقى الجزائر عند حدود الدعم الجوي واللوجستي والعسكري المحدود؟ أم ستتوسع مشاركتها إذا تدهورت الأوضاع في النيجر أو دول الساحل الأخرى؟
وفي الوقت نفسه، ستحتاج الجزائر إلى الموازنة بين ثلاثة اعتبارات متشابكة: حماية حدودها الجنوبية، والحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وتجنب الانجرار إلى صراعات عسكرية طويلة الأمد في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وسياسية.
لذلك، فإن ما حدث في النيجر يمكن قراءته باعتباره إشارة إلى تغير في أدوات التعامل الجزائري مع أمن الساحل، أكثر من كونه إعلانًا صريحًا عن التخلي عن مبدأ عدم التدخل.
والسؤال الذي ستجيب عنه التطورات المقبلة هو: هل ستظل الطائرات الجزائرية في النيجر حالة استثنائية فرضتها أزمة محددة، أم ستكون بداية مرحلة جديدة تنخرط فيها الجزائر عسكريًا بدرجة أكبر في محيطها الإقليمي؟
اقرا أيضاً
بـ 24.6 مليار دولار.. ميزانية الدفاع الجزائرية تفجر نقاشاً حول أولويات الإنفاق وسباق الردع الإقليمي
فرنسا تنفي انفراج أزمة التأشيرات مع الجزائر: لا رفع للقيود دون تعاون في ملف الهجرة

