وطن-هل يمكن أن تكون كثرة اللقاءات مع الأصدقاء أقل إرضاءً لبعض الأشخاص الأكثر ذكاءً؟ دراسة شملت أكثر من 14 ألف شاب أمريكي وجدت علاقة إحصائية لافتة بين الذكاء اللفظي، وكثرة التفاعل مع الأصدقاء، والرضا عن الحياة، لكنها في الوقت نفسه كشفت أن هذه العلاقة ضعيفة للغاية ولا تعني أن الأذكياء يفضلون العزلة أو أنهم يحتاجون إلى أصدقاء أقل.
ماذا وجدت الدراسة؟
أعاد الباحثان نورمان لي وساتوشي كانازاوا تحليل بيانات مأخوذة من دراسة أمريكية واسعة تُعرف باسم “الدراسة الطولية الوطنية لصحة المراهقين إلى البالغين”، وشملت في الأصل 15,197 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاماً.
وقاس الباحثون الذكاء من خلال اختبار للقدرات اللفظية، بينما قِيس الرضا عن الحياة على مقياس من خمس درجات. أما الحياة الاجتماعية فتم تقييمها وفق عدد المرات التي التقى فيها المشاركون بأصدقائهم أو تحدثوا معهم هاتفياً لأكثر من خمس دقائق خلال الأيام السبعة السابقة.
وأظهرت النتائج أن العلاقة بين التواصل الاجتماعي والرضا عن الحياة كانت أكثر إيجابية لدى الأشخاص ذوي الدرجات الأقل في اختبار الذكاء، بينما ضعفت تدريجياً كلما ارتفعت درجات الذكاء، وصولاً إلى ارتباط سلبي طفيف لدى أصحاب الدرجات الأعلى.
لكن المفاجأة ليست كما تبدو
على الرغم من أن النتيجة كانت ذات دلالة إحصائية، فإن حجمها كان ضئيلاً جداً. فعلى سبيل المثال، عند مستوى ذكاء مرتفع نسبياً، بلغ الفرق المتوقع في الرضا عن الحياة بين الأشخاص الأكثر والأقل تفاعلاً مع أصدقائهم نحو 0.025 نقطة فقط من أصل 5 نقاط.
وهذا يعني أن تحويل النتيجة إلى عبارة مثل «الأذكياء يكونون أكثر سعادة عندما يبتعدون عن أصدقائهم» سيكون مبالغة كبيرة في تفسير الدراسة.
الأذكياء لم يكونوا أكثر عزلة
ومن النقاط المهمة أن أصحاب الدرجات الأعلى في اختبار الذكاء لم يكونوا أقل اختلاطاً بالآخرين. بل أظهرت البيانات ارتباطاً إيجابياً بين درجة الذكاء وتكرار التفاعلات الاجتماعية.
وبالتالي، لا تدعم الدراسة فكرة أن الأشخاص الأكثر ذكاءً يفضلون الوحدة أو أنهم لا يحتاجون إلى الأصدقاء.
جودة الصداقة أهم من عدد اللقاءات
تتمثل المشكلة الأساسية في أن الدراسة قاست عدد مرات التواصل أكثر مما قاست طبيعة العلاقات، فلقاء صديق مقرّب وقضاء ساعات في حديث عميق يمكن أن يكون مختلفاً تماماً عن مكالمة هاتفية قصيرة، ومع ذلك يمكن أن يدخل كلاهما في مقياس التفاعل الاجتماعي المستخدم في الدراسة.
كما أن البحث لم يقس بصورة كافية مدى قوة الصداقة، أو الدعم النفسي الذي توفره، أو ما إذا كانت اللقاءات اختيارية وممتعة أم مفروضة بسبب الدراسة والعمل والالتزامات الاجتماعية.
أسبوع واحد لا يكفي للحكم على الحياة الاجتماعية
هناك أيضاً أمر مهم آخر: فالباحثون اعتمدوا على عدد التفاعلات التي حدثت خلال الأيام السبعة السابقة فقط، ثم قارنوها بسؤال عام حول مدى رضا الشخص عن حياته.
وهذا يعني أن أسبوعاً استثنائياً، مثل فترة امتحانات أو عطلة أو مناسبة عائلية، يمكن أن يرفع أو يخفض عدد اللقاءات من دون أن يعكس نمط حياة الشخص الحقيقي على المدى الطويل.
هل العزلة تجعل الأذكياء أكثر سعادة؟
لا تثبت النتائج أن تقليل العلاقات الاجتماعية يؤدي إلى زيادة السعادة لدى الأشخاص الأكثر ذكاءً. كما أنها لا تثبت أن الذكاء يسبب اختلافاً في الطريقة التي يستفيد بها الإنسان من أصدقائه.
وقد تكون هناك عوامل أخرى لم تُقَس في الدراسة، مثل الشخصية، والعمل، والوضع الاقتصادي، والصحة، ونوعية العلاقات، تؤثر في الوقت نفسه في الحياة الاجتماعية والرضا عن الحياة.
وفي الحقيقة، لم تجد الدراسة أن الأذكياء لا يحتاجون إلى الأصدقاء، ولم تثبت أن الوحدة تجعلهم أكثر سعادة. ما وجدته هو أن العلاقة بين التفاعل مع الأصدقاء والرضا عن الحياة تختلف قليلاً باختلاف مستوى الذكاء اللفظي، لكن حجم هذا الاختلاف كان صغيراً جداً.
والأهم أن السعادة لا تُقاس بعدد الأصدقاء أو بعدد اللقاءات فقط؛ فقد يكون عمق العلاقة وجودتها والدعم الذي توفره أهم بكثير من مجرد عدد المرات التي نلتقي فيها بالآخرين.
اقرأ المزيد
هل السعادة في منتصف العمر وهمٌ علمي؟ دراسات جديدة تعيد رسم خريطة الرضا عبر مراحل الحياة
3 عادات يومية تجعلك أكثر سعادة وتساعد على إطالة العمر.. ماذا كشفت دراسة هارفارد؟
علم الأعصاب يكشف مفاجأة: الدماغ يبلغ نضجه الفكري الكامل في سن متأخرة أكثر مما نعتقد

