وطن- في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة تمتد من شرق المتوسط إلى الشرق الأوسط وجنوب آسيا، لم تعد الأزمات الأمنية في كل منطقة معزولة عن الأخرى. فالتطورات الأخيرة المرتبطة بباكستان وتركيا والصين والسعودية تشير إلى تشكل بيئة استراتيجية جديدة، يمكن فيها لأي تحرك عسكري أو دبلوماسي في الشرق الأوسط أن ينعكس مباشرة على حسابات الهند وإسرائيل.
وقالت صحيفة ذا ناشيونال إنترست الأميركية، في تقرير للكاتب عمران خورشيد، إن توقيع السعودية وتركيا وباكستان، في 7 أغسطس 2025، على اتفاق مكة للدفاع المشترك مثّل نقطة تحول لافتة في موازين الأمن الإقليمي، خصوصاً أن الاتفاق يشبه في جوهره مبدأ الدفاع الجماعي داخل حلف شمال الأطلسي، إذ ينص على أن أي هجوم على دولة عضو يُعد هجوماً على جميع الأطراف.
وبعد توقيع الاتفاق، تحدثت تقارير أمنية عن زيادة ملحوظة في تدفق معدات عسكرية وتقنيات متقدمة من الصين وتركيا إلى باكستان. ووفقاً لما أوردته الصحيفة، فإن هذه التحركات قد تشمل أنظمة مراقبة، ومعدات حرب إلكترونية، وتجهيزات رادار، وطائرات مسيّرة انتحارية، بما يعزز القدرات العسكرية التقليدية للجيش الباكستاني.
ونقلت الصحيفة عن مصادر أمنية هندية أن نيودلهي رصدت حركة شحن جوي ثقيل خلال فترة زمنية امتدت لنحو 60 ساعة، شملت طائرات نقل صينية من طراز Y-20، إلى جانب طائرة شحن تابعة للقوات الجوية التركية من طراز C-130. وبحسب المصادر نفسها، نفذت هذه الطائرات رحلات متكررة ومنسقة، وهبطت في منشآت عسكرية باكستانية، من بينها قاعدة نور خان الجوية قرب روالبندي، وقاعدة مسرور الجوية في كراتشي.
وفي التوقيت نفسه، أصدرت باكستان إشعاراً جوياً يقيّد الحركة في مساحة واسعة من مجالها الجوي، قيل إنها تمتد على نحو 470 ميلاً مربعاً، من إقليم البنجاب مروراً بالسند وبلوشستان الساحلية وصولاً إلى بحر العرب. وأضافت صحيفة ذا ناشيونال إنترست أن الغرض الدقيق من الرحلات التركية والصينية لم يتضح بعد، إلا أن محللين عسكريين ومنصات تتبع الرحلات مفتوحة المصدر رجّحوا ارتباطها بتسليم معدات دفاعية نوعية إلى باكستان.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة بالنسبة إلى الهند، ليس فقط بسبب الخصومة التاريخية مع باكستان، بل أيضاً بسبب توقيتها السياسي والعسكري. فالتقرير يرى أن وصول منظومات عسكرية تركية وصينية بعد توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك يوحي بأن باكستان قد تكون بصدد رفع مستوى جاهزيتها التقليدية، في وقت تتقاطع فيه خطوط التوتر بين جنوب آسيا والشرق الأوسط.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الأميركية، فإن وصول أسلحة تركية إلى باكستان يحمل دلالة إضافية في ضوء تصاعد الخطاب الباكستاني المناهض للهند. كما يأتي ذلك بينما تواجه تركيا توتراً متزايداً في سوريا، عقب الهجوم الإسرائيلي في 18 و19 أغسطس 2026 على قاعدة أبو الظهور الجوية السورية، وسط مساعٍ تركية أحادية لتغيير قواعد الوضع القائم داخل سوريا.
ورغم أن المسافة بين سوريا وباكستان تبلغ نحو 3000 ميل، فإن اتفاق مكة يجعل التطورات في شرق المتوسط وجنوب آسيا أكثر ترابطاً من منظور الأمن الهندي. فالهند، وفق قراءة التقرير، لم تعد قادرة على التعامل مع ما يحدث في سوريا أو تركيا أو الخليج بوصفه ملفاً بعيداً عن حساباتها الأمنية المباشرة.
وكشفت صحيفة ذا ناشيونال إنترست أن وصول المعدات العسكرية الصينية والتركية إلى باكستان يشير أيضاً إلى دعم بكين لمحور استراتيجي سني مناهض للهند وإسرائيل، أو على الأقل إلى استعداد الصين لاستخدام اتفاق مكة كأداة لتعزيز أهدافها الإقليمية. وترى الصحيفة أن الصين قد تنظر إلى هذا التكتل بوصفه فرصة لتوسيع نفوذها في مناطق تماس حساسة تجمع بين الخليج وشرق المتوسط وجنوب آسيا.
وفي سياق متصل، زار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إسلام آباد يومي 19 و20 أغسطس 2026، في أول زيارة دبلوماسية سورية من هذا النوع إلى باكستان منذ قرابة عقدين. وجاءت الزيارة بعد ساعات فقط من استهداف إسرائيل لمصالح تركية داخل سوريا، ما أثار تساؤلات حول احتمال انضمام دمشق مستقبلاً إلى ترتيبات اتفاق مكة.
وبحسب التقرير، فإن دمشق أكدت أنها تراجع خياراتها بشأن الاتفاق، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال توسع التكتل ليشمل أطرافاً جديدة. وإذا حدث ذلك، فإن أي مواجهة أو توتر في سوريا قد يصبح أكثر ارتباطاً بحسابات باكستان وتركيا والسعودية، ومن ثم أكثر حساسية بالنسبة إلى الهند وإسرائيل.
ولم تقف تداعيات اتفاق مكة عند حدود سوريا وباكستان. فقد ألغى رئيس وزراء بنغلاديش طارق رحمن زيارة كانت مقررة إلى الهند، لكنه قبل في المقابل دعوة سعودية. كما عبّر مستشار الشؤون الخارجية البنغالي همايون كبير عن اهتمام دكا باستكشاف اتفاق مكة، في إطار حماية مصالحها الاقتصادية والتجارية المتغيرة.
وأضافت الصحيفة أن هذا التحول البنغالي، إن تطور إلى انخراط أعمق في الاتفاق، قد يزيد من تعقيد البيئة الاستراتيجية المحيطة بالهند، خصوصاً أن نيودلهي تتابع بقلق أي تحركات قد تعيد رسم الاصطفافات الإقليمية في جنوب آسيا.
وفي قراءة أوسع، نقل التقرير عن سايرا بانو، التي كتبت لمعهد لوي الأسترالي، أن السمة الأهم في اتفاق مكة تكمن في أنه “يلغي المسافة الاستراتيجية” بين الخليج وشرق المتوسط وجنوب آسيا. وبمعنى آخر، لم تعد هذه المناطق مسارح منفصلة، بل أصبحت أقرب إلى ساحة واحدة مترابطة أمنياً وسياسياً.
وتخلص قراءة ذا ناشيونال إنترست إلى أن الهند تواجه اليوم معادلة أمنية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها تحركات تركيا وباكستان والصين مع أدوار قوى إقليمية ودولية أخرى. وفي ظل هذا التشابك، لم يعد بإمكان نيودلهي الاعتماد على المقاربة البيروقراطية التقليدية التي تفصل ملفات الشرق الأوسط عن جنوب آسيا، لأن أي تطور في أحد المسارين قد ينعكس سريعاً على الآخر.
وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن اتساع هذا المحور المحتمل يضيف بعداً جديداً إلى حساباتها في سوريا وشرق المتوسط، خصوصاً إذا تحولت باكستان وتركيا والسعودية، وربما أطراف أخرى، إلى إطار دفاعي أكثر تماسكاً. أما بالنسبة إلى الهند، فإن أي تعزيز عسكري باكستاني بدعم صيني وتركي سيظل ملفاً بالغ الحساسية، لا سيما في ظل استمرار التنافس الهندي الباكستاني وتزايد حضور الصين في محيطها الاستراتيجي.
اقرأ أيضاً

