وطن-أعلنت قوات سوريا الديمقراطية حلّ تشكيلاتها العسكرية في سوريا، ضمن اتفاق مع الحكومة الانتقالية في دمشق يقضي بدمج مقاتليها في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، في خطوة تعد من أبرز التحولات في المشهد السوري منذ سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024.
وجاء الإعلان، الثلاثاء، عقب اجتماع جمع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بالرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع، حيث جرى التوصل إلى تفاهمات بشأن إنهاء الوضع العسكري المستقل للقوات وإدماج عناصرها ضمن مؤسسات الدولة السورية.
من الحرب إلى بناء الدولة
وقال مظلوم عبدي، في بيان متلفز، إن قوات سوريا الديمقراطية أنجزت مهمتها، وإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنتقل من المواجهة العسكرية إلى التنمية وبناء مؤسسات الدولة.
وأكد أن المرحلة الجديدة يجب أن تعني الانتقال من ساحات القتال إلى التنمية، ومن السلاح إلى السلام، ومن الدفاع عن سوريا إلى المشاركة في بناء الدولة.
وتأسست قوات سوريا الديمقراطية عام 2015 من فصائل كردية وعربية، وحظيت بدعم عسكري مباشر من الولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وتمكنت خلال سنوات الحرب من السيطرة على مناطق واسعة في شمال سوريا وشمال شرقها.
اتفاق سبقته خلافات ومواجهات
ولم يكن الاتفاق الأخير مفاجئاً بالكامل، إذ سبق أن اتفق الطرفان في 29 يناير على مبدأ دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة، إلا أن الخلافات بشأن آلية التنفيذ وشروط الدمج حالت دون تطبيق الاتفاق سريعاً.
وتطورت الخلافات في مراحل لاحقة إلى مواجهات عسكرية، ما أدى إلى تجميد مسار التفاوض لفترة قبل استئناف الاتصالات بين الطرفين والتوصل إلى الصيغة الجديدة.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأنها تضع حداً، على الأقل من الناحية المعلنة، لوجود قوة عسكرية كبيرة خارج الهيكل الرسمي للدولة السورية.
حقوق ثقافية للأكراد
وبالتوازي مع الترتيبات العسكرية، تتضمن البنود التي نشرتها صحيفة المجلة السورية جوانب سياسية وثقافية تتعلق بالمكون الكردي في سوريا.
ومن أبرز البنود المطروحة الاعتراف الوطني باللغة الكردية، إلى جانب السماح بتدريس بعض المواد النظرية باللغة الكردية في المدارس، وهو مطلب يرتبط منذ سنوات بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد السوريين.
كما تتضمن التفاهمات، بحسب ما نشرته الصحيفة، ترتيبات لإدماج وحدات حماية المرأة الكردية، المعروفة اختصاراً بـ«وحدات حماية المرأة»، ضمن وزارة الداخلية، في إطار قوة متخصصة في الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب.
ولم تؤكد الحكومة السورية رسمياً جميع التفاصيل التي نشرتها الصحيفة، إذ لم ترد وزارة الإعلام السورية على طلب للحصول على توضيحات بشأن البنود المنشورة حتى وقت إعداد التقارير.
تركيا ترحب بنهاية القوة المستقلة
وأثار الإعلان اهتماماً إقليمياً واسعاً، خصوصاً في تركيا التي ظلت تنظر إلى قوات سوريا الديمقراطية باعتبارها مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، المصنف منظمة إرهابية من جانب أنقرة.
وقال مسؤول الاتصالات في الرئاسة التركية برهان الدين دوران إن حل قوات سوريا الديمقراطية يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز سلطة الدولة السورية وتوحيد مختلف مكونات البلاد.
وأكد أن تبني الإدارة السورية نهجاً شاملاً تجاه مختلف المكونات سيكون ضرورياً لترسيخ الاستقرار في البلاد.
كما عكست المواقف الإقليمية المرحبة أهمية الاتفاق بالنسبة إلى مستقبل وحدة الأراضي السورية وتركيبة مؤسساتها الأمنية والعسكرية.
نهاية مرحلة النفوذ الكردي المسلح؟
بلغ نفوذ قوات سوريا الديمقراطية ذروته خلال الحرب السورية، بعدما سيطرت على مساحات واسعة من شمال البلاد وشمال شرقها، ولعبت دوراً أساسياً في العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الولايات المتحدة.
لكن سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 غيّر موازين القوى بصورة كبيرة.
ومع انتقال السلطة في دمشق إلى إدارة انتقالية جديدة، بدأت العلاقة بين واشنطن وقوات سوريا الديمقراطية تتغير، في وقت سعت فيه الحكومة الجديدة إلى استعادة السيطرة على المناطق التي كانت تخضع لنفوذ القوات الكردية.
وأصبح مستقبل قوات سوريا الديمقراطية واحداً من أكثر الملفات حساسية في عملية إعادة بناء الدولة السورية، خصوصاً في ظل وجود قوى مسلحة متعددة ومطالب متباينة بشأن شكل الدولة الجديدة.
اختبار حقيقي للحكومة الانتقالية
ولا يعني الإعلان عن حل قوات سوريا الديمقراطية أن جميع الملفات الخلافية قد حُسمت نهائياً، فالاختبار الأصعب سيكون في كيفية تنفيذ عملية الدمج على الأرض، وتحديد مستقبل آلاف المقاتلين، وهيكل القيادة والسيطرة، ومستوى تمثيل الأكراد داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، إلى جانب ضمان الحقوق الثقافية والسياسية للمكونات المختلفة.
كما ستواجه الحكومة الانتقالية تحدياً أكبر يتمثل في تحقيق توازن بين توحيد القرار العسكري والأمني من جهة، والحفاظ على التفاهمات التي تمنع عودة الصراع المسلح من جهة أخرى. ويأتي ذلك في بلد لا تزال تداعيات الحرب والانقسامات الداخلية تلقي بظلالها على المشهد السياسي والأمني.
وبذلك، قد يمثل اتفاق حل قوات سوريا الديمقراطية ودمج عناصرها في مؤسسات الدولة نقطة تحول رئيسية في مسار إعادة توحيد سوريا، لكنه في الوقت نفسه يضع الحكومة الانتقالية أمام اختبار صعب: تحويل الاتفاق السياسي والعسكري إلى واقع مستقر يحظى بقبول مختلف المكونات السورية.
اقرأ المزيد
إطلاق نار داخل مخيم روج.. نساء يتهمن قوات قسد باستهداف خيام تضم أطفالاً وسط تصاعد الاحتجاجات
من هو “جاك ليتس”؟ ولماذا ترفض كندا استعادة معتقليها من العراق؟
واشنطن ترفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. خطوة تاريخية وسط توتر مع إسرائيل

