وطن-توفي القائد العسكري السابق لصرب البوسنة راتكو ملاديتش، المعروف على نطاق واسع بلقب «جزار البوسنة»، عن عمر ناهز 84 عاماً، أثناء قضائه حكماً بالسجن المؤبد بعد إدانته بجرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتُكبت خلال حرب البوسنة بين عامي 1992 و1995.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن ملاديتش فارق الحياة، الخميس، أثناء وجوده في المستشفى بمدينة لاهاي الهولندية، حيث أمضى سنواته الأخيرة قيد الاحتجاز التابع للأمم المتحدة، بعد تدهور حالته الصحية بشكل كبير إثر إصابته بعدة جلطات دماغية.
وكان ملاديتش، القائد السابق لجيش جمهورية صرب البوسنة، أحد أبرز مهندسي حملة التطهير العرقي التي استهدفت المسلمين البوشناق خلال الحرب، وهي الحملة التي تركت جروحاً عميقة في البوسنة والهرسك وما زالت آثارها السياسية والاجتماعية حاضرة بعد أكثر من ثلاثة عقود.
وأضافت الصحيفة أن الحكم الأبرز ضد ملاديتش ارتبط بدوره في مذبحة سربرنيتسا في يوليو 1995، حين قُتل أكثر من 8 آلاف رجل وفتى من المسلمين البوشناق بشكل منهجي، بعد سيطرة قوات صرب البوسنة على المدينة التي كانت مصنفة من الأمم المتحدة «منطقة آمنة».
وتُعد مذبحة سربرنيتسا أسوأ فظاعة شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وقد اعترفت المحاكم الدولية لاحقاً بأنها جريمة إبادة جماعية. كما أُدين ملاديتش أيضاً بسبب حصار سراييفو، حيث تعرض المدنيون لسنوات من القصف المدفعي ونيران القناصة خلال حصار استمر أكثر من ثلاث سنوات.
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي»، فقد حمّلت المحكمة قوات ملاديتش مسؤولية الاضطهاد والقتل والنقل القسري والترحيل وجرائم أخرى، ضمن محاولة منظمة لإزالة المسلمين البوشناق وغير الصرب بشكل دائم من مناطق كان القوميون الصرب يطالبون بضمها أو السيطرة عليها.
سربرنيتسا.. الجريمة التي لاحقت ملاديتش حتى النهاية
دخل راتكو ملاديتش سربرنيتسا في 11 يوليو 1995، بعد أن اجتاحت قواته الجيب المحاصر الذي كان تقطنه غالبية مسلمة. وفي مشاهد مصورة في ذلك الوقت، ظهر ملاديتش وهو يقدم السيطرة على المدينة بوصفها فعلاً من أفعال «الثأر التاريخي»، مستدعياً روايات قومية صربية قديمة مرتبطة بالمسلمين وبالدولة العثمانية.
وقالت الصحيفة إن الأيام التي تلت سقوط سربرنيتسا شهدت فصل الرجال والفتيان المسلمين عن النساء والأطفال وكبار السن، قبل نقل الآلاف إلى مواقع إعدام مختلفة، شملت مستودعات وحقولاً ومدارس، حيث أُطلق عليهم الرصاص ودُفنوا في مقابر جماعية.
ويبلغ العدد الرسمي للضحايا البوشناق الذين يتم إحياء ذكراهم في إطار إبادة سربرنيتسا 8372 ضحية. غير أن مأساة العائلات لم تنته مع انتهاء القتل، إذ عمدت قوات صرب البوسنة لاحقاً إلى نبش كثير من المقابر الجماعية الأصلية ونقل الجثامين إلى مواقع دفن ثانوية وثالثية، في محاولة لإخفاء آثار الجريمة.
وكشفت صحيفة «ميدل إيست آي» أن هذه المحاولات جعلت رفات بعض الضحايا يُعثر عليها موزعة بين أكثر من مقبرة، فيما لا تزال عائلات عديدة تنتظر التعرف إلى أقاربها المفقودين حتى اليوم. وتحولت الإبادة في سربرنيتسا إلى ذروة حملة أوسع من الاضطهاد والتطهير العرقي التي دمرت مجتمعات بوشناقية كاملة في أنحاء البوسنة والهرسك.
سنوات الهروب قبل الاعتقال
ظل ملاديتش فاراً من العدالة قرابة 16 عاماً بعد توجيه الاتهام إليه من المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة. وخلال تلك السنوات، كان أحد أكثر المطلوبين في العالم بتهم جرائم الحرب، مستفيداً من شبكات دعم وتعاطف وفرت له الحماية والتخفي.
وأضافت الصحيفة البريطانية أنه اعتُقل أخيراً في 26 مايو 2011 في قرية لازاريفو الصربية، حيث كان يعيش بهوية مزيفة. واحتجزته الشرطة الصربية في منزل أحد أقاربه، قبل نقله إلى بلغراد وبدء إجراءات تسليمه إلى لاهاي.
وبعد أيام قليلة، نُقل ملاديتش إلى لاهاي للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة. وانطلقت محاكمته عام 2012، لتصبح واحدة من أهم المحاكمات المرتبطة بالحروب التي رافقت تفكك يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي.
وفي نوفمبر 2017، أدانت المحكمة ملاديتش بارتكاب إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وحكمت عليه بالسجن المؤبد. وفي يونيو 2021، أُيد الحكم في مرحلة الاستئناف، ليصبح نهائياً.
وبحسب ما نقلته صحيفة «ميدل إيست آي»، لم يُبد ملاديتش أي اعتراف بالمسؤولية عن الجرائم التي أدين بها، وظل متحدياً للمحكمة طوال الإجراءات القانونية، متمسكاً بخطاب إنكاري تجاه ما ارتُكب تحت قيادته.
محاولات فاشلة للإفراج عنه لأسباب صحية
خلال فترة سجنه، تدهورت صحة ملاديتش بصورة متزايدة، خصوصاً بعد إصابته بعدة جلطات دماغية. وسعت عائلته، إلى جانب مسؤولين صرب، مراراً إلى الحصول على إفراج مؤقت أو إنساني عنه بهدف تلقي العلاج في صربيا، غير أن تلك الطلبات قوبلت بالرفض.
وقالت الصحيفة إن القاضية غراسييلا غاتي سانتانا رفضت، قبيل وفاته، طلباً جديداً للإفراج عنه، معتبرة أن توقع قرب الوفاة لا يشكل بحد ذاته سبباً كافياً لتعليق تنفيذ العقوبة الصادرة بحقه.
وأكدت المحكمة أن العقوبة لا تقتصر وظيفتها على الردع فحسب، بل تمثل أيضاً تعبيراً عن إدانة المجتمع الدولي للانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي. وبعد ذلك، توفي ملاديتش في مستشفى بمدينة لاهاي في 27 أغسطس.
تمجيد مستمر وإنكار للإبادة
رغم الإدانة الدولية والأحكام القضائية النهائية، لا يزال راتكو ملاديتش يحظى بالتبجيل لدى تيارات قومية صربية في البوسنة والهرسك وصربيا. فقد ظهرت جداريات وكتابات ورسوم تمجده بوصفه «بطلاً قومياً» في مناطق من جمهورية صرب البوسنة وأجزاء من صربيا.
وأضافت صحيفة «ميدل إيست آي» أن هذا التمجيد يعكس استمرار ظاهرة خطيرة تتمثل في الاحتفاء بأشخاص أدينوا بارتكاب فظائع ضد المسلمين البوشناق، وهي ظاهرة يراها كثير من الناجين مرتبطة مباشرة بمحاولات إنكار إبادة سربرنيتسا أو التقليل من حجمها.
واستندت الأيديولوجيا التي غذت تلك الفظائع إلى خطاب يصور المسلمين البوشناق باعتبارهم «غرباء» أو أحفاد صرب «خانوا قومهم» باعتناق الإسلام خلال الحكم العثماني. كما انتشرت في الخطاب القومي الصربي أوصاف مهينة للبوشناق مثل «الأتراك» أو «المتأتركون»، واستُخدمت خلال حروب التسعينيات لتبرير العنف ضد المجتمعات المسلمة تحت عنوان «الثأر التاريخي».
وكان ملاديتش نفسه قد استدعى هذا الخطاب بعد السيطرة على سربرنيتسا، حين قدّم الانتصار العسكري باعتباره انتقاماً من «الأتراك». وبحسب الصحيفة، ساعدت هذه الأساطير التاريخية في توفير غطاء أيديولوجي لحملات التهجير والاضطهاد والقتل الجماعي في البوسنة.
رحل راتكو ملاديتش بعدما أمضى نحو 15 عاماً في الاحتجاز، لكن الجرائم التي ارتُكبت تحت قيادته ما زالت ترسم ملامح الواقع في البوسنة حتى اليوم. فآلاف العائلات لا تزال تعيش ألم الفقد، وإنكار الإبادة لا يزال حاضراً في قطاعات من السياسة القومية الصربية، وتمجيد مجرمي الحرب المدانين يبقى أحد مصادر التوتر المستمرة.
وبالنسبة إلى الناجين من سربرنيتسا وغيرها من فظائع حرب البوسنة، فإن وفاة «جزار البوسنة» تنهي حياة أحد أبرز منفذي الإبادة الجماعية، لكنها لا تنهي معركة المساءلة والذاكرة والاعتراف بما تعرض له مسلمو البوسنة.
قد يعجبك
من القصف إلى التجويع.. أطفال غزة يدفعون ثمن الإبادة الإسرائيلية
تركيا تطلب من الإنتربول نشرة حمراء بحق نتنياهو بتهم الإبادة الجماعية
العفو الدولية: الهند أرسلت 2596 شحنة أسلحة إلى إسرائيل خلال حرب الإبادة على غزة
ضربة جبهة التهدئة: 9 شهداء في غارة إسرائيلية تفتح مجدداً ملف الاستهدافات داخل غزة

