وطن-رفعت محكمة في دبي حظر السفر المفروض على رجل الأعمال البريطاني الباكستاني المقيم في الإمارات محمد طاهر لاخاني ونجله محمد علي لاخاني، في تطور جديد لقضية مالية عابرة للحدود تعود جذورها إلى نزاع تجاري أمام القضاء البريطاني حول قرض بقيمة 45 مليون دولار.
وقالت صحيفة ميدل إيست آي البريطانية إنها اطلعت حصرياً على وثائق صادرة عن محكمة دبي، تفيد بأن قرار رفع حظر السفر صدر في 26 أغسطس/آب، بعد طلب تقدمت به عائلة لاخاني للسماح للأب والابن بحرية التنقل خارج الإمارات.
ويأتي القرار رغم حكم أصدرته المحكمة التجارية العليا في لندن عام 2024، حمّل محمد طاهر لاخاني ونجله المسؤولية عن الخداع والتآمر في نزاع يتعلق بالحصول على التمويل، وفق ما أوردته الصحيفة.
قرض بـ45 مليون دولار في قلب النزاع
تعود القضية إلى قرض بقيمة 45 مليون دولار حصلت عليه شركة أستير ماريتايم، وهي شركة مملوكة في نهاية المطاف لعائلة لاخاني، بهدف تمويل نشاطها في مجال إعادة تدوير السفن.
وكانت خطة الشركة تقوم على شراء سفن قديمة، ثم بيعها إلى أحواض تفكيك السفن، حيث تُحوّل إلى قطع وأجزاء قابلة لإعادة البيع.
لكن المحكمة البريطانية خلصت في عام 2024، وفق ميدل إيست آي، إلى أن محمد طاهر لاخاني ونجله قدما إقرارات غير صحيحة للحصول على التمويل، كما حمّلتهما المسؤولية عن الخداع والتآمر في النزاع.
وبحسب الصحيفة، أقر الأب والابن بأنهما اختلقا مبررات لعدم سداد المستحقات للمقرضين، بينما لا تزال القضية المالية من دون تسوية نهائية.
لماذا رفعت دبي حظر السفر؟
كان حظر السفر قد فُرض على الأب والابن في الإمارات عام 2025، قبل أن تقرر محكمة دبي رفعه في أغسطس/آب الماضي.
وأبلغت عائلة لاخاني المحكمة بأن استمرار القيود المفروضة على السفر يعرقل قدرتها على إدارة أعمالها الدولية وترتيب أوضاعها المالية والوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين.
لكن مقرضين مرتبطين بالقضية أبدوا مخاوف من احتمال مغادرة لاخاني ونجله الإمارات والتوجه إلى باكستان، حيث تعود أصول العائلة.
ولم يرد محمد طاهر لاخاني على أسئلة ميدل إيست آي بشأن القضية أو بشأن ما إذا كان يعتزم مغادرة الإمارات، كما لم يرد ممثل العائلة القانوني في دبي على طلبات الصحيفة للتعليق.
خمسة ملايين دولار وعرض جديد للتسوية
ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع على القضية قوله إن عائلة لاخاني دفعت، رغم قيود السفر، خمسة ملايين دولار في إطار تسوية لإجراءات تنفيذ منفصلة.
كما قدمت العائلة لاحقاً عرضاً بدفع ما بين 15 و20 مليون درهم إماراتي، أي ما يعادل نحو 4 إلى 5.5 ملايين دولار، كتسوية إجمالية لبعض المطالبات المرتبطة بحكم المحكمة البريطانية الصادر عام 2024.
ويرى المصدر، بحسب ميدل إيست آي، أن هذه التحركات تثير تساؤلات بشأن حجة العائلة بأن حظر السفر كان يعيق قدرتها على ترتيب أوضاعها المالية والتعامل مع التزاماتها تجاه الدائنين.
في المقابل، تؤكد عائلة لاخاني أن طبيعة أعمالها الدولية تجعل حرية السفر والتنقل عاملاً أساسياً في إدارة شركاتها والوفاء بالتزاماتها المالية.
نزاعات قضائية سابقة
ولا يمثل النزاع الحالي أول مواجهة قضائية تواجهها عائلة لاخاني في بريطانيا.
ففي عام 2020، أصدرت محاكم بريطانية أوامر تجميد عالمية ضد محمد طاهر لاخاني وأبنائه، بعد اتهامات بالاحتيال تقدم بها مقرضون آخرون بشأن شركات تابعة للعائلة تعمل في مجال إعادة تدوير السفن.
وخلال تلك القضية، وصفت المحكمة لاخاني بأنه رجل أعمال بحري ذي حضور دولي، فيما أشارت إلى دوره في تأسيس شركة وكالة دبي التجارية، التي ارتبط اسمها بقطاع شراء السفن بغرض إعادة تدويرها.
وفي العام نفسه، حكم القضاء البريطاني لصالح المقرضين بمبلغ بلغ 77 مليون دولار.
لكن النزاع انتهى لاحقاً إلى تسوية في عام 2025 أتاحت للمستثمرين استرداد خمسة ملايين دولار، وهي تسوية وصفها محمد طاهر لاخاني بأنها «ودية»، وفق ما نقلته الصحيفة.
عائلة لاخاني وقطاع إعادة تدوير السفن
بنت عائلة لاخاني حضوراً واسعاً في قطاع التجارة البحرية من دبي، حيث تدير مجموعة من الشركات المرتبطة بالشحن وإعادة تدوير السفن.
ولد محمد طاهر لاخاني عام 1962 في مدينة كراتشي الباكستانية، وانتقل لاحقاً إلى عالم الأعمال في قطاع الشحن.
وبحسب السيرة المنشورة عنه على منصة ثرايف غلوبال، بدأ مسيرته المهنية في قطاع إعادة تدوير السفن، قبل أن يرث حصة في شركة تجارية مقرها دبي كانت مملوكة لوالد زوجته.
وأعيد لاحقاً إطلاق الشركة تحت اسم وكالة دبي التجارية، التي توسعت في نشاط شراء وبيع السفن القديمة.
ووفق ما أوردته فايننشال تايمز في تقرير سابق، كانت الشركة تقول في مرحلة من مراحل توسعها إنها تشتري وتبيع أكثر من 100 سفينة قديمة سنوياً.
وعلى الرغم من إقامة لاخاني وعائلته في لندن بين عامي 2000 و2009، ظلت دبي مركز إقامته وأعماله الرئيسية، كما شغل منصب نائب رئيس جمعية الإمارات للشحن حتى عام 2019.
«أسطول الظل» الروسي يفتح ملفاً آخر
إلى جانب النزاعات القضائية، ارتبط اسم لاخاني في السنوات الأخيرة بملف آخر يتعلق بقطاع الشحن والعقوبات الدولية.
ففي عام 2024، ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن شركة مملوكة للاخاني كانت مرتبطة بما يعرف بـ«أسطول الظل» الروسي، وهو مصطلح يُستخدم لوصف شبكة من السفن التي يُتهم بعضها بالمساعدة على الالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على روسيا.
لكن لاخاني نفى في تصريح سابق للصحيفة أي تورط في خرق العقوبات أو تسهيل انتهاكها، وقال إنه لم يشارك أو يساعد في مخالفة أي عقوبات.
وبذلك، يبقى هذا الملف منفصلاً عن النزاع القضائي المتعلق بقرض الـ45 مليون دولار، ولا ينبغي الخلط بين الادعاءات أو القضايا المختلفة التي ورد فيها اسم رجل الأعمال.
لندن وأبوظبي في خلفية الملف
وتتجاوز القضية حدود نزاع تجاري بين مقرضين ورجل أعمال، إذ تأتي أيضاً في سياق التعاون بين بريطانيا والإمارات في مكافحة التمويل غير المشروع.
وكان النائب البريطاني عن الحزب الوحدوي الديمقراطي جيم شانون قد سأل في مارس/آذار الماضي عن إمكانية تقييم أثر اتفاقية الشراكة البريطانية الإماراتية لمكافحة التمويل غير المشروع على قضية لاخاني.
ووقعت بريطانيا والإمارات هذه الاتفاقية عام 2021، وقدمتها الحكومة البريطانية باعتبارها إطاراً لتعزيز التعاون في مواجهة تمويل الإرهاب والجريمة المنظمة الخطيرة.
ورد وزير الأمن البريطاني دان جارفيس بالتأكيد على أهمية الاتفاقية، لكنه أوضح أن وزارة الداخلية لا تستطيع التعليق على حالات فردية أو تقديم تقييمات بشأنها.
موقف الحكومة البريطانية
أما وزارة الداخلية البريطانية، فقالت رداً على أسئلة ميدل إيست آي إنها لا تستطيع التعليق على الحالات الفردية.
وأشارت وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية إلى أنها لم تتلق طلباً للحصول على دعم قنصلي في هذه القضية، لكنها مستعدة لتقديم المساعدة عند الحاجة.
كما أفادت مصادر قريبة من الملف بأن السفيرة البريطانية الجديدة لدى الإمارات، جيرالدين مكافرتي، على علم بالتطورات المرتبطة بالقضية.
قضية لم تُغلق بعد
رفع حظر السفر يمثل تطوراً جديداً في نزاع قضائي ومالي معقد تتداخل فيه أحكام صادرة عن القضاء البريطاني مع إجراءات اتخذتها المحاكم الإماراتية.
لكن القرار لا يعني انتهاء النزاع المالي، كما أن الحكم البريطاني الصادر عام 2024 يبقى جزءاً أساسياً من خلفية القضية.
وفي المقابل، تقول عائلة لاخاني إن القيود على السفر تعرقل إدارة أعمالها الدولية وتسوية التزاماتها، بينما يخشى بعض الدائنين من أن يؤدي رفع الحظر إلى صعوبة أكبر في استرداد الأموال المستحقة لهم.
وهكذا، ينتقل الملف إلى مرحلة جديدة: حكم قضائي بريطاني، وقرار إماراتي برفع حظر السفر، ودائنون يطالبون بحقوقهم، وعائلة تتمسك بحاجتها إلى حرية الحركة لإدارة أعمالها.
ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه الخطوة ستفتح الطريق أمام تسوية مالية أوسع، أم أنها ستضيف فصلاً جديداً إلى واحدة من أكثر النزاعات التجارية تعقيداً التي امتدت بين لندن ودبي.
اقرأ المزيد
لماذا اختارت الجزائر القطيعة مع الإمارات الآن؟ ملفات متراكمة تصل إلى نقطة الانفجار
الإمارات والمسلمون في أوروبا.. هل تقود أبوظبي حملة لتشويه صورة الإسلام؟
من الصواريخ إلى البورصة.. كيف بدأت الحرب تضرب اقتصاد الإمارات؟

