وطن-في مقال رأي موسّع، تضع صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية سياسة الإمارات الخارجية تحت المجهر، متسائلة عما إذا كانت أبوظبي، بقيادة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، تبالغ في الاعتماد على ما يعرف بـالقوة الصلبة، في وقت باتت فيه الشرعية السياسية والأخلاقية عاملاً أساسياً في صناعة النفوذ واستمراره.
ويرى المقال أن التاريخ يقدم درساً واضحاً مفاده أن القوة العسكرية والاقتصادية يمكن أن تمنح الدول نفوذاً سريعاً، لكنها لا تضمن بالضرورة بقاء هذا النفوذ، بينما قد تكون القوة الناعمة، القائمة على الشرعية والصورة الدولية والتحالفات، أكثر قدرة على الصمود على المدى الطويل.
من بوتين إلى ترامب.. إنكار الحرب لا يلغي واقعها
تستهل الصحيفة تحليلها بالإشارة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي احتاج نحو عشرة أشهر بعد غزو أوكرانيا قبل أن يصف ما تخوضه بلاده بأنه «حرب». وحتى بعد استخدام المصطلح، بقيت السلطات الروسية تفرض عقوبات قاسية على من يصف العمليات العسكرية بهذه الطريقة أو ينشر ما تعتبره السلطات «معلومات كاذبة».
وتنتقل الصحيفة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبرة أنه، بعد أشهر من المواجهة العسكرية مع إيران، لا يزال يتعامل مع الحرب باعتبارها عملية محدودة، رغم حجم القوات والقطع البحرية الأميركية المنخرطة فيها.
وبحسب المقال، فإن ترامب يفضل أوصافاً تقلل من حجم المواجهة، مثل «أمر بسيط» أو «مناوشة صغيرة»، بدلاً من الاعتراف بأنها حرب واسعة ذات تداعيات عسكرية وسياسية كبيرة.
حاملة «أبراهام لينكولن» تكشف الوجه الآخر
لكن صورة حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن»، التي رست قبالة تايلاند بعد 286 يوماً في البحر، تقدم، بحسب الصحيفة، رواية مختلفة.
ونقلت مراسلة شؤون وزارة الدفاع الأميركية في منصة «إم إس ناو»، بريا سريدار، عن عدد من أفراد الطاقم وصفهم المهمة بأنها واحدة من أسوأ فترات الانتشار العسكري التي عاشوها، مع رغبتهم في العودة مباشرة إلى الولايات المتحدة.
وأعرب أفراد من الطاقم، وفق الرواية التي نقلتها الصحيفة، عن خشيتهم من أن تتحول المهام الطويلة والمتواصلة بعيداً عن الموانئ إلى أمر اعتيادي نتيجة استمرار الحرب.
وترى “ميدل إيست آي” أن عودة الحاملة إلى سان دييغو تحت الحراسة أصبحت رمزاً لحرب تقول إن ترامب يواجه صعوبة في إنهائها.
إيران تخرج بثقة أكبر
وتستند الصحيفة إلى تقارير استخباراتية أميركية نقلتها نيويورك تايمز، للقول إن إيران خرجت من المواجهة وهي أكثر ثقة بقدرتها على الرد، وأكثر إدراكاً لنقاط قوتها العسكرية.
وبحسب ما نقلته الصحيفة الأميركية عن مسؤولين، أصبحت طهران، بعد المواجهة، أكثر فهماً لقدراتها العسكرية وأكثر ثقة بقدرتها على إرباك الولايات المتحدة.
وفي السياق نفسه، نقلت “ميدل إيست آي” عن المتحدث باسم الجيش الإيراني، العميد محمد أكرمي نيا، أن إيران ستنتقل من الدفاع ورد الفعل إلى المبادرة والهجوم، متحدثاً عن إمكانية تنفيذ «عمليات استباقية» حيثما ترى طهران وجود تهديد.
وقال، في تصريحات بثها التلفزيون الإيراني الرسمي، إن العقيدة العسكرية الإيرانية تتجه نحو ما وصفه بـ«الدفاع الاستباقي» وعمليات الردع.
الإمارات.. نموذج آخر للقوة الصلبة
وترى الصحيفة أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا وحدهما في المنطقة اللتان تتعاملان مع حالة الحرب والتدخل العسكري كأداة للسياسة الخارجية.
وبحسب المقال، تحولت هذه الاستراتيجية إلى نموذج تحاول دول أصغر اتباعه، وفي مقدمتها الإمارات بقيادة محمد بن زايد.
وتقول “ميدل إيست آي” إن أبوظبي لا تمتلك حاملة طائرات، لكنها بنت نفوذاً واسعاً اعتماداً على المال، والشركاء المحليين، والدعم العسكري واللوجستي، وشبكات النقل الجوي والبحري.
وتصف الصحيفة هذا النموذج بأنه يقوم على توسيع النفوذ بعيداً عن الانتشار العسكري التقليدي الواسع.
ثلاث أدوات لبناء النفوذ الإماراتي
ونقلت الصحيفة عن أحد المحللين أن النهج الإماراتي يعتمد بصورة أساسية على ثلاثة مسارات: الدعم الجوي واللوجستي، وتقديم المعدات العسكرية للقوى الحليفة، والاستعانة بجهات غير حكومية لتنفيذ أهداف السياسة الخارجية.
وتضرب الصحيفة مثالاً بميناء بوصاصو في إقليم بونتلاند بالصومال، الذي تستأجره شركة موانئ دبي العالمية رسمياً لأغراض تجارية.
لكن “ميدل إيست آي” تزعم أن الميناء لعب أيضاً دوراً في نقل شحنات عسكرية إلى ليبيا والسودان، وهو ما تعتبره الصحيفة جزءاً من شبكة أوسع للتدخل الإماراتي في النزاعات الإقليمية.
صورة التسامح في مواجهة الاتهامات
وترى الصحيفة أن أبوظبي نجحت في بناء صورة دولية تقوم على الثراء والانفتاح والتسامح والحداثة. وتشير إلى المعالم الاقتصادية والعمرانية في الإمارات، وإلى ارتباط اسمها بأندية ومؤسسات رياضية كبرى في أوروبا والولايات المتحدة، باعتبار ذلك جزءاً من القوة الناعمة الإماراتية.
كما تذكر أن الإمارات أنشأت منصب وزير التسامح، وأعلنت عام 2019 «عام التسامح»، وقدمت نفسها في وثائقها الرسمية باعتبارها جسراً بين الثقافات والشعوب.
لكن الصحيفة تقدم قراءة شديدة الانتقاد لهذا النموذج، وتزعم أن وراء الصورة العلنية شبكة من الأنشطة المرتبطة بالسلاح والذهب والتمويل والالتفاف على العقوبات وتحركات المرتزقة.
وتبقى هذه الاتهامات، كما ترد في المقال، منسوبة إلى الصحيفة ومصادرها، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها أحكاماً قضائية نهائية.
من الربيع العربي إلى ليبيا واليمن والسودان
وتقول “ميدل إيست آي” إن محمد بن زايد لم يكن بعيداً عن التحولات التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع الربيع العربي.
وبحسب الصحيفة، تحولت أبوظبي بعد سقوط نظامي زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر إلى لاعب أكثر نشاطاً في المنطقة، وارتبط اسمها، وفق المقال، بدعم أطراف سياسية وعسكرية في مصر وليبيا واليمن والسودان.
كما تنسب الصحيفة إلى محمد بن زايد دوراً مهماً في مساعدة محمد بن سلمان، الذي كان حينها أميراً سعودياً أقل شهرة، على بناء علاقات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وشخصيات في دائرة ترامب.
وترى الصحيفة أن هذه العلاقات ساهمت في صعود محمد بن سلمان إلى ولاية العهد وترسيخ موقعه باعتباره الحاكم الفعلي للسعودية.
الإسلام السياسي كأداة للسياسة الخارجية
وتقول الصحيفة إن محمد بن زايد قدم خلال السنوات الماضية إحاطات لعدد من المسؤولين الغربيين حول المخاطر التي يرى أنها يمثلها الإسلام السياسي، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين.
وترى “ميدل إيست آي” أن هذا الملف أصبح أحد المحاور الأساسية للسياسة الإماراتية الخارجية، وأن أبوظبي سعت إلى توظيفه في بناء علاقات مع تيارات سياسية يمينية في الغرب.
وفي هذا السياق، تربط الصحيفة بين الموقف الإماراتي وبعض الخطابات السياسية المناهضة للإسلام السياسي في بريطانيا وأوروبا.
علاقات مع اليمين البريطاني
وتشير الصحيفة إلى العلاقات التي تقول إنها تطورت بين شخصيات إماراتية وشخصيات من اليمين البريطاني، من بينها نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح البريطاني.
وتروي أن فاراج حضر في يناير الماضي فعالية خاصة أقامتها قناة «جي بي نيوز» في دبي، بحضور سلطان أحمد الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة الإماراتي.
وبحسب الصحيفة، أبدى فاراج إعجابه الشديد بما شاهده في دبي، وتحدث عن رغبته في رؤية مدينته كلاكتون على غرار دبي.
كما تقول “ميدل إيست آي” إن فاراج أشاد بسياسة الإمارات تجاه جماعة الإخوان المسلمين، وأبدى استعداداً لتبني موقف مماثل في حال تولي حزبه الحكم.
المصالح الاقتصادية تحكم العلاقة مع بريطانيا
لكن علاقة الإمارات ببريطانيا لا تقوم فقط على الاعتبارات السياسية. فبحسب الأرقام التي أوردتها الصحيفة، بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين 21.6 مليار جنيه إسترليني عام 2022، أي نحو 29 مليار دولار، فيما تعمل آلاف الشركات البريطانية في الإمارات.
وهذه المصالح الاقتصادية تجعل العلاقة بين لندن وأبوظبي شديدة الأهمية بالنسبة إلى الطرفين، حتى في ظل الخلافات المتعلقة ببعض الملفات الإقليمية.
الإمارات والولايات المتحدة.. شراكة استراتيجية
وفي الولايات المتحدة، تتمتع الإمارات بعلاقات استراتيجية متقدمة مع واشنطن. وتشير “ميدل إيست آي” إلى أن وزارة التجارة الأميركية خففت، في يوليو الماضي، بعض القيود المتعلقة بتصدير منتجات إلى الإمارات، بما يشمل مجالات ذات صلة بالتكنولوجيا والفضاء والدفاع.
وترى الصحيفة أن هذا التطور يعكس أهمية الإمارات بالنسبة إلى الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.
السودان.. قلب الجدل حول النفوذ الإماراتي
ويضع المقال الحرب السودانية في مقدمة الملفات التي تثير الجدل بشأن الدور الإماراتي. وتشير الصحيفة إلى أن الحرب أدت إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد ملايين الأشخاص، فضلاً عن ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق.
وتتهم “ميدل إيست آي” الإمارات بتقديم الدعم المالي والعسكري لقوات الدعم السريع، وتقول إن عمليات الإمداد مرت عبر تشاد وليبيا، إضافة إلى الاستعانة بمرتزقة من كولومبيا.
كما تتحدث الصحيفة عن دور شركات إماراتية في نقل الذهب السوداني إلى دبي.
ونقلت عن مسؤول في منظمة «داون» الحقوقية قوله إن الأمر لا يتعلق، من وجهة نظر المنظمة، بإخفاق عابر في إجراءات الرقابة، وإنما بسياسة إماراتية متعمدة ومستمرّة.
لكن هذه الاتهامات تظل، في سياق هذا المقال، منسوبة إلى الصحيفة والمنظمات والمصادر التي استندت إليها.
ليبيا.. استمرار الدعم لحفتر
وفي ليبيا، تزعم “ميدل إيست آي” أن رحلات شحن عسكرية استمرت بين الإمارات وشرق ليبيا، عبر مطارات وقواعد وشركات واجهة.
وتقول الصحيفة إن هذه التحركات تصب في دعم قوات المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر على أجزاء واسعة من شرق ليبيا، رغم استمرار حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على البلاد.
اليمن.. خلافات مع السعودية
وترى الصحيفة أن التدخل الإماراتي في اليمن أسهم في خلق خلافات عميقة مع السعودية، رغم التحالف الذي جمع البلدين في الحرب اليمنية.
وتقول إن الخلافات توسعت لاحقاً لتشمل ملفات النفوذ في اليمن والسودان والقرن الأفريقي، معتبرة أن السعودية أصبحت أكثر تشدداً تجاه بعض أنشطة أبوظبي في هذه المناطق.
وبحسب المقال، فإن أبوظبي تعاملت مع هذه الانتكاسات بزيادة اعتمادها على أدوات النفوذ الصلبة، بدلاً من تقليص تدخلاتها.
هل القوة الصلبة كافية؟
في جوهر المقال، تطرح “ميدل إيست آي” سؤالاً حول حدود القوة الصلبة، فقد تستطيع الدولة الصغيرة، عبر المال والسلاح والتحالفات، تحقيق نفوذ يفوق حجمها الجغرافي والديموغرافي، لكن تراكم التدخلات الخارجية يمكن أن يؤدي في المقابل إلى زيادة عدد الخصوم وتعقيد العلاقات مع الحلفاء.
وترى الصحيفة أن الإمارات قد تواجه هذه المعضلة في أكثر من ساحة، خصوصاً في أفريقيا والشرق الأوسط.
درس إسبرطة وأثينا
وتختم الصحيفة تحليلها باستدعاء التاريخ اليوناني القديم، فأبوظبي، بحسب المقال، عملت على بناء صورة تشبه «إسبرطة الصغيرة»؛ أي دولة محدودة الحجم لكنها قادرة على استخدام قوتها العسكرية والسياسية لتوجيه تأثير يفوق حجمها.
وتذكّر الصحيفة بأن إسبرطة وحلفاءها تمكنوا من هزيمة أثينا في نهاية الحرب البيلوبونيسية، وفرضوا أنظمة حكم موالية لهم في أجزاء من اليونان.
لكن السؤال الذي تطرحه الصحيفة هو: من يتذكر إسبرطة اليوم؟ فأثينا، التي خسرت الحرب عسكرياً، بقيت في الذاكرة الإنسانية بفضل إرثها في الفلسفة والفنون والمسرح والعمارة والديمقراطية، وما أصبح يعرف بالعصر الذهبي لليونان الكلاسيكية.
القوة الناعمة.. الرهان الأطول
ومن هنا تصل “ميدل إيست آي” إلى خلاصة المقال: الانتصار العسكري لا يعني بالضرورة انتصاراً تاريخياً، والقوة الصلبة لا تكفي وحدها لضمان النفوذ المستدام.
وترى الصحيفة أن الشرعية والثقة والصورة الدولية والقوة الثقافية والسياسية يمكن أن تكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل من السلاح والمال وشبكات النفوذ.
وبهذا المنظور، توجه الصحيفة رسالة إلى محمد بن زايد مفادها أن التاريخ لا يخلّد الدول التي كانت الأقوى عسكرياً فقط، بل تلك التي استطاعت بناء إرث يتجاوز لحظة القوة.
وفي قراءة “ميدل إيست آي”، يكمن التحدي أمام أبوظبي في معرفة ما إذا كان بإمكانها تحويل قوتها الاقتصادية والسياسية إلى نفوذ مستدام قائم على الشرعية والثقة، أم أن الإفراط في الاعتماد على القوة الصلبة سيجعلها، في نهاية المطاف، تراهن على الحصان الخطأ.
اقرأ المزيد
واشنطن تعيد دبلوماسييها إلى الشرق الأوسط.. هل انتهى خطر الحرب مع إيران؟
بين نفي البيت الأبيض وتصريحات ترامب: ما حقيقة المخزون العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط؟

