وطن-في الوقت الذي يواجه فيه كرة القدم الفلسطينية شللاً متزايداً بسبب الحواجز العسكرية والقيود المفروضة على التنقل وتدمير المنشآت الرياضية، تواصل أندية إسرائيلية مرتبطة بالمستوطنات في الضفة الغربية المحتلة التدريب والمشاركة في المسابقات المحلية، بدعم من مؤسسات رياضية إسرائيلية ودولية.
وتكشف تحقيقات أعدتها شبكة مراسلون عرب للصحافة الاستقصائية «أريج» بالتعاون مع Bridges” “Investigations لصالح موقع «ميدل إيست آي»، أن أندية مرتبطة بمستوطنات إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة تشارك في مسابقات كرة القدم الإسرائيلية تحت مظلة الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، في وقت تواصل فيه الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» والاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» الاعتراف بالاتحاد الإسرائيلي وتمويله.
ويثير هذا الواقع تساؤلات حول مدى انسجام هذه الممارسات مع التزامات المؤسسات الرياضية الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والقانون الدولي.
كرة القدم الفلسطينية تحت وطأة القيود
أصبحت ممارسة كرة القدم في الضفة الغربية أكثر صعوبة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويواجه اللاعبون الفلسطينيون صعوبات في الوصول إلى الملاعب ومراكز التدريب، فيما تتسبب الحواجز العسكرية والإغلاقات المفاجئة في إلغاء المباريات وتعطيل التدريبات.
ويقول حارس مرمى منتخب فلسطين للشباب مهدي العاصي إن الوصول إلى ملعب التدريب قد يستغرق ساعات، مضيفاً أن القوات الإسرائيلية أعادته في أكثر من مناسبة من الحاجز رغم مغادرته منزله قبل موعد التدريب بثلاث أو أربع ساعات.
كما تحدث اللاعب عن اقتحامات للملاعب واستخدام الغاز المسيل للدموع، وهي ظروف جعلت ممارسة الرياضة المنتظمة أكثر صعوبة. وبحسب بيانات حصل عليها الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، تعرضت 292 منشأة رياضية في قطاع غزة والضفة الغربية للتدمير الكلي أو الجزئي منذ بدء الحرب، فيما توقفت منافسات الدوري الفلسطيني.
وقالت نائبة رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم سوزان شلبي إن إقامة المباريات أصبحت شبه مستحيلة، لأن الحواجز والبوابات الإلكترونية يمكن أن تغلق المدن والبلدات في أي وقت، ما يؤدي إلى إلغاء المباريات.
لاعبون فلسطينيون يتدربون رغم توقف الدوري
بعد توقف الدوري، لم يعد العاصي قادراً على التدريب بصورة منتظمة، فلجأ إلى مدرب خاص للحفاظ على مستواه. ويؤكد أن المباريات تمثل عنصراً أساسياً في تطور أي لاعب، لكنه يواصل التدريب على أمل تمثيل فلسطين في المسابقات الدولية.
ولا تقتصر المشكلة على الجانب الرياضي، إذ يفرض التدريب الفردي أعباء مالية إضافية على اللاعبين وعائلاتهم. في المقابل، تبدو الصورة مختلفة تماماً في المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الضفة الغربية المحتلة، حيث تواصل الأندية نشاطها وتستفيد من الملاعب والمنشآت الرياضية.
أندية المستوطنات تواصل نشاطها
تضم الضفة الغربية المحتلة عدداً من الأندية المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، من بينها إيروني أريئيل، وبيتار معاليه أدوميم، وبيتار غفعات زئيف، وإيروني يهودا. وتشارك هذه الأندية في مسابقات كرة القدم الإسرائيلية رغم وجود مقارها أو ملاعبها في مناطق تعتبرها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أراضي فلسطينية محتلة.
وتعود قضية مشاركة أندية المستوطنات في المسابقات الإسرائيلية إلى سنوات طويلة. وبحسب الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، ظهرت بيانات أندية المستوطنات على الموقع الرسمي للاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم منذ عام 2013، قبل أن تتم إزالة بعضها مع تصاعد الانتقادات الدولية. وتقول شلبي إن عدد هذه الأندية ارتفع من نحو خمسة أندية إلى قرابة تسعة أندية في الوقت الحالي.
أريئيل.. منشآت رياضية جديدة
تعد مستوطنة أريئيل واحدة من أبرز الأمثلة على توسع النشاط الرياضي داخل المستوطنات. وأقيمت أريئيل عام 1978 على أراضٍ صادرتها إسرائيل من الفلسطينيين في منطقة سلفيت. وفي العام الماضي، أعلن رئيس بلدية أريئيل يائير شاتبون خطة طويلة الأمد لتطوير القطاع الرياضي، شملت إنشاء ملعب جديد في شارع إفراتا وتوسيع عدد ملاعب كرة القدم والمنشآت الرياضية.
كما أعلن عن مشروع لتحديث الملعب الرئيسي لنادي إيروني أريئيل، بما في ذلك استبدال أرضيته بعشب اصطناعي يتوافق مع معايير فيفا. وهكذا، بينما تعاني المنشآت الرياضية الفلسطينية من الدمار والإغلاق، تستمر الاستثمارات في البنية التحتية الرياضية داخل المستوطنات.
فيفا يبث مباريات من مستوطنات
لا يقتصر ارتباط المؤسسات الدولية بأندية المستوطنات على الاعتراف بها وتمويل الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم. فمنصة فيفا+ قامت أيضاً ببث مباريات أقيمت في ملاعب تقع داخل مستوطنات في الأراضي المحتلة. وفي الأول من يونيو/حزيران 2026، أفاد موقع «Inside World Football» بأن منصة فيفا+ بثت وأرشفت مباريات من ملعب هار حوما في مستوطنة بالقدس الشرقية المحتلة، كما شاركت روابط لهذه المباريات عبر منصة DAZN.
وتتضمن صفحة دوري الشباب الإسرائيلي على فيفا+ إعادات لمباريات نادي نورديا القدس التي أقيمت في ملعب هار حوما، كما تعرض المنصة مباريات مباشرة وإعادات لمنافسات الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم.
ويثير ذلك تساؤلات بشأن استفادة الأندية الموجودة في المستوطنات من المنصات التجارية الدولية لكرة القدم، فضلاً عن إمكانية تحقيق عائدات من الإعلانات والرعاية وزيادة الجمهور.
فيفا يرفض اتخاذ إجراءات ضد أندية المستوطنات
في مارس/آذار 2026، رفضت لجنة الانضباط في فيفا اتخاذ إجراءات ضد أندية المستوطنات، عقب شكوى قدمها الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم. وكانت الشكوى قد قُدمت خلال مؤتمر فيفا الرابع والسبعين في مايو/أيار 2024. وبررت اللجنة قرارها بما وصفته بـ«الوضع القانوني غير المحسوم للضفة الغربية بموجب القانون الدولي العام».
لكن فيفا فرض في المقابل غرامة قدرها 150 ألف فرنك سويسري على الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، بسبب ما وصفته اللجنة بانتهاكات جسيمة ومنهجية مرتبطة بالتمييز والعنصرية، والتسامح مع الرسائل السياسية والعسكرية، واستبعاد الفلسطينيين من البنية التحتية الرياضية في الضفة الغربية.
واعتبر ستيف كوكبرن، رئيس قسم العدالة الاقتصادية والاجتماعية في منظمة العفو الدولية، القرار إخفاقاً في تطبيق قواعد فيفا نفسها. وأشار إلى أن محكمة العدل الدولية خلصت إلى عدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وأن المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي.
القانون الدولي في قلب الجدل
يستند منتقدو مشاركة أندية المستوطنات إلى المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحظر على قوة الاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد انتقدت في تقرير عام 2016 تمويل مباريات تقام داخل المستوطنات، واعتبرت أن إقامة المباريات في تلك المناطق تتعارض مع القانون الدولي الإنساني.
كما دعا خبراء ومنظمات حقوقية في السنوات الأخيرة فيفا ويويفا إلى اتخاذ إجراءات بحق الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم. ووجهت منظمة العفو الدولية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 رسالة إلى فيفا ويويفا طالبت فيها بتعليق عضوية الاتحاد الإسرائيلي في مسابقاتهما إلى حين منع أندية المستوطنات من المشاركة في الدوري الإسرائيلي.
أموال أوروبية تصل إلى الاتحاد الإسرائيلي
لا تتوقف القضية عند الاعتراف الرياضي أو بث المباريات، إذ يحصل الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم على تمويل من المؤسسات الرياضية الدولية. وبحسب تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر في مارس/آذار 2026، واصل كل من فيفا ويويفا تمويل الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بعد اندلاع الحرب على غزة عام 2023.
ومن أبرز مصادر التمويل برنامج هاتريك التابع ليويفا، الذي يعيد توزيع جزء كبير من عائدات بطولات أوروبا على الاتحادات الوطنية الأعضاء. وبين عامي 2024 و2028، بلغت مخصصات يويفا للاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم ضمن البرنامج نحو 17 مليون يورو، بزيادة تقارب 21% عن دورة التمويل السابقة.
وتُدفع هذه الأموال إلى الاتحادات الوطنية، وليس مباشرة إلى أندية المستوطنات. لكن منتقدين يقولون إن استمرار تمويل الاتحاد الإسرائيلي يطرح سؤالاً حول مدى استفادة منظومة كرة القدم التي تضم أندية مرتبطة بالمستوطنات من هذه الأموال.
دعم رياضي لمنشآت داخل المستوطنات
تظهر التحقيقات أيضاً أن التوسع الرياضي في المستوطنات لا يعتمد على مؤسسات كرة القدم وحدها. فقد ساهم ميفال هبايس، وهو اليانصيب الوطني الإسرائيلي، في تمويل مشاريع رياضية داخل المستوطنات.
ومن أبرز هذه المشاريع مركز «سابابا» الرياضي في مستوطنة أفرات، الذي يضم مسبحاً بحجم يقارب المعايير الأولمبية. ووفق بيانات رسمية، حصل المشروع على نحو 15.7 مليون شيكل كاستثمار مباشر في البنية التحتية الرياضية، إضافة إلى ثلاثة ملايين شيكل في صورة منحة لدعم التشغيل وتغطية العجز. وافتُتح المركز في يناير/كانون الثاني 2026 بالتعاون مع مجلس مستوطنة أفرات.
علاقة أوسع مع كرة القدم الأوروبية
لم يقتصر التواصل بين أندية المستوطنات والمؤسسات الرياضية الدولية على التمويل. ففي مارس/آذار 2023، استضافت مؤسسات كروية إسبانية والاتحاد الإسباني لكرة القدم وفداً من نادي بيتار معاليه أدوميم، وهو نادٍ مقره مستوطنة معاليه أدوميم في الضفة الغربية المحتلة.
وزار الوفد مقر رابطة الدوري الإسباني ومنشآت نادي أتلتيكو مدريد، إضافة إلى أندية ومنظمات رياضية إسبانية أخرى، بينها خيتافي ورايو فايكانو. ويرى منتقدون أن مثل هذه الزيارات تمنح أندية المستوطنات شرعية رياضية دولية، رغم الجدل القانوني والسياسي المحيط بمواقعها. ويزداد الجدل حدة بسبب مقارنة هذه المعاملة بقرار فيفا ويويفا تعليق مشاركة الأندية الروسية في مسابقاتهما عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
اتهامات بازدواجية المعايير
يرى مايكل لينك، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أن التعامل المختلف مع إسرائيل وروسيا يعكس ما وصفه بـ«ازدواجية المعايير».
ويعتبر لينك أن إقامة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة تمثل انتهاكاً للقانون الدولي، وأن الأندية الرياضية الموجودة داخل تلك المستوطنات ترتبط بهذه المنظومة. كما يرفض خبراء آخرون الحجة القائلة إن الرياضة يجب أن تبقى منفصلة عن السياسة.
ويرى الباحث في سياسات كرة القدم الدولية جيمس دورسي أن الرياضة والسياسة مترابطتان، بينما يقول الباحث في علم اجتماع الرياضة مارك دويدج إن «الحياد» في مثل هذه القضايا لا يكون محايداً بالضرورة، بل قد يخدم الطرف الأقوى.
ضغوط سياسية متزايدة
تزايدت الضغوط السياسية على المؤسسات الرياضية الدولية أيضاً. ففي جلسة برلمانية إيرلندية عُقدت في 9 يونيو/حزيران، دعا نواب إلى تعليق عضوية إسرائيل في المؤسسات الرياضية الدولية، مشيرين إلى استمرار الانتهاكات ووجود أندية إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي الوقت نفسه، يستمر توسع البنية التحتية للمستوطنات، بما في ذلك المشاريع المرتبطة بالرياضة. وبين ديسمبر/كانون الأول 2025 وفبراير/شباط 2026، وافقت الحكومة الإسرائيلية على إنشاء ممر يربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس الشرقية، وهي منطقة تضم ثلاثة أندية مرتبطة بالاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم.
بين ملعبين.. واقعان مختلفان
تكشف هذه المعطيات عن مفارقة واضحة في واقع كرة القدم على جانبي الصراع. ففي الأراضي الفلسطينية المحتلة، يواجه اللاعبون حواجز وإغلاقات وتدميراً للمنشآت وتعليقاً للمسابقات، بينما تواصل أندية مرتبطة بالمستوطنات نشاطها وتطوير ملاعبها والمشاركة في المنافسات الإسرائيلية. وبينما تتمسك فيفا ويويفا بمبدأ الحياد الرياضي، تتزايد الانتقادات التي ترى أن استمرار الاعتراف والتمويل والبث يمنح منظومة أندية المستوطنات دعماً غير مباشر.
أما بالنسبة إلى اللاعبين الفلسطينيين، فلا يزال التحدي الأساسي هو الاستمرار في ممارسة اللعبة. ويقول مهدي العاصي إنه يحاول مواصلة التدريب رغم الظروف، متمسكاً بالأمل في أن يتمكن من تمثيل منتخب بلاده في المستقبل. وتبقى القضية أمام المؤسسات الرياضية الدولية: هل يمكن فصل كرة القدم عن السياق السياسي والقانوني عندما تكون الملاعب نفسها جزءاً من واقع الاحتلال والاستيطان؟
اقرأ أيضاً
ليست كرة قدم فقط.. لماذا أصبح منتخب إسبانيا “منتخب القلوب” عربيًا؟
سجود في المونديال لعام 2026: كيف يعيد جيل كرة القدم الجديد صياغة الهوية الإسلامية في أوروبا؟

