وطن-في بن قردان، يتصاعد الغضب في الشوارع، فيما تعيش عائلات على وقع الانتظار والخوف على مصير أبنائها. وفي البحر قبالة جرجيس، تتواصل مأساة جديدة بعد غرق قارب كان على متنه 15 مهاجراً، لم ينجُ منهم سوى شخص واحد، بينما تتواصل عمليات البحث عن المفقودين.
وبين احتجاجات في البر ومأساة تتكشف في البحر، تطرح الأحداث سؤالاً يتجاوز تفاصيل الحادثة الأخيرة: لماذا أصبح البحر، رغم مخاطره واحتمالات الموت، خياراً يراه بعض الشباب أفضل من البقاء؟
بن قردان.. غضب في الشوارع ومأساة في البحر
تشهد بن قردان حالة من الاحتقان مع اتساع رقعة الاحتجاجات واندلاع مواجهات مع قوات الأمن واستخدام الغاز المسيل للدموع، في وقت تنتظر فيه عائلات أخباراً عن أبنائها المفقودين.
وفي الجهة المقابلة، يحمل البحر قبالة جرجيس فصلاً جديداً من مأساة الهجرة غير النظامية. فقد كان 15 مهاجراً على متن القارب، قبل أن تتحول رحلة البحث عن مستقبل أفضل إلى كارثة، لم ينجُ منها سوى شخص واحد، فيما لا تزال عمليات البحث عن المفقودين متواصلة.
من حركية الحدود إلى البحث عن طريق للهروب
لا يمكن فصل ما يحدث في بن قردان عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الماضية. فهذه المدينة التي لطالما ارتبطت بحركية الحدود والتجارة، وجدت نفسها أمام واقع مختلف مع تغير الظروف الحدودية وتراجع النشاط الاقتصادي وتقلص فرص العمل.
ومع تراجع المنوال الذي اعتمدت عليه المنطقة لسنوات، يبرز السؤال الأصعب: أين البديل؟
فحين تتقلص فرص العمل ويضيق الأفق أمام الشباب، لا يعود البحث عن الهجرة مجرد رغبة في المغادرة، بل قد يتحول لدى البعض إلى محاولة للخروج من واقع يشعرون بأنه لم يعد يمنحهم فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم.
«الحرقة».. حين يصبح البحر أقل رعباً من الواقع
الهجرة غير النظامية ليست مجرد قرار فردي لشاب يغامر بحياته في قارب متهالك، بل هي أيضاً نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية ونفسية تجعل فكرة الرحيل حاضرة بقوة.
وحين يصبح البحر، بكل ما يحمله من مخاطر، أقل رعباً في نظر البعض من البطالة والتهميش وانعدام الأفق، فإن المأساة تتجاوز قصة مهاجرين إلى سؤال أكبر يتعلق بواقع بلد يفقد جزءاً من شبابه في البحر.
وهنا لا يعود السؤال فقط: لماذا يركب الشباب البحر؟ بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا لم يصبح البقاء في البلاد خياراً مقنعاً بالنسبة إليهم؟
بين الاحتجاجات ومطالب المحاسبة
وفي أعقاب المأساة، ارتفعت أصوات سياسية وحقوقية مطالبة بإعلان يوم حداد وطني، فيما دعت أصوات من بن قردان إلى محاسبة المسؤولين عن الظروف التي دفعت بعض الشباب إلى اعتبار الهجرة المخرج الوحيد من واقعهم.
وتضع هذه المطالب السلطات أمام مسؤولية تتجاوز التعامل مع نتائج الهجرة إلى البحث في أسبابها. فاعتراض القوارب وملاحقة المهربين قد يحدّان من بعض الرحلات، لكنهما لا يقدمان وحدهما إجابة عن الأسباب التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم.
مواجهة الهجرة تبدأ من اليابسة
كم قاربا يجب أن يغرق؟ وكم شاباً يجب أن يختفي؟ وكم عائلة يجب أن تبقى على الشاطئ في انتظار خبر قد لا يأتي، حتى يصبح واضحاً أن معالجة الهجرة لا يمكن أن تبدأ من البحر فقط؟
فمواجهة الهجرة غير النظامية تبدأ قبل القارب، من الظروف التي تدفع الشاب إلى التفكير في ركوبه. وتبدأ من توفير فرص العمل، وتحسين الظروف الاقتصادية، وإعادة بناء الثقة في المستقبل، خصوصاً في المناطق التي تشعر بأنها مهمشة اقتصادياً وتنموياً.
مأساة بن قردان وجرجيس ليست مجرد حادثة جديدة في سجل قوارب الموت. إنها تذكير مؤلم بأن وراء كل قارب عائلة تنتظر، ووراء كل شاب يغامر بحياته قصة من الأحلام والخيبات.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو كيف نمنع الشباب من ركوب البحر فقط، بل كيف نبني لهم حياة تجعلهم لا يريدون ركوبه أصلاً؟
قد يعجبك
أزمة الماء في تونس تتصاعد.. سعيّد يتحدث عن المؤامرة والمواطن يبحث عن الحل
طبيبة طوارئ في سبتة تحذر من ارتفاع محتمل في حالات الجرب والسل بعد موجة الهجرة
الحنفيات جافة والقوارير مفقودة.. أزمة مياه غير مسبوقة تهز تونس
الهجرة تقسم أوروبا.. أزمة سبتة تكشف انقسام الاتحاد الأوروبي وتضع إسبانيا تحت الضغط

