وطن-تواجه الحكومة الإسبانية واحدة من أكثر أزمات الهجرة تعقيداً على حدودها الجنوبية، بعدما شهدت مدينة سبتة تدفقاً غير مسبوق للمهاجرين القادمين من المغرب، في تطور أعاد إلى الواجهة الاتهامات باستخدام الهجرة كورقة ضغط سياسية بين الدول.
وترى صحيفة “إل إنديبندينتي” الإسبانية أن ما جرى في سبتة لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد أزمة إنسانية أو خللاً أمنياً مؤقتاً، بل يمثل ـ وفق توصيفها ـ “هجوماً هجيناً” استخدمت فيه الهجرة أداة للضغط السياسي، على غرار الأزمة التي شهدتها الحدود بين بولندا وبيلاروسيا عام 2021.
سانشيز يطلب دعماً أوروبياً
وبحسب الصحيفة، وجّه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز انتقادات إلى 22 حكومة أوروبية بسبب ما وصفه بـ”المواقف الأنانية والاستقطابية وغير القانونية” في التعامل مع أزمة سبتة، بعدما حمّلت عدة عواصم مدريد مسؤولية حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وفي محاولة لحشد موقف أوروبي موحد، دعا سانشيز إلى عقد اجتماع عاجل لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي لبحث التطورات، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومة الإسبانية.
الصحيفة: المشكلة ليست المافيات بل المغرب
وترى “إل إنديبندينتي” أن مدريد لن تنجح في كسب دعم أوروبي واسع ما لم تُغيّر روايتها الرسمية للأزمة، معتبرة أن تحميل شبكات تهريب البشر وحدها المسؤولية لا يعكس حقيقة ما جرى.
وتؤكد الصحيفة أن إسبانيا مطالبة بالقول صراحة إن المغرب استخدم الهجرة وسيلة ضغط سياسية، وهو توصيف من شأنه أن يمنح مدريد أدوات قانونية وسياسية أوسع داخل الاتحاد الأوروبي.
هل كان المغرب على علم؟
ونقلت الصحيفة عن خبراء في شؤون المغرب العربي أن عبور عشرات الآلاف من الأشخاص نحو سبتة لا يمكن أن يحدث دون علم السلطات المغربية.
ويرى هؤلاء أن خروج ما يقارب ستين ألف مغربي باتجاه الحدود الإسبانية يصعب تفسيره باعتباره تحركاً عفوياً، في ظل الرقابة الأمنية المشددة التي تفرضها الرباط على حدودها.
لماذا لم تستدع مدريد السفيرة المغربية؟
وتساءلت الصحيفة عن سبب استدعاء الحكومة الإسبانية للسفير الإيطالي على خلفية تصريحات سياسية، في حين لم تستدع السفيرة المغربية لطلب توضيحات بشأن موجة العبور الجماعي نحو سبتة.
وبحسب الصحيفة، فضّلت مدريد التركيز على تحميل شبكات التهريب مسؤولية استغلال حكم المحكمة العليا الإسبانية الذي يمنع الإعادة الفورية للمهاجرين الوافدين بحراً.
لكنها تساءلت: إذا كانت الحكومة تعلم بإمكانية استغلال هذا الحكم، فلماذا لم تتخذ إجراءات وقائية مسبقة، مثل نشر الحواجز العائمة أو تعزيز الرقابة البحرية؟
أوروبا تراقب بقلق
وأشارت الصحيفة إلى أن صور التدفق الجماعي للمهاجرين نحو سبتة أثارت قلقاً واسعاً داخل الاتحاد الأوروبي، في وقت لم تتمكن فيه الحكومة الإسبانية من شرح سياساتها الجديدة المتعلقة بتسوية أوضاع المهاجرين بصورة واضحة لشركائها الأوروبيين.
وترى الصحيفة أن هذا الغموض فتح الباب أمام انتقادات واسعة غذّتها أحزاب اليمين المتطرف، التي بات تأثيرها يتزايد داخل عدد من الدول الأوروبية.
المغرب يكرر سيناريو 2021؟
وتعتقد “إل إنديبندينتي” أن الرباط أعادت استخدام الأسلوب نفسه الذي لجأت إليه خلال أزمة عام 2021، عندما سمحت بعبور آلاف المهاجرين إلى سبتة عقب استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج. وبحسب الصحيفة، واصل المغرب آنذاك ضغوطه إلى أن غيّرت مدريد موقفها من قضية الصحراء الغربية، في خطوة اعتُبرت انتصاراً دبلوماسياً للرباط.
ما الذي يريده المغرب هذه المرة؟
وعلى الرغم من أن الدوافع الحالية لم تتضح بالكامل، فإن الصحيفة تشير إلى احتمال ارتباط الأزمة بعدة ملفات، من بينها اتفاقيات الغاز الأخيرة بين إسبانيا والجزائر، إضافة إلى مشروع قانون الجنسية الخاص بالصحراويين، الذي تعتبره الرباط ملفاً بالغ الحساسية. كما ترى الصحيفة أن المغرب يواصل استثمار هذه الأزمات لترسيخ موقفه بشأن سيادة سبتة ومليلية.
هل تتبع مدريد النموذج البولندي؟
وتدعو الصحيفة الحكومة الإسبانية إلى الاستفادة من التجربة البولندية خلال أزمة الحدود مع بيلاروسيا عام 2021، عندما نجحت وارسو في إقناع الاتحاد الأوروبي بأن ما يجري ليس أزمة هجرة عادية، بل عملية منظمة تستهدف زعزعة الاستقرار.
وبفضل هذا التوصيف، حصلت بولندا على دعم سياسي وقانوني واسع، وأعلنت حالة الطوارئ، وشيدت سياجاً حدودياً بطول 180 كيلومتراً، كما ساهمت في إدراج مفهوم “توظيف الهجرة” ضمن الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء.
مدريد تتجنب الصدام مع الرباط
وترى “إل إنديبندينتي” أن إسبانيا امتنعت حتى الآن عن استخدام هذا الإطار القانوني الأوروبي، خشية الدخول في مواجهة مباشرة مع المغرب. لكن الصحيفة تحذر من أن تجاهل مصدر الأزمة سيجعل شركاء مدريد يبحثون عن تفسيرات بديلة، مثل اعتبار سياسات تسوية أوضاع المهاجرين عامل جذب رئيسياً للهجرة.
استراتيجية طويلة الأمد
وتخلص الصحيفة إلى أن إسبانيا بحاجة إلى استراتيجية حدودية مستقرة لا تتغير بتغير الحكومات أو الدورات الانتخابية، مشيرة إلى أن التعامل مع كل أزمة باعتبارها حالة استثنائية يفتح الباب أمام تكرارها.
كما تؤكد أن الاتحاد الأوروبي عرض على مدريد دعماً مالياً وتقنياً، إلى جانب تعزيز دور وكالة فرونتكس في حماية الحدود الخارجية، إلا أن الدعم السياسي لا يزال أقل تماسكاً مما كان عليه خلال أزمة بولندا وبيلاروسيا.
وفي ختام تقريرها، ترى الصحيفة أن التحدي الحقيقي أمام إسبانيا لا يتمثل فقط في حماية سبتة ومليلية، بل في إقناع الاتحاد الأوروبي بأن ما يجري يتجاوز قضية الهجرة التقليدية، ويدخل في إطار ضغوط سياسية تستخدم البشر وسيلة لزعزعة الاستقرار داخل أوروبا.
اقرأ المزيد
هل تدفع إسبانيا ثمن مواقفها من غزة؟.. أزمة سبتة تتجاوز ملف الهجرة
أزمة سبتة تتصاعد.. اتهامات لإسرائيل وأميركا بعد عبور 60 ألف مهاجر من المغرب إلى إسبانيا
أوروبا تصعّد ضد مدريد.. أزمة سبتة تفتح ملف استبعاد إسبانيا من شنغن
إيطاليا تعلّق العمل باتفاق شنغن مع إسبانيا على خلفية أزمة الهجرة في سبتة

