وطن-اقتحمت قوات إسرائيلية، الثلاثاء، معهد قلنديا للتدريب المهني في كفر عقب شمال القدس الشرقية المحتلة، وأخلت موظفيه قبل أن ترفع العلم الإسرائيلي داخل ساحاته، في خطوة جديدة تستهدف وجود وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في المدينة.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن العملية قادها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، واستهدفت آخر منشأة كانت لا تزال تديرها الأونروا في القدس الشرقية، بعد سلسلة إجراءات إسرائيلية طالت مدارس ومراكز صحية ومقار تابعة للوكالة.
ماذا حدث داخل معهد قلنديا؟
أخلت القوات الإسرائيلية حرم المعهد، الذي تبلغ مساحته نحو 88 دونماً، أي ما يقارب 8.8 هكتار، فيما خضع نحو 40 موظفاً للاستجواب لفترة وجيزة قبل أن يُطلب منهم مغادرة المكان وعدم العودة إليه.
ويُعد معهد قلنديا من أقدم المراكز التعليمية التابعة للأونروا في القدس، إذ قدم على مدى أكثر من 70 عاماً تدريباً مهنياً مجانياً لمئات الطلبة الفلسطينيين من اللاجئين، خصوصاً الشباب والمراهقين.
وعقب السيطرة على الموقع، رفعت القوات الإسرائيلية العلم الإسرائيلي في ساحته، في مشهد اعتبره فلسطينيون رسالة سياسية تتجاوز مجرد إغلاق منشأة تعليمية، وتمس رمزية وجود الأونروا ودورها في خدمة اللاجئين الفلسطينيين.
بن غفير: «لا توجد أونروا»
ونشر إيتمار بن غفير مقطع فيديو من داخل المنشأة، ظهر فيه في ما قال إنه مكتب مدير الأونروا، معلناً: «أنا أجلس في ما كان مكتب مدير الأونروا. في عهدي لا توجد أونروا، ولا توجد إدارة، ولن يكونوا هنا».
وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن السيطرة على المنشأة تمت بناءً على أوامره، في إشارة إلى أن العملية تأتي ضمن سياسة حكومية تستهدف تقليص حضور الأونروا وإنهاء عملها في القدس الشرقية.
الأونروا: انتهاك لحصانة الأمم المتحدة
أدانت الأونروا الاقتحام، مؤكدة أن دخول قوات أمنية مسلحة إلى منشأة تابعة للأمم المتحدة من دون موافقة المنظمة أو تفويض منها يمثل انتهاكاً للحصانات والامتيازات الممنوحة لمؤسسات الأمم المتحدة بموجب القانون الدولي.
وشددت الوكالة على أن مركز قلنديا للتدريب منشأة أممية محمية بالحصانات الدولية، مطالبة باحترام حرمته وعدم المساس بوضعه القانوني.
ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه المواجهة بين إسرائيل والأونروا منذ مصادقة الكنيست عام 2024 على قانون يحظر عمل الوكالة داخل إسرائيل، عقب اتهامات إسرائيلية لبعض موظفيها بالمشاركة في هجوم 7 أكتوبر 2023، وهي اتهامات نفتها الوكالة وأدت إلى تحقيقات وإجراءات دولية.
هل انتهى وجود الأونروا في القدس؟
بدأت إسرائيل تطبيق القيود الجديدة على الأونروا في عام 2025، بما شمل القدس الشرقية المحتلة. وكانت السلطات قد أغلقت ست مدارس وثلاثة مراكز صحية تديرها الوكالة، إضافة إلى مقرها في حي الشيخ جراح. وبذلك أصبح معهد قلنديا آخر منشأة تابعة للأونروا في المدينة قبل السيطرة عليه.
وتزداد حساسية الخطوة بسبب وضع القدس الشرقية، التي ضمتها إسرائيل عام 1980، في إجراء لا يعترف به المجتمع الدولي.
لماذا يمثل معهد قلنديا أهمية خاصة؟
تأسس المعهد عام 1952 على أرض وفرتها الحكومة الأردنية آنذاك، وكان من أوائل المباني التي أنشأتها الأونروا في القدس الشرقية. ويقع المعهد بين كفر عقب ومخيم قلنديا، وكان يوفر سنوياً تدريباً مهنياً لنحو 340 طالباً في 16 تخصصاً. ولا تقتصر أهميته على الجانب التعليمي، إذ يقع في منطقة فلسطينية مكتظة يعتمد سكانها بدرجات متفاوتة على خدمات المؤسسات الدولية.
وقال معروف الرفاعي، مستشار محافظ القدس في السلطة الفلسطينية، إن السيطرة على المعهد جاءت بعد سنوات من التحريض الإسرائيلي ضد الأونروا ومؤسساتها، محذراً من أن استهداف الوكالة يفتح الباب أمام إجراءات أوسع ضد مؤسسات دولية أخرى.
ماذا يحدث في كفر عقب؟
تكتسب العملية أهمية إضافية بسبب موقع المعهد في كفر عقب، الواقعة ضمن الحدود البلدية التي تفرضها إسرائيل لمدينة القدس، لكنها معزولة عملياً عن مركز المدينة بسبب حاجز قلنديا وجدار الفصل. وتعد المنطقة من أكثر المناطق الفلسطينية كثافة في شمال القدس، ويعيش فيها عشرات الآلاف من الفلسطينيين.
وبحسب الرفاعي، فإن المنطقة المحيطة بالمعهد تضم أكثر من 150 ألف فلسطيني، ما يجعل تغيير طبيعة استخدام الموقع قضية تتجاوز المبنى نفسه إلى مستقبل الخدمات التعليمية والاجتماعية في المنطقة.
مواجهات بعد الاقتحام
تزامن اقتحام المعهد مع توتر في محيط مخيم قلنديا للاجئين، حيث أطلقت القوات الإسرائيلية الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع على فلسطينيين تجمعوا احتجاجاً على العملية، بحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”.
هذا وأصيب فتى فلسطيني بالرصاص خلال المواجهات، وفق المصادر التي نقلتها الصحيفة.
وفي الوقت نفسه، قال الجيش الإسرائيلي إن الزيارة التي قام بها النائب تسفي سوكوت إلى المنطقة كانت مصرحاً بها، لكنه أكد أن المشاركين تجاوزوا الإطار المتفق عليه وبدأوا نشاطاً غير مصرح به، قبل أن تتدخل القوات وتوقفه.
هل تستهدف إسرائيل الأونروا أم دورها في قضية اللاجئين؟
يرى مسؤولون فلسطينيون أن القضية تتجاوز إغلاق المؤسسات التابعة للأونروا، لأن الوكالة ترتبط مباشرة بملف اللاجئين الفلسطينيين والخدمات التي تقدمها لهم منذ عقود.
وقال محمد سعيد، مدير العلاقات العامة والإعلام في اللجنة الشعبية للخدمات في مخيم قلنديا، إن السيطرة على المعهد تمثل «استعراض قوة» ضد الفلسطينيين، داعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف أكثر جدية عندما تطال الإجراءات الإسرائيلية مؤسسات تابعة للأمم المتحدة.
وتشير هذه المخاوف إلى أن تقليص حضور الأونروا في القدس لا يتعلق فقط بالتعليم أو الخدمات الصحية، بل يرتبط أيضاً بالصراع الأوسع حول مستقبل اللاجئين الفلسطينيين والجهة التي ستتولى تقديم الخدمات المرتبطة بوضعهم.
ماذا بعد السيطرة على آخر منشأة؟
يفتح الاستيلاء على معهد قلنديا فصلاً جديداً في المواجهة بين إسرائيل والأونروا، بعدما انتقلت الإجراءات ضد الوكالة من القيود القانونية والإدارية إلى السيطرة الميدانية على منشآتها.
وبينما تقول إسرائيل إنها تريد إنهاء نشاط الأونروا، تحذر الوكالة والفلسطينيون من أن استهداف مؤسساتها يهدد خدمات أساسية لمجتمعات اللاجئين ويطرح أسئلة أوسع بشأن احترام الحصانات الدولية.
وهكذا، لا تبدو قصة معهد قلنديا مجرد إغلاق مركز تدريب مهني؛ فالمبنى الذي درّب أجيالاً من الفلسطينيين لأكثر من سبعة عقود أصبح اليوم رمزاً لمعركة أكبر حول الأونرو
اقرأ أيضاً
اقتحامات الأقصى تتصاعد.. صلوات تلمودية وقيود على الفلسطينيين في القدس
نائب إسرائيلي يهدم نصباً فلسطينياً تحت حماية الجنود.. لماذا سارعت حكومة نتنياهو إلى التبرؤ؟

