وطن-بعد أربع سنوات ونصف من اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، تواجه موسكو واقعاً أمنياً واقتصادياً أكثر تعقيداً، مع انتقال جزء متزايد من المواجهة إلى داخل الأراضي الروسية. فالهجمات الأوكرانية بعيدة المدى لم تعد تقتصر على المناطق الحدودية، بل باتت تطال منشآت نفطية وموانئ ومراكز لوجستية وبنى تحتية حيوية، في محاولة لرفع كلفة الحرب على الكرملين.
نوفوروسيسك في مرمى الهجمات
وقالت وكالة إفي الإسبانية إن ميناء نوفوروسيسك، أحد أهم الموانئ الروسية على البحر الأسود، أصبح من أبرز الأهداف خلال الأسابيع الأخيرة، نظراً لدوره الحيوي في تصدير النفط والحبوب ونقل البضائع.
وتسببت الهجمات والانفجارات المتكررة في اضطرابات طالت حركة الميناء وسلاسل الإمداد، ما أعاد طرح تساؤلات بشأن قدرة روسيا على حماية منشآتها الساحلية وضمان استمرار عمليات التصدير في ظل اتساع نطاق الهجمات الأوكرانية.
وتكتسب نوفوروسيسك أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة إلى الاقتصاد الروسي، إذ تمثل المنطقة منفذاً رئيسياً لحركة الطاقة والتجارة عبر البحر الأسود.
المسيرات الأوكرانية تضرب العمق الروسي
وخلال الأشهر الأخيرة، طورت أوكرانيا قدرتها على تنفيذ هجمات بواسطة طائرات مسيرة بعيدة المدى، إلى جانب استخدام صواريخ قادرة على الوصول إلى أهداف تبعد مئات الكيلومترات عن الحدود.
ووفق إفي، امتدت الهجمات إلى مناطق روسية عدة، بينها تتارستان وسامارا وكراسنودار وروستوف، مستهدفة منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة والصناعة واللوجستيات.
ويبدو قطاع النفط في مقدمة الأهداف الأوكرانية، بالنظر إلى أهميته بالنسبة للاقتصاد الروسي وقدرته على توفير عائدات تمول جزءاً كبيراً من الإنفاق الحكومي والعسكري.
أزمة البنزين تثير قلق موسكو
ولم تقتصر تداعيات الضربات على الأضرار المادية، إذ بدأت تظهر آثارها في سوق الوقود الروسي. وبحسب الوكالة الإسبانية، أقر الكرملين بوجود صعوبات في ضمان إمدادات البنزين في بعض المناطق، بعد استهداف عدد من المصافي والمنشآت النفطية.
ودفعت هذه التطورات السلطات الروسية إلى اتخاذ إجراءات للحد من تأثير انخفاض قدرات التكرير، بينها الإبقاء على قيود تصدير بعض أنواع الوقود واللجوء إلى الاستيراد لتعويض جزء من النقص.
ويعكس ذلك تحول الهجمات الأوكرانية إلى تحدٍ اقتصادي مباشر، بعدما أصبح استهداف المنشآت النفطية قادراً على التأثير في الإنتاج والتكرير والتوزيع داخل روسيا.
بوتين يتدخل لحماية المنشآت الحيوية
وفي مؤشر آخر على تصاعد المخاوف الأمنية، أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً يسمح للدولة، وفق ما أوردته إفي، بالتدخل مؤقتاً للسيطرة على بعض البنى التحتية الحيوية التي تتعرض للهجمات، في حال عجز مالكوها عن توفير الحماية أو إصلاح الأضرار.
وتكشف هذه الخطوة عن اتساع نطاق التحديات التي تواجهها السلطات الروسية، والتي لم تعد مرتبطة بالمنشآت العسكرية فقط، وإنما امتدت إلى قطاعات اقتصادية ومدنية أساسية.
التجارة الإلكترونية تدخل دائرة الاستهداف
وامتدت الهجمات كذلك إلى قطاع الخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية. وخلال أغسطس، تعرضت منشآت تابعة لشركات روسية كبرى في جنوب البلاد لهجمات، من بينها مراكز لوجستية تابعة لشركة أوزون في إقليم كراسنودار.
وقالت السلطات الروسية إن الهجوم أدى إلى مقتل ثلاثة مراهقين. كما سبق أن تعرضت منشآت تابعة لشركة وايلدبيريز، إحدى أكبر شركات التجارة الإلكترونية في روسيا، لأضرار في مناطق مختلفة، بينها محيط موسكو وسان بطرسبورغ.
وبحسب الرواية الأوكرانية التي نقلتها إفي، اتهمت كييف الشركة بتوريد مكونات تستخدم في صناعة الأسلحة إلى مصانع روسية، وهو ما يجعل هذه المنشآت، من وجهة النظر الأوكرانية، جزءاً من منظومة دعم الاقتصاد العسكري الروسي.
سوتشي والسياحة تحت الضغط
ولم تسلم المناطق السياحية من تداعيات التصعيد.
فقد شهدت المناطق الساحلية المطلة على البحر الأسود هجمات أثرت في حركة السياحة، فيما أصبحت مدينة سوتشي، التي تعد من أبرز الوجهات السياحية الروسية، ضمن المناطق التي تواجه تداعيات أمنية متزايدة.
ويمثل ذلك بعداً جديداً للحرب، إذ باتت الهجمات قادرة على التأثير في مناطق تعتمد بدرجة كبيرة على السياحة والخدمات، وليس فقط على القطاعات الصناعية والعسكرية.
ضربة روسية على كييف
وفي المقابل، واصلت روسيا شن هجمات واسعة على الأراضي الأوكرانية.
وفي 19 أغسطس، تعرضت كييف ومناطق أخرى لهجوم روسي واسع، أسفر، وفق السلطات الأوكرانية التي نقلت عنها إفي، عن مقتل ما لا يقل عن 17 شخصاً وإصابة أكثر من 40 آخرين.
ويؤكد تصاعد الضربات المتبادلة أن الحرب دخلت مرحلة تتداخل فيها الجبهتان الداخلية والخارجية، بحيث تحاول كل جهة نقل جزء من الضغط العسكري والاقتصادي إلى عمق الطرف الآخر.
بريطانيا تعزز قدرات كييف الصاروخية
وفي تطور آخر قد يزيد من تعقيد المشهد، زار رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام أوكرانيا، الاثنين، معلناً عن دعم إضافي لكييف. وبحسب إفي، وافقت لندن على إتاحة معلومات تتعلق بالمكونات البريطانية المستخدمة في صاروخ سكالب، بما يسمح لأوكرانيا بتعزيز قدرتها على إنتاجه محلياً.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة بسبب المدى الذي تتمتع به هذه الصواريخ، وما يمكن أن تمنحه لكييف من قدرة إضافية على استهداف مواقع بعيدة عن خطوط المواجهة.
تحالف غربي لدعم أوكرانيا
وفي اليوم نفسه، عقد الاجتماع الأول لما يعرف بـ**«تحالف الراغبين»**، بمشاركة عدد من الدول الغربية التي تعهدت بمواصلة تقديم الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا.
وتركزت المحادثات على تعزيز الدفاعات الجوية الأوكرانية، خصوصاً عبر توفير مزيد من منظومات باتريوت، بهدف حماية المدن والمنشآت الحيوية من الهجمات الروسية بعيدة المدى.
وشارك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر تقنية الفيديو، فيما شارك المستشار الألماني فريدريش ميرتس في المحادثات المتعلقة بتعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية.
موسكو أمام معادلة صعبة
وبينما تواصل روسيا تكثيف هجماتها داخل أوكرانيا، تبدو كييف مصممة على توسيع نطاق المواجهة إلى العمق الروسي، مستهدفة قطاعات الطاقة والموانئ والنقل واللوجستيات وحتى السياحة.
وهنا تكمن إحدى أخطر التحولات في الحرب: لم تعد الجبهة محصورة في خطوط القتال، بل أصبحت تمتد إلى قلب الاقتصاد والبنية التحتية داخل البلدين.
ومع استمرار الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى، تجد موسكو نفسها أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في حماية منشآتها الحيوية والحفاظ على استقرار الاقتصاد، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية في أوكرانيا.
وقد تصبح قدرة الكرملين على حماية الجبهة الداخلية، وضمان إمدادات الطاقة والوقود، والحفاظ على حركة التجارة، عاملاً حاسماً في تحديد قدرة روسيا على مواصلة حرب طويلة الأمد.
اقرأ المزيد
موسكو تشتعل.. مئات المسيّرات الأوكرانية تضرب قلب روسيا
ليلة نارية في أوكرانيا.. روسيا تشن أوسع هجوم بالصواريخ والمسيّرات ومخاوف من امتداد الحرب إلى بولندا
روسيا تستورد البنزين لأول مرة منذ الحرب.. هجمات أوكرانيا تضرب قلب صناعة النفط وتفاقم أزمة الوقود

