وطن-قد تبدو عبارة «أحتاج إلى إجازة بعد الإجازة» مجرد مزحة، لكنها تعبّر عن تجربة حقيقية يعيشها كثير من المسافرين. فبدلاً من العودة بطاقة متجددة، يجد البعض أنفسهم أكثر إرهاقاً، بسبب الرحلات المزدحمة، وكثرة التنقل، والالتزام ببرنامج يومي مرهق، فضلاً عن استمرار التفكير في العمل حتى أثناء العطلة.
وتشير مجلة “بسيكولوجي” الفرنسية إلى أن السؤال الأهم عند التخطيط للإجازة قد لا يكون «إلى أين سنذهب؟»، بل «كيف سنقضي هذه الإجازة؟». فالطريقة التي يسافر بها الشخص ويتعامل بها مع وقته قد تكون أكثر تأثيراً في مستوى راحته النفسية من الوجهة التي يختارها.
الإجازة ضرورية.. لكن الراحة ليست مضمونة
أظهرت دراسة أجرتها مؤسسة إبسوس لصالح منظمة سيكور بوبولير أن 86% من الفرنسيين يرون أن الإجازة ضرورية للتعامل مع العام بهدوء، بينما يعتبرها 85% منهم مهمة لصحتهم النفسية.
وتكشف هذه الأرقام أن العطلة لم تعد مجرد رفاهية أو فرصة للترفيه، بل أصبحت بالنسبة إلى كثيرين مساحة ضرورية للابتعاد عن الضغوط واستعادة التوازن.
لكن المشكلة أن الحاجة إلى الراحة لا تعني بالضرورة القدرة على تحقيقها.
فقد يغادر الشخص منزله متجهاً إلى وجهة سياحية جميلة، لكنه يحمل معه ضغط العمل، والهاتف، ورسائل البريد الإلكتروني، والقلق من تفويت أي تجربة، إضافة إلى الرغبة في استغلال كل دقيقة من الرحلة. وهكذا يتحول السفر من فرصة للتعافي إلى مشروع جديد يحتاج إلى التخطيط والإنجاز.
عندما يتحول السفر إلى قائمة مهام
وفقاً لبيانات إبسوس لصالح يوروب أسيستانس، كان أكثر من 80% من الفرنسيين يخططون لقضاء فترة من الراحة خلال الصيف الماضي، في أعلى مستوى مسجل منذ عام 2015.
لكن ارتفاع عدد الأشخاص الذين يسافرون لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى الراحة النفسية. فالبعض يضع برنامجاً مزدحماً يبدأ في الصباح وينتهي ليلاً: زيارة عدة أماكن، تجربة أكبر عدد ممكن من المطاعم، التقاط الصور، التنقل بين المدن، وملاحقة الأماكن الأكثر انتشاراً على مواقع التواصل الاجتماعي.
والنتيجة أن المسافر قد يعود من الإجازة وهو يشعر بأنه أنجز الكثير، لكنه لم يمنح جسده وعقله الوقت الكافي للتوقف.
مفارقة التعافي.. كلما تعبت أصبح التوقف أصعب
تُعرف هذه الظاهرة في الأدبيات النفسية باسم «مفارقة التعافي، وتقوم الفكرة على مفارقة بسيطة: الشخص الأكثر إنهاكاً قد يكون في الوقت نفسه الأقل قدرة على القيام بالأشياء التي تساعده على التعافي.
فعندما يرتفع مستوى الضغط، يصبح العقل أكثر انشغالاً بالمهام والمشكلات، ويصبح الانفصال النفسي عن العمل أكثر صعوبة. ولهذا قد يجد الموظف نفسه على شاطئ البحر، لكنه يفكر في رسالة لم يرد عليها، أو اجتماع ينتظره بعد العودة، أو مشكلة تركها في المكتب.
وهكذا يتبين أن المكان تغير، لكن العقل لم يغادر العمل.
لماذا نشعر بالسعادة قبل السفر أكثر مما نشعر بها بعده؟
تشير أبحاث في علم نفس السياحة إلى أن جزءاً كبيراً من المتعة المرتبطة بالإجازة قد يأتي من انتظارها والتخطيط لها. وقد درس الباحث الهولندي جيروين ناوين العلاقة بين السفر والسعادة، ولاحظ أن الشعور الإيجابي قد يبدأ قبل الرحلة بفترة، مدفوعاً بالحماس والتخيل وانتظار التجربة الجديدة.
لكن هذه السعادة لا تستمر بالضرورة بعد العودة. فبمجرد انتهاء الرحلة والعودة إلى الروتين المعتاد، يمكن أن يتراجع تأثيرها بسرعة، خصوصاً إذا كانت الإجازة نفسها مليئة بالتوتر والتنقل والالتزامات. وهنا تظهر أهمية الفرق بين السفر بهدف جمع التجارب والسفر بهدف استعادة الطاقة.
ليس كل نشاط أثناء الإجازة راحة
قد يعتقد البعض أن الإجازة الناجحة هي التي تكون مليئة بالأنشطة. لكن علم النفس يقدم تصوراً مختلفاً للراحة. فزيارة خمسة أماكن في يوم واحد قد تكون ممتعة لبعض الأشخاص، لكنها مرهقة لآخرين. والتنقل المستمر بين المدن قد يكون مغامرة رائعة لشخص، بينما يمثل ضغطاً حقيقياً لشخص آخر.
المشكلة إذن ليست في النشاط بحد ذاته، وإنما في مدى توافقه مع احتياجات الشخص النفسية والجسدية. فإذا كان الإنسان يعاني أصلاً من الإرهاق، فقد تكون الإجازة الهادئة أكثر فائدة له من برنامج سياحي مزدحم.
أربعة عناصر تجعل الإجازة أكثر فاعلية
يعتمد الباحثون في دراسة التعافي من ضغوط العمل على أربعة عناصر رئيسية يمكن أن تساعد في فهم ما يجعل العطلة مريحة بالفعل.
أولاً: الانفصال النفسي عن العمل
لا يكفي الابتعاد عن المكتب جسدياً. يحتاج العقل أيضاً إلى التوقف عن التفكير في المهام والمشكلات المهنية.
ثانياً: الاسترخاء
الإجازة تحتاج إلى خفض سرعة الحياة اليومية، والحصول على وقت يسمح للجسم والعقل بالهدوء.
ثالثاً: الإحساس بالقدرة والإنجاز
يمكن أن تكون ممارسة نشاط مختلف عن العمل مفيدة، مثل تعلم شيء جديد، أو ممارسة هواية، أو القيام بنشاط يمنح الشخص شعوراً بالمتعة والإنجاز من دون ضغط.
رابعاً: التحكم في الوقت
ربما يكون هذا العنصر من أهم أسرار الإجازة المريحة. عندما يشعر الشخص بأنه حر في اختيار ما يريد فعله ومتى يفعله، تصبح العطلة أكثر انسجاماً مع احتياجاته.
مواقع التواصل قد تسرق الراحة من الإجازة
أصبح السفر في عصر مواقع التواصل الاجتماعي مرتبطاً أيضاً بالرغبة في توثيق كل لحظة، على غرار، تصوير مطعم جديد، شاطئ مشهور، معلم سياحي، صورة عند الغروب، ومكان يتصدر قوائم الترند. وقد يدفع هذا الأمر بعض المسافرين إلى التعامل مع الإجازة وكأنها مهمة يجب إثبات نجاحها أمام الآخرين.
وبدلاً من الاستمتاع بالمكان، ينشغل الشخص أحياناً بالتقاط الصورة المثالية. وعوضاً من الجلوس والاسترخاء، يبدأ التفكير في الوجهة التالية. وهكذا يمكن أن تتحول الإجازة نفسها إلى مصدر جديد للضغط.
كيف تجعل إجازتك أكثر راحة؟
لا تحتاج الإجازة المريحة بالضرورة إلى فندق فاخر أو رحلة طويلة أو وجهة بعيدة، وقد يكون التغيير الحقيقي في طريقة تنظيم الوقت. كما يمكن مثلاً ترك بعض الأيام من دون برنامج محدد، وتقليل عدد الأماكن التي يجب زيارتها، وإغلاق البريد الإلكتروني المهني لفترة، وعدم الشعور بالذنب بسبب قضاء ساعات من دون القيام بأي نشاط.
هذا ويمكن اختيار الأنشطة وفقاً للحاجة الفعلية. وإذا كان الشخص مرهقاً، فقد يكون النوم، والمشي، والجلوس في مكان هادئ، وقراءة كتاب، أو قضاء الوقت مع الأشخاص المقربين أكثر فائدة من محاولة زيارة أكبر عدد ممكن من المعالم. أما إذا كان يشعر بالملل ويحتاج إلى التحفيز، فقد تكون الأنشطة الجديدة والمغامرات مناسبة له.
الوجهة ليست كل شيء
في النهاية، لا تكمن قيمة الإجازة في عدد المدن التي زرناها، ولا في عدد الصور التي التقطناها، ولا في عدد الأنشطة التي استطعنا إنجازها، والأهم هو ما إذا كنا قد منحنا أنفسنا فرصة حقيقية للتعافي. فقد يسافر شخص إلى مكان بعيد ويعود أكثر تعباً، بينما يقضي آخر بضعة أيام في مكان قريب ويعود بطاقة أفضل. والسبب أن الراحة ليست مرتبطة دائماً بالمسافة التي نقطعها، بل بالمسافة التي ننجح في قطعها ذهنياً عن ضغوط حياتنا اليومية.
لذلك، إذا كنت تعود من الإجازة وأنت تشعر بأنك تحتاج إلى إجازة أخرى، فقد لا تكون المشكلة في وجهتك المقبلة، بل في الطريقة التي قضيت بها عطلتك السابقة.
اقرأ المزيد
أخطاء السفر التي تسبب التوتر.. دراسة تكشف أكثرها شيوعاً ونصائح لتجنبها
10 نصائح أساسية لحماية نفسك في الفنادق.. خبراء أمن السفر يكشفون ما لا ينتبه إليه معظم المسافرين
أطباء الجلدية يحذرون من وضع المكياج أثناء السفر بالطائرة: مخاطر خفية على البشرة خلال الرحلات الجوية

