وطن-مع دخول الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران شهرها السادس، تواجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطاً متزايدة في الداخل، في ظل ارتفاع كلفة العمليات العسكرية، وتصاعد تداعياتها الاقتصادية، وتراجع التأييد الشعبي لاستمرار الحرب، بينما لا تزال آفاق التسوية السياسية غامضة.
رفض شعبي متزايد للحرب
وأفاد موقع “ميدل إيست آي” بأن الديمقراطيين في الولايات المتحدة صعّدوا، الجمعة، انتقاداتهم لإدارة ترامب، متهمين إياها بجر البلاد إلى حرب طويلة ومكلفة مع إيران، ومحذرين من انعكاسات ذلك على الحزب الجمهوري خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
وبحسب الموقع، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما المشترك على إيران في 28 فبراير، وسط تقديرات أولية بأن العمليات العسكرية لن تستمر سوى بضعة أسابيع. إلا أن الحرب دخلت شهرها السادس، من دون مؤشرات حاسمة على قرب انتهائها.
وتشير استطلاعات الرأي المتكررة، وفق نشرة ذا سيلفر بوليتن التي تتخصص في تحليل اتجاهات الرأي العام، إلى أن نحو 37% من الأميركيين يؤيدون الحرب، مقابل 55% يعارضونها، ما يعكس غياب تأييد شعبي واسع لاستمرار العمليات العسكرية.
فاتورة الحرب تتجاوز 100 مليار دولار
ولم يعد الجدل داخل الولايات المتحدة مقتصراً على الموقف من الحرب، بل امتد إلى تكلفتها المالية والعسكرية. ووفق الأرقام التي أوردها ميدل إيست آي، فقد خسرت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 18 جندياً خلال الحرب، فيما وصلت النفقات العسكرية إلى نحو 100 مليار دولار.
وجاء جزء كبير من هذه الاعتمادات بعد طلب وزير الحرب بيت هيغسيث تمويلاً إضافياً يتجاوز 60 مليار دولار، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي ضغوطاً مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
كما انعكست تداعيات إغلاق مضيق هرمز على المستهلك الأميركي، إذ قدرت دراسة لجامعة براون وتحليلات صادرة عن موديز أناليتيكس أن تكلفة اضطرابات الطاقة المرتبطة بالحرب تراوحت بين 600 و1000 دولار لكل دافع ضرائب أميركي.
الديمقراطيون يهاجمون ترامب
وفي تصعيد سياسي واضح، قال رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية كين مارتن إن ترامب ونائبه جي دي فانس فشلا في الوفاء بوعودهما بإنهاء الحرب سريعاً.
وأشار مارتن إلى أن الإدارة كانت قد أكدت في مارس أن الحرب ستنتهي قريباً، بينما قال ترامب هذا الأسبوع إنه «ليس في عجلة» لإنهائها.
واتهم مارتن الإدارة بأنها أدخلت الولايات المتحدة في حرب مكلفة في وقت يعاني فيه الأميركيون من ارتفاع تكاليف المعيشة، محذراً من أن الناخبين قد يحاسبون الجمهوريين في انتخابات نوفمبر.
ويحاول الديمقراطيون من خلال هذا الخطاب ربط الحرب الخارجية بالقضايا التي تؤثر مباشرة في الحياة اليومية للأميركيين، وعلى رأسها أسعار الوقود والغذاء والرعاية الصحية.
خسائر بشرية كبيرة في إيران
في الجانب الإيراني، تختلف تقديرات أعداد القتلى بصورة كبيرة. وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا، بلغ عدد القتلى الإيرانيين نحو 3400 شخص، بينما يقدّر الجيش الإسرائيلي العدد بنحو 6000 قتيل، وفق ما نقله ميدل إيست آي.
وتضيف هذه الفجوة في الأرقام بعداً آخر إلى الحرب، في ظل صعوبة الوصول إلى تقدير مستقل ونهائي للخسائر البشرية الناتجة عن العمليات العسكرية المستمرة.
انقسام داخل الحزب الديمقراطي
ورغم تصاعد الانتقادات الديمقراطية للحرب، لا يبدو أن الحزب يتبنى موقفاً موحداً تجاه الضربات العسكرية ضد إيران. ففي أواخر فبراير، تحرك الجناح التقدمي في مجلس النواب للدفع نحو تصويت بموجب قانون صلاحيات الحرب، في محاولة للتأكيد على أن سلطة إعلان الحرب تقع ضمن صلاحيات الكونغرس وليس الرئيس وحده.
لكن موقف النواب الديمقراطيين من احتمال التصويت المباشر على وقف الهجمات ظل غير محسوم بالكامل. وكانت تقارير سابقة لبدء العمليات العسكرية قد تحدثت عن جهود داخل القيادة الديمقراطية للحد من تحركات القواعد الشعبية المطالبة بتقييد صلاحيات ترامب في شن الحرب.
مواقف متباينة تجاه إيران
ويعكس الجدل الديمقراطي انقساماً أوسع في واشنطن بشأن كيفية التعامل مع إيران. فعدد من الديمقراطيين التقليديين تبنوا مواقف شديدة اللهجة تجاه طهران، معتبرين أن البرنامج النووي الإيراني ونشاطها الإقليمي يمثلان تهديداً يتطلب الردع.
في المقابل، أكدت إيران أنها، رغم استعدادها لمواجهة عسكرية محتملة، تفضل التوصل إلى اتفاق يضمن لها الحصول على القدرات التي تقول إنها تحتاجها للدفاع عن نفسها باعتبارها دولة ذات سيادة.
وقبل بدء الهجمات، عقد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف إحاطة مغلقة لقيادات مجلسي النواب والشيوخ بشأن آخر التطورات المتعلقة بإيران.
وعقب الاجتماع، قال زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر إن المسألة «جدية»، مطالباً الإدارة بعرض مبرراتها أمام الشعب الأميركي.
مفاوضات متعثرة ووساطات إقليمية
وبالتوازي مع التصعيد العسكري، لم تحقق الجهود الدبلوماسية حتى الآن اختراقاً واضحاً. وأشار ميدل إيست آي إلى انهيار محاولتين لوقف إطلاق النار بسرعة، من دون أن تؤديا إلى تثبيت تهدئة طويلة الأمد.
وفي محاولة جديدة لخفض التصعيد، وصل رئيس الوزراء القطري إلى إيران، الخميس، لبحث صيغة مشتركة مع سلطنة عمان بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم ممرات تجارة الطاقة العالمية.
وساعدت التحركات الدبلوماسية على خفض أسعار النفط بصورة طفيفة خلال الأسبوع، إلا أن استمرار التحركات العسكرية الأميركية يشير إلى أن التوتر لا يزال مرتفعاً.
ترامب يواصل الضغط الاقتصادي
وفي مسار موازٍ، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية موجة جديدة من العقوبات ضد إيران وشبكات مرتبطة بها. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن واشنطن تعمل على سد القنوات التي تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات وبيع النفط وتحويل الأموال عبر النظام المالي العالمي.
وأطلق بيسنت على الحملة اسم «عملية المنبوذ الاقتصادي»، مؤكداً أن وزارة الخزانة تحاول تحديد كل الوسطاء والشبكات التي تستخدمها إيران لتجاوز القيود الأميركية.
ويعكس ذلك انتقال واشنطن من الضغط العسكري المباشر إلى استخدام العقوبات المالية والاقتصادية كأداة إضافية لإجبار طهران على تقديم تنازلات.
مخاوف من استنزاف الترسانة الأميركية
ولا تقتصر تداعيات الحرب على الميزانية الأميركية، إذ تزايدت المخاوف داخل واشنطن بشأن المخزونات العسكرية. وأفادت رويترز بأن الولايات المتحدة استنزفت جزءاً من مخزونها من الصواريخ المتطورة بعيدة المدى، بما في ذلك صواريخ أتاكمز وصواريخ PrSM الدقيقة.
كما تحدثت أسوشيتد برس عن نقص متزايد في صواريخ الاعتراض المتقدمة، خصوصاً صواريخ باتريوت، التي تستخدم الولايات المتحدة أيضاً في دعم الدفاعات الجوية الأوكرانية ضد الصواريخ الروسية.
ويضع ذلك الإدارة الأميركية أمام معادلة عسكرية صعبة: مواصلة دعم العمليات في الشرق الأوسط، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مخزون استراتيجي يكفي للتعامل مع أزمات أخرى محتملة.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
ويبقى مضيق هرمز أحد أهم عناصر الضغط في الحرب، نظراً لدوره المحوري في حركة النفط والغاز العالمية. وأدى تعطيل الملاحة في المضيق إلى زيادة الضغوط على أسواق الطاقة، وانعكس ذلك على أسعار الوقود وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد.
وتحاول الولايات المتحدة الجمع بين الضغط العسكري والعقوبات الاقتصادية، بينما تسعى دول إقليمية، بينها قطر وسلطنة عمان، إلى التوصل إلى ترتيبات تسمح بإعادة حركة الملاحة وتخفيف مخاطر التصعيد.
حرب بلا نهاية واضحة
ومع دخول الحرب شهرها السادس، تواجه إدارة ترامب مأزقاً متزايداً على أكثر من جبهة. فعسكرياً، ترتفع كلفة العمليات وتزداد المخاوف بشأن مخزون الذخائر. واقتصادياً، تنتقل تداعيات الحرب إلى أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. وسياسياً، تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأميركيين لا تؤيد استمرار الحرب.
أما دبلوماسياً، فلا تزال جهود وقف التصعيد تواجه عقبات كبيرة. وبذلك تجد إدارة ترامب نفسها أمام معادلة معقدة: حرب لم تنتهِ كما كان متوقعاً، فاتورة مالية وعسكرية تتضخم، ورأي عام أميركي يبدو أقل استعداداً لتحمل تبعات صراع طويل مع إيران.
قد يعجبك
أزمة مضيق هرمز.. ترامب يصعّد وإيران تضع شروط إعادة فتح أهم ممر للنفط
هل تدخل إيران مرحلة العزلة الاقتصادية؟ واشنطن تشدد العقوبات وتحذر المتعاملين معها
“يوم الحساب الاقتصادي” ضد إيران.. واشنطن تهدد النفط والبنوك والنقل البحري بعقوبات غير مسبوقة

