وطن-في مقابلة واسعة أجرتها معه صحيفة “ميدل إيست آي” في مكتبه بالعاصمة بيروت، قال القيادي البارز في حزب الله نواف الموسوي إن المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية لن تقود إلى أي نتيجة ما لم يمتلك لبنان أوراق قوة حقيقية على الطاولة، معتبراً أن إسرائيل «لن تنسحب من جنوب لبنان عبر التفاوض وحده».
وأكد الموسوي، الذي يتولى في حزب الله ملف الحدود والموارد ويُعد من أبرز المسؤولين عن الملفات المرتبطة بإسرائيل داخل الحزب، أن «تحرير جنوب لبنان يتطلب استخدام القوة»، مشدداً على أن الحزب سيواصل القتال ضد القوات الإسرائيلية الموجودة داخل الأراضي اللبنانية إلى حين انسحابها الكامل.
وقال الموسوي لصحيفة “ميدل إيست آي“: «هل يوجد ضغط دولي يجبر الإسرائيليين على الانسحاب؟ حتى الآن لا يوجد، كما لم يكن هناك ضغط مماثل في فلسطين». وأضاف: «لذلك لا خيار أمامنا سوى مواصلة قتال الاحتلال الإسرائيلي حتى ينسحب».
وبحسب ما أوردته الصحيفة، يرى القيادي في حزب الله أن الرئيس اللبناني جوزيف عون دخل المفاوضات مع إسرائيل من دون امتلاك أدوات ضغط كافية، ومن دون شراكة وطنية واسعة، الأمر الذي يجعل فرص نجاح هذه المفاوضات محدودة للغاية، خصوصاً في ظل استمرار القصف والاشتباكات على الجبهة الجنوبية.
حزب الله وجبهة الإسناد بعد 7 أكتوبر
وأشارت صحيفة “ميدل إيست آي” إلى أن حزب الله بدأ تنفيذ ضربات عبر الحدود ضد إسرائيل في اليوم التالي لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي قادتها حركة حماس، معلناً فتح ما وصفه بـ«جبهة إسناد» بهدف تشتيت جزء من القدرات العسكرية الإسرائيلية مع بداية الحرب على غزة.
ومنذ ذلك الوقت، خاض حزب الله وإسرائيل حربين، بحسب الصحيفة. الحرب الأولى أدت إلى إضعاف جزء كبير من القدرات العسكرية للحزب، كما أسفرت عن مقتل عدد من قياداته البارزة، بينهم أمينه العام التاريخي حسن نصر الله.
وقال الموسوي في المقابلة: «كنا نؤدي واجبنا تجاه المقاومة الفلسطينية، ولم يكن سراً أننا كنا نقدم لها الدعم حيثما استطعنا». وأضاف أن الحزب يعتبر دعمه للفلسطينيين جزءاً من موقفه السياسي والعقائدي في مواجهة إسرائيل.
أما الحرب الثانية، وفق ما نقلته “ميدل إيست آي”، فقد اندلعت في مارس على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ومقتل آية الله علي خامنئي، الذي وصفته الصحيفة بأنه كان شخصية روحية وسياسية ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى حزب الله.
وتشير تقارير حزب الله ووسائل إعلام إسرائيلية، بحسب الصحيفة، إلى أن التصعيد الذي بدأه الحزب في مارس كان يهدف أيضاً إلى استباق هجوم إسرائيلي جديد على لبنان، بعد فترة امتدت 15 شهراً اتهم خلالها الحزب إسرائيل بانتهاك وقف إطلاق النار بشكل متكرر وترسيخ وجودها في مناطق لبنانية محتلة على طول الحدود.
انتقادات داخلية وخسائر كبيرة في لبنان
قرار حزب الله الدخول في مواجهة مرتبطة بالحرب على إيران، وتوسيع نطاق الاشتباك مع إسرائيل، قوبل بانتقادات وغضب من أطراف لبنانية عديدة، فضلاً عن انتقادات خارجية، خصوصاً مع ارتفاع كلفة الحرب داخل لبنان.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي”، قُتل ما لا يقل عن 4348 شخصاً في لبنان منذ مارس، فيما توسعت مساحة الأراضي اللبنانية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة نفسها.
لكن الموسوي رفض تحميل حزب الله مسؤولية ما جرى، معتبراً أن «المسؤولية تقع على إسرائيل بوصفها قوة احتلال». وقال: «في مرحلة من المراحل، زعمت الدعاية الإسرائيلية أن حركة فتح هي المشكلة. ثم أصبحت حماس هي المشكلة. وفي المستقبل سيقال إن أي تنظيم فلسطيني يسعى إلى تحرير أرضه هو المشكلة».
وأضاف القيادي في حزب الله: «المشكلة دائماً هي الاحتلال، لا التنظيم الذي يقاوم هذا الاحتلال. واليوم يقولون إن حزب الله هو المشكلة». وتابع أن إسرائيل ستعارض أي تنظيم يعبّر عن إرادة اللبنانيين في تحرير أرضهم «حتى لو كان اسمه الحزب الديمقراطي الأميركي».
وبحسب الصحيفة، يرى الموسوي أن الهجمات الإسرائيلية المدعومة أميركياً على فلسطين ولبنان منذ أكتوبر 2023 تهدف إلى إحداث مستوى من الدمار يجعل الشعوب الواقعة تحت الاحتلال تعتقد أن خيار المقاومة سيقود إلى تدميرها.
وقال: «الشعب الفلسطيني جرّب طريق المفاوضات عبر منظمة التحرير الفلسطينية حتى نهايته، ومع ذلك لم يحصل على دولة فلسطينية». وأضاف: «ماذا يمكنه أن يفعل؟ أن يستسلم للجانب الإسرائيلي؟ حتى الاستسلام غير مقبول لدى الإسرائيليين، لأن ما تريده إسرائيل هو إبادة الشعب الفلسطيني».
مفاوضات مباشرة وإطار أميركي مثير للجدل
منذ أبريل، دخلت الدولة اللبنانية، عبر رئاسة الجمهورية والسفارة اللبنانية في واشنطن، في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بهدف التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وفصل لبنان عن الحرب على إيران.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن هذه المحادثات أفضت إلى إطار مدعوم من الولايات المتحدة، يُفترض أن يحدد مساراً لإنهاء الأعمال القتالية بين إسرائيل وحزب الله.
غير أن هذا الإطار أثار اعتراضات واسعة داخل لبنان، إذ طرحت قوى سياسية أسئلة حول السيادة اللبنانية، وآليات المحاسبة، والبنود التي تضع التزامات على الجانب اللبناني قبل الحصول على تعهدات إسرائيلية واضحة.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، رفض حزب الله هذا الإطار، معتبراً أنه لا يضمن انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها، والتي تقدر بنحو 6% من الأراضي اللبنانية، ولا يضمن عودة مئات الآلاف من النازحين إلى جنوب لبنان.
ويُعد نواف الموسوي من الشخصيات التي شاركت سابقاً في ملفات تفاوضية معقدة، إذ تولى في مراحل سابقة مسؤولية العلاقات الخارجية في حزب الله، وكان نائباً في البرلمان اللبناني، وشارك في ملفات تفاوضية مرتبطة بحرب 2006 وبالحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.
وقال الموسوي لصحيفة “ميدل إيست آي” منتقداً أداء الدولة اللبنانية في المفاوضات: «حتى الآن، لم تحقق السلطات اللبنانية أي نتيجة».
«لا تفاوض بلا أوراق قوة»
وأوضح الموسوي أن الجيش اللبناني سُمح له، ضمن الإطار المطروح، بالانتشار في قرية واحدة في جنوب لبنان، رغم أن القوات الإسرائيلية لم تكن قد احتلتها أصلاً. أما المحاولات المتعلقة باستعادة قرى أخرى خاضعة للاحتلال الإسرائيلي فلم تنجح حتى الآن، في ظل تصاعد القصف والاشتباكات.
وقال: «مشكلة المفاوضات التي دخل فيها رئيس الجمهورية الآن أنه دخل إليها من دون وحدة وطنية». وأضاف: «ما يقوم به لا يحظى بموافقة القوى السياسية اللبنانية، وفي لبنان لا يمكن اتخاذ خطوات من هذا النوع إلا بتوافق وطني».
واعتبر الموسوي أن التفاوض مع إسرائيل له شروط أساسية، في مقدمتها امتلاك أوراق ضغط. وقال إن الرئيس جوزيف عون كان يمكن أن يحقق نتائج أفضل لو عمل بتنسيق كامل مع حزب الله، مستخدماً المقاومة المسلحة كورقة ضغط على الجانب الإسرائيلي.
وأضاف في حديثه مع “ميدل إيست آي”: «المقاومة، على سبيل المثال، مصدر قوة، لكنه اختار أن يضع نفسه في مواجهة المقاومة». وتابع: «كيف يمكنك أن تحقق التحرير وأنت على خلاف مع شعبك؟ هذه هي مشكلة الرئيس».
نصف مليون نازح من الجنوب
رغم حديث حزب الله عن المقاومة بوصفها الطريق لتحرير الأرض، تشير المعطيات التي أوردتها الصحيفة إلى أن نحو نصف مليون لبناني نزحوا خلال الحرب الأخيرة، معظمهم من أبناء الطائفة الشيعية التي يقول حزب الله إنه يمثلها ويحميها.
وبحسب “ميدل إيست آي”، غيّر حزب الله تكتيكاته العسكرية باتجاه السماح لوحداته بالانسحاب من بعض المناطق، ثم استهداف القوات الإسرائيلية بعد دخولها إليها. وقد أثبت هذا الأسلوب فعالية ميدانية، لكنه ساهم أيضاً في وقوع مساحات إضافية من جنوب لبنان تحت الاحتلال.
ويرى الموسوي أن المقاومة المسلحة هي الطريق الوحيد لإعادة النازحين إلى بيوتهم، أو على الأقل إلى أراضيهم بعد أن دمرت إسرائيل عدداً من القرى والبلدات الجنوبية.
وقال: «طريقتنا لإعادة أهلنا إلى الجنوب هي تحرير أرضهم. وتحرير الأرض يتطلب قتال الاحتلال الإسرائيلي وطرده». وأضاف: «هذا ما فعلناه عام 2000، وهذا هو طريقنا».
واعتبر الموسوي أن الرئيس جوزيف عون كان سيصبح «بطلاً» لو استطاع انتزاع انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، لكنه لم يتمكن، على حد قوله، حتى من وقف التدمير داخل القرى المحتلة. وأضاف: «رغم كل التنازلات التي قدمها الرئيس، لم يمنحه الإسرائيليون أي مكسب. لذلك لا خيار أمامنا سوى المقاومة».
ملف سلاح حزب الله يعود إلى الواجهة
إلى جانب المفاوضات مع إسرائيل، يخيّم ملف سلاح حزب الله على العلاقة بين الحزب والدولة اللبنانية. فبعد أيام من إطلاق الحزب ستة صواريخ باتجاه إسرائيل في 2 مارس، رداً على مقتل خامنئي، أعلن رئيس الوزراء نواف سلام حظر النشاط العسكري لحزب الله، مؤكداً أن الدولة يجب أن تحتكر استخدام السلاح.
وبحسب ما نقلته صحيفة “ميدل إيست آي”، تصاعدت منذ ذلك الوقت ضغوط من إسرائيل والولايات المتحدة، إضافة إلى أطراف داخلية لبنانية، لدفع الجيش اللبناني إلى لعب دور أكثر مباشرة وحزماً في مواجهة حزب الله، بما في ذلك ملف نزع سلاحه المحتمل.
ويرى الموسوي أن الإطار الأميركي المقترح صُمم لإنتاج هذا السيناريو، قائلاً إنه يهدف إلى «نقل المشكلة إلى داخل لبنان، بحيث يقاتل اللبنانيون بعضهم بعضاً بدلاً من قتال الاحتلال الإسرائيلي».
وقال: «لا أعتقد أن أحداً في لبنان يمكن أن يحمل السلاح ضد المقاومة التي تواجه الاحتلال، لأن ذلك سيعني تدميره قبل تدمير لبنان». ثم تساءل: «هل ينوي رئيس الجمهورية قتال المقاومة؟».
وأضاف: «حتى لو كان يفكر بهذه الطريقة، فلن يستطيع فعل ذلك، لأن الجيش والأجهزة الأمنية في لبنان لا تعود إلى الرئيس، بل إلى الشعب اللبناني، والشعب اللبناني لن يقاتل نفسه».
سيناريو سوريا وتركيا
وتطرقت “ميدل إيست آي” إلى سيناريو آخر طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يقوم على أن يستخدم الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي قاتل حزب الله لعقد في سوريا، جيش بلاده لمواجهة الحزب.
ورد الموسوي على هذا الطرح بالقول إنه «تمنيات لا يمكن أن تتحول إلى واقع». وأشار إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الحليف الوثيق للشرع، قال مؤخراً إن أمن تركيا يبدأ من بيروت.
واعتبر الموسوي أن تصريح أردوغان جاء في سياق مواجهة التوسع الإسرائيلي، متسائلاً: «كيف يمكن للحكومة السورية الجديدة، الحليفة لتركيا، أن تتحول إلى أداة لخدمة مصالح بنيامين نتنياهو وتوسيع نفوذه في المنطقة؟».
وفي إشارة لافتة، فتح الموسوي الباب أمام حوار محتمل مع دمشق عبر أنقرة، قائلاً: «نحن منخرطون في حوار حقيقي وفاعل مع تركيا، ومن خلاله يمكن فتح مسارات جديدة مع القوى الناشئة في المنطقة».
حزب الله بعد حرب 2024: اختراقات إسرائيلية وجيل جديد
بعد حرب 2024، بدا الجناح العسكري لحزب الله وكأنه تعرض لضربة قاسية، بعدما قُتل معظم قادته ومسؤوليه العسكريين ونوابهم، وظهرت تقديرات تفيد بأن الحزب لم يعد قادراً على مواجهة إسرائيل بشكل مباشر في المستقبل القريب.
لكن صحيفة “ميدل إيست آي” قالت في تحقيق نشرته في وقت سابق من الشهر الجاري إن حزب الله أعاد تنظيم صفوفه وركز بصورة أكبر على برنامج الطائرات المسيرة، مستعيناً بعناصر من ذوي الخبرة في ألعاب الفيديو لتطوير هذا المجال وتشغيله.
واعترف الموسوي بأن حزب الله تعرض لاختراق كبير من جانب الاستخبارات الإسرائيلية، لكنه قال إن إسرائيل تواجه اليوم «جيلاً لا تعرفه».
وأوضح أن الجيل الرابع من القادة العسكريين في حزب الله لم يكن مدرجاً على قوائم الاستهداف الإسرائيلية، سواء من الناحية الاستخباراتية أو العملياتية. وأضاف: «لذلك يعمل الإخوة الآن بقدر أكبر من السهولة مقارنة بإخوانهم الذين استشهدوا قبلهم».
وبذلك، تضع تصريحات نواف الموسوي المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية أمام معادلة شديدة التعقيد: دولة تبحث عن تسوية بضمانات أميركية، وحزب الله يرى أن أي تفاوض بلا قوة ضغط محكوم بالفشل، فيما يبقى جنوب لبنان عالقاً بين الاحتلال والنزوح والتصعيد العسكري المفتوح.
اقرأ المزيد
ترامب طلب اتصالًا مباشرًا مع حزب الله عبر السفيرة اللبنانية.. ومصادر تكشف كواليس الرفض
العراق يحقق في تهريب أسلحة إلى حزب الله عبر سوريا وسط ضغوط أمريكية واختبار أمني جديد
طارق متري: الإطار المطروح مع إسرائيل ليس اتفاقاً نهائياً.. ونزع سلاح حزب الله قضية سياسية
احتجاجات في بيروت ضد اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة.. وحزب الله يرفض نزع السلاح

