وطن-في تصعيد سياسي واقتصادي جديد، توعدت وزارة الخزانة الأميركية بفرض ما وصفته بـ«أقسى عقوبات في التاريخ» على إيران، في وقت أكد فيه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن محاولات «الأعداء» لدق إسفين بين طهران وبغداد لن تنجح، بل ستدفع البلدين إلى مزيد من التقارب والتعاون.
طهران وبغداد.. تقارب في مواجهة الضغوط
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن تصريحات قاليباف جاءت خلال مشاركته، الخميس، في مراسم أربعينية بمدينة كربلاء العراقية، أقيمت بمناسبة مرور 40 يوماً على دفن المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي.
وشدد قاليباف على أن الروابط بين إيران والعراق لا تقوم فقط على المصالح السياسية، بل تستند أيضاً إلى التاريخ والجغرافيا والمعتقدات الدينية المشتركة.
وأضافت الصحيفة أن قاليباف قال في كلمته إن إيران والعراق «أمتان رفضتا أن تكونا هامشاً في روايات الآخرين، ولم تسمحا بأن يُكتب مصيرهما في العواصم الغربية»، في إشارة إلى رفضه ما يصفه بالتدخلات الأجنبية في شؤون البلدين والمنطقة.
وأكد رئيس البرلمان الإيراني أن طهران وبغداد لن تسمحا لأي حكومة أجنبية بتحديد مستقبلهما، داعياً إلى البناء على التعاون الأمني القائم بين البلدين، والانتقال نحو مرحلة أوسع من التكامل الاقتصادي والتنمية المشتركة.
وبحسب ما نقلته وكالة تسنيم الإيرانية، شدد قاليباف على ضرورة أن تعمل إيران والعراق على إطلاق مشاريع مشتركة من شأنها تحسين مستويات المعيشة، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، والحد من النفوذ الخارجي في المنطقة، معتبراً أن التعاون بين البلدين يمثل ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي.
واشنطن تهدد بأقسى العقوبات
تأتي هذه التصريحات في وقت صعّد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته ضد إيران وحلفائها، متوعداً بفرض «تكاليف هائلة» على أي جهة تتعاون مع الجمهورية الإسلامية، في ظل استمرار الحرب على إيران من دون الوصول إلى تسوية أو حسم واضح.
وكشفت صحيفة “ميدل إيست آي” أن الولايات المتحدة ما زالت عاجزة عن فرض سيطرة عسكرية كاملة على مضيق هرمز، بينما بات وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران شبه منهار، الأمر الذي زاد من حدة التوتر في واحد من أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.
وفي هذا السياق، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الخميس، إن الولايات المتحدة ستفرض «أقسى عقوبات في التاريخ» على إيران، متعهداً بتكثيف الضغط الاقتصادي على الجمهورية الإسلامية، رغم ارتفاع الكلفة الاقتصادية للحرب وانعكاساتها على الأسواق العالمية.
وأضاف بيسنت في مقابلة مع شبكة سي إن بي سي الأميركية: «إنها ضربة مزدوجة. لدينا الحصار على إيران، وسنفرض أقسى عقوبات في التاريخ»، قبل أن يضيف: «ستنجح هذه السياسة في إيران، وسنُسقط هذا النظام»، موضحاً أن تفاصيل العقوبات الجديدة سيتم الإعلان عنها يوم الاثنين.
إيران تندد بـ«الإرهاب الاقتصادي»
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، جاءت تصريحات بيسنت بعد يوم واحد من إعلان ترامب أنه بصدد إطلاق ما سماه «يوم إنزال اقتصادي» ضد إيران، محذراً من أن أي دولة تساعد طهران ستواجه «عواقب اقتصادية هائلة».
وردت إيران على التهديدات الأميركية بالقول إن العقوبات الجديدة ستستهدف المواطنين الإيرانيين العاديين بالدرجة الأولى، ووصفتها بأنها شكل من أشكال «الإرهاب الاقتصادي» و«جرائم ضد الإنسانية»، في استمرار للخطاب الإيراني الرافض لاستخدام العقوبات كأداة ضغط سياسي.
النفط في قلب التصعيد
وتزامن التصعيد الأميركي مع أزمة متنامية في أسواق الطاقة، إذ تواجه إدارة ترامب ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع أسعار النفط، في وقت تحاول فيه احتواء ارتفاع تكاليف الاقتراض وتأثيرات الحرب على الاقتصاد الأميركي والعالمي.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن خام برنت، وهو المعيار العالمي لأسعار النفط، ارتفع بنسبة 2% يوم الخميس، ليصل إلى 93.41 دولاراً للبرميل، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر.
كما أدت الحرب إلى اضطراب واسع في حركة الشحن البحري العالمية، حيث قفزت تكلفة استئجار ناقلات النفط بشكل حاد.
وارتفع صندوق “بي دبليو إي تي” المتداول في البورصة، والذي يتيح للمستثمرين المراهنة على أسعار الشحن، بنسبة 98% خلال الشهر الماضي، في مؤشر على حجم القلق في أسواق النقل والطاقة.
وعند سؤاله عن ارتفاع أسعار الطاقة، قال بيسنت لشبكة سي إن بي سي: «لدينا معلومات غير متماثلة، ولست متأكداً من سبب صعود النفط بهذه الطريقة»، في محاولة للتقليل من ارتباط الارتفاع المباشر بالتصعيد العسكري والاقتصادي ضد إيران.
مضيق هرمز يفاقم أزمة الطاقة
وبحسب الصحيفة، واصلت إيران مهاجمة سفن في مضيق هرمز، بينما فرض حليفها في اليمن، جماعة أنصار الله المعروفة باسم الحوثيين، حصاراً بحرياً على السعودية في البحر الأحمر، ما زاد من تعقيد حركة الملاحة ورفع مخاطر نقل النفط عبر الممرات البحرية الحيوية.
وأشارت ميدل إيست آي إلى أن السعودية، التي تعتمد على هذه الممرات لتصدير النفط، اضطرت إلى نقل الخام عبر خطوط أنابيب باتجاه البحر المتوسط عبر مصر، في محاولة لتجاوز الاضطرابات البحرية وتقليل مخاطر توقف الصادرات.
واشنطن تضغط على الصين
وفي تطور لافت، دعا وزير الخزانة الأميركي الصين إلى أن «تنضم إلى البرنامج» بشأن العقوبات المقترحة ضد إيران، معتبراً أن بكين ستكون من المستفيدين من إعادة فتح مضيق هرمز وخفض أسعار الطاقة.
ورداً على سؤال من “سي إن بي سي” حول ما إذا كانت واشنطن قد تستهدف الصين بسبب تعاملاتها التجارية مع إيران، قال بيسنت إن مثل هذه النقاشات من الأفضل أن تجري في إطار خاص، لكنه أكد أن الولايات المتحدة واثقة من أن الجميع يرغب في إعادة فتح المضيق وخفض أسعار الطاقة.
وأضاف الوزير الأميركي أن الصين تحصل على 50% من احتياجاتها من الطاقة من داخل الخليج، قائلاً إن انخراطها في المسار الأميركي «سيقدم لها خدمة كبيرة»، في إشارة إلى محاولة واشنطن دفع بكين للابتعاد عن طهران تحت ضغط أزمة الطاقة والعقوبات.
مواجهة تتجاوز الحرب
وتعكس التطورات الأخيرة اتساع نطاق المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران من المجال العسكري إلى الاقتصادي والبحري، مع دخول أسواق النفط والشحن العالمية على خط الأزمة.
وفي المقابل، تسعى طهران إلى تعزيز علاقاتها الإقليمية، ولا سيما مع بغداد، في محاولة لمواجهة الضغوط الأميركية المتصاعدة، وتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني مع حلفائها في المنطقة.
وبينما تستعد واشنطن للإعلان عن حزمة جديدة من العقوبات التي تصفها بأنها «الأقسى في التاريخ»، تبدو إيران ماضية في تعزيز شراكاتها الإقليمية، في وقت أصبح فيه مضيق هرمز وأسواق الطاقة أحد أبرز ساحات المواجهة غير المباشرة بين الطرفين.
اقرأ المزيد
الناتو يرفع الجاهزية بعد تهديدات إيرانية محتملة باستهداف أصول أمريكية في أوروبا
الولايات المتحدة تستعد لفرض «أقسى عقوبات في التاريخ» على إيران وسط صدمة جديدة لأسواق النفط
ناقلات النفط تحصد 510 آلاف دولار يومياً وسط توتر مضيق هرمز.. حرب الخليج تقلب سوق الشحن العالمي

