وطن-أثار بقاء مصر خارج التحالف الدفاعي الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان تساؤلات حول الأسباب التي دفعت القاهرة إلى عدم الانضمام إلى الترتيب الأمني الجديد، خصوصاً في ظل العلاقات الوثيقة التي تربط مصر بالدول الثلاث، والمشاركة المصرية السابقة في تحركات إقليمية هدفت إلى تعزيز التنسيق الدفاعي.
وتطرح هذه الخطوة سؤالاً رئيسياً حول ما إذا كانت الالتزامات القانونية والسياسية المرتبطة بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية تمثل أحد العوامل التي حدّت من قدرة القاهرة على الانضمام إلى تحالف عسكري جديد، إلى جانب حسابات أخرى تتعلق بالتوازنات الإقليمية والدولية.
تحالف دفاعي جديد في المنطقة
يجمع الترتيب الدفاعي الجديد السعودية وتركيا وباكستان، في خطوة تعكس اتجاهاً نحو تعزيز التعاون العسكري والأمني بين عدد من القوى الإقليمية.
أما مصر، التي كانت جزءاً من تحركات سابقة للتنسيق مع الدول الثلاث، فقد اختارت عدم الانضمام إلى الاتفاق، وهو قرار فتح الباب أمام تساؤلات حول حسابات القاهرة والقيود التي قد تواجهها في حال قررت الدخول في تحالفات عسكرية ذات التزامات متبادلة.
بند الدفاع المشترك يثير المعضلة
بحسب التحليل المشار إليه في المادة، تكمن إحدى نقاط التعقيد في طبيعة الالتزام الدفاعي الذي يقوم عليه الاتفاق، إذ ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على دولة عضو هجوماً على بقية الأعضاء.
وهذا النوع من الالتزامات يمكن أن يضع أي دولة عضو أمام ضرورة اتخاذ موقف عسكري في حال تعرض حليف لهجوم، وهو ما يجعل الانضمام إلى التحالف قراراً يتجاوز التعاون السياسي أو التدريبات العسكرية المشتركة.
معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية
في المقابل، ترتبط مصر بمعاهدة السلام مع إسرائيل الموقعة عام 1979، والتي تشكل أحد أهم أطر سياستها الأمنية والعسكرية منذ عقود.
وتكتسب المادة السادسة من المعاهدة أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تتناول العلاقة بين الالتزامات الناشئة عن المعاهدة والالتزامات الدولية الأخرى لمصر.
ومن هنا يبرز التساؤل حول كيفية تعامل القاهرة مع أي التزام دفاعي جديد إذا نشأ تعارض محتمل بين التزامات التحالف الجديد والتزاماتها بموجب معاهدة السلام.
ماذا لو اندلعت مواجهة إقليمية؟
المعضلة تصبح أكثر حساسية في حال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة في المنطقة، وطلب من مصر تنفيذ التزاماتها تجاه حليف في التحالف الجديد في مواجهة طرف يرتبط بإسرائيل بعلاقة مباشرة أو غير مباشرة.
في مثل هذا السيناريو، قد تجد القاهرة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، بين التزامات دفاعية جديدة من جهة، والمحافظة على الإطار القانوني والسياسي الذي يحكم علاقاتها مع إسرائيل من جهة أخرى.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن معاهدة السلام تمنع مصر تلقائياً من الانضمام إلى أي تحالف دفاعي، لكن طبيعة الالتزامات التي يفرضها أي اتفاق جديد تظل عاملاً مهماً في حسابات القاهرة.
حسابات تتجاوز إسرائيل
ولا تقتصر الاعتبارات المصرية على العلاقة مع إسرائيل وحدها.
فالقاهرة تسعى كذلك إلى تجنب الانخراط في سباق تسلح إقليمي جديد أو الدخول في صراعات عسكرية مفتوحة مع إيران والحوثيين وفصائل مسلحة في العراق، في وقت تحافظ فيه على شبكة واسعة من العلاقات مع الولايات المتحدة ودول الخليج وإسرائيل واليونان وقبرص والهند.
وتفرض هذه العلاقات على السياسة المصرية المحافظة على قدر كبير من المرونة، خصوصاً في منطقة تتداخل فيها الملفات الأمنية والطاقة والملاحة والتنافس الجيوسياسي.
لماذا اختارت القاهرة البقاء خارج التحالف؟
لذلك، فإن قرار مصر عدم الانضمام إلى التحالف الجديد يمكن قراءته باعتباره محاولة للحفاظ على هامش واسع من الحركة السياسية والعسكرية، بدلاً من الدخول في التزامات قد تفرض عليها مستقبلاً اتخاذ موقف حاسم في صراع إقليمي لا يتوافق بالضرورة مع مصالحها.
فالقاهرة لم تغلق الباب أمام التعاون مع السعودية وتركيا وباكستان، لكنها في الوقت نفسه تبدو حريصة على عدم الانتقال من التعاون الأمني المرن إلى تحالف دفاعي ملزم.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأبرز: هل كان ابتعاد مصر عن تحالف مكة نابعاً من مخاوف قانونية مرتبطة بمعاهدة السلام مع إسرائيل، أم من رغبة أوسع في الحفاظ على توازناتها الإقليمية والدولية؟
اقرأ المزيد
“اتفاق مكة” يقلق محمد بن زايد.. هل بدأت أبوظبي معركة احتواء التحالف السعودي التركي الباكستاني؟
اتفاق مكة يشعل صراع التحالفات.. لماذا تهاجم الإمارات باكستان وتقلق من المحور السعودي التركي؟
غياب مصر عن اتفاق مكة يثير التساؤلات.. هل تنضم لاحقاً إلى تحالف السعودية وتركيا وباكستان؟
اتفاق دفاعي ثلاثي مرتقب بين السعودية وتركيا وباكستان قد يغيّر توازنات المنطقة..

