وطن-منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً، يقبع باسم عودة، وزير التموين الأسبق في عهد الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، خلف القضبان، في مسار طويل من المحاكمات والاحتجاز جعل اسمه مرتبطاً بواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في مصر بعد عام 2013.
لم يكن عودة وزيراً عادياً في ذاكرة المصريين. ففي الأشهر التي قضاها على رأس وزارة التموين، التصق اسمه بلقب «وزير الغلابة»، بعدما ارتبط ظهوره بالحديث عن الخبز والدعم والأسعار وحقوق المواطنين في الحصول على السلع الأساسية.
لكن تلك المرحلة القصيرة انتهت سريعاً. وبعد أحداث عام 2013، اعتُقل باسم عودة في نوفمبر من العام نفسه، لتبدأ بالنسبة إليه حياة مختلفة تماماً، انتقل فيها من مكاتب الحكومة إلى قاعات المحاكم، ومن الحديث عن إصلاح منظومة الدعم إلى سنوات طويلة خلف القضبان.
من وزارة التموين إلى الزنزانة
خلال فترة توليه وزارة التموين، حاول باسم عودة تقديم نفسه باعتباره وزيراً قريباً من المواطن، وارتبط اسمه بمحاولات تطوير منظومة الخبز والبطاقات الذكية وإصلاح آليات توزيع السلع المدعمة.
كما تحدث آنذاك عن إجراءات تهدف إلى تحسين وصول السلع الأساسية إلى المواطنين، ودعم الفلاح، وتقليل المشكلات المرتبطة بالطوابير ونقص بعض المنتجات.
ولهذا اكتسب عودة حضوراً شعبياً لافتاً خلال فترة قصيرة، قبل أن تنقلب حياته السياسية بالكامل بعد سقوط حكومة مرسي. وفي نوفمبر 2013، اعتُقل عودة، ليبدأ فصلاً امتد لسنوات طويلة، تخللته محاكمات وأحكام في قضايا مرتبطة بأحداث ما بعد عزل مرسي.
سنوات من العزل والحرمان من الزيارة
بحسب تقارير حقوقية، أمضى باسم عودة سنوات طويلة في الحبس الانفرادي، وتحدثت تقارير عن حرمانه من الزيارة لأكثر من عقد، قبل نقله إلى سجن بدر 3.
هذا وأصبح وضعه داخل السجن جزءاً أساسياً من الجدل الحقوقي المحيط بقضيته، خصوصاً مع طول فترة الاحتجاز وتعدد القضايا والأحكام الصادرة بحقه.
وفي إحدى جلساته أمام المحكمة، دافع عودة عن تجربته الوزارية، مستحضراً الإجراءات التي اتخذها خلال توليه وزارة التموين، ومتسائلاً بصورة ساخرة عن سبب محاسبته على سياسات كان يرى أنها هدفت إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين.
ومن بين العبارات التي ارتبطت بتلك المرافعات حديثه عن توفير زيت عباد الشمس للمواطن بسعر منخفض، في إشارة إلى رؤيته لما اعتبره محاولة لحماية الفئات الأكثر فقراً.
أحكام طويلة وقضية مثيرة للجدل
واجه باسم عودة عدداً من القضايا المرتبطة بأحداث ما بعد عام 2013، وصدر بحقه أكثر من حكم قضائي في تلك الملفات، فيما بلغ مجموع مدد بعض الأحكام عشرات السنين.
لكن طول فترة السجن لم ينه الجدل حول قضيته. فمنظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، انتقدت في تقارير ومواقف سابقة ما اعتبرته مخالفات تتعلق بالمحاكمات وظروف الاحتجاز، ودعت إلى الإفراج عنه، بينما رفضت السلطات المصرية في سياقات مختلفة اتهامات تتعلق بالتسييس، مؤكدة أن الإجراءات تمت في إطار القانون.
وهكذا تحولت قضية باسم عودة من ملف قضائي يتعلق بوزير سابق إلى قضية حقوقية وسياسية تثير اهتمام المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان.
لماذا بقي باسم عودة في ذاكرة المصريين؟
ربما لا يكمن حضور باسم عودة في الذاكرة المصرية في عدد السنوات التي قضاها داخل السجن فقط، بل في الصورة التي ارتبط بها خلال فترة قصيرة جداً من العمل الحكومي.
كان اسمه مرتبطاً بالخبز والدعم والأسعار، وهي ملفات تمس الحياة اليومية لملايين المصريين، ولذلك بقيت صورته حاضرة لدى فئات تذكرت الوزير الذي كان يتحدث عن مشكلات المواطن البسيط بلغة مباشرة.
وبعد سنوات من اعتقاله، ظل اسمه يظهر كلما عاد الحديث عن تجربة حكومة محمد مرسي أو عن مصير المسؤولين الذين اعتُقلوا بعد أحداث 2013. فبينما تغيرت الحكومات والوزراء، وتبدلت الأسعار والسياسات، بقي باسم عودة بعيداً عن المشهد السياسي المباشر، لكنه لم يختف تماماً من ذاكرة من عرفوه وزيراً للتموين.
13 عاماً خلف القضبان.. وذاكرة لا تُحبس
قصة باسم عودة تختصر جانباً من التحولات الكبرى التي عاشتها مصر خلال السنوات التي أعقبت عام 2013. رجل دخل الحكومة وزيراً، واكتسب شعبية خلال فترة قصيرة، ثم وجد نفسه في السجن لسنوات طويلة، بينما تغيرت البلاد من حوله.
وبينما تستمر السلطات المصرية في التعامل مع قضيته باعتبارها جزءاً من ملفات قضائية مرتبطة بأحداث سياسية وأمنية، ترى منظمات حقوقية أن طول فترة الاحتجاز وظروف المحاكمات والسجن تثير تساؤلات جدية حول حقوقه.
أما في الذاكرة الشعبية، فما زال اسم باسم عودة مرتبطاً بصورة «وزير الغلابة»؛ الرجل الذي جاء إلى وزارة التموين حاملاً ملفات الخبز والدعم، ثم غادر المشهد السياسي إلى زنزانة امتد غيابه فيها أكثر من ثلاثة عشر عاماً.
اقرأ المزيد
وفاة شقيق محمد ناصر داخل سجن المنيا.. هل أصبحت عائلات المعارضين هدفًا للضغط في مصر؟
“لم أعد أستطيع أن أحيا حياة كريمة”.. هروب مصارعين مصريين يفتح ملف معاناة الرياضيين
هل الكهرباء في مصر هي الأرخص حقًا؟ الأرقام تكشف الحقيقة عندما يُقاس السعر بالدخل
“فلتسقط اللحمة”.. حين يتحول عجز الاقتصاد المصري إلى جدل حول مائدة المواطن

