وطن-لم تعد فكرة قراءة الأفكار أو التواصل المباشر بين الدماغ والحاسوب حكرًا على أفلام الخيال العلمي، بل أصبحت واقعًا يتقدم بسرعة مدفوعًا بالتطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والواجهات العصبية. وفي ظل هذا التحول، برز مفهوم “الحقوق العصبية” بوصفه أحد أهم الملفات القانونية والأخلاقية التي يعمل عليها خبراء التكنولوجيا والحكومات والمنظمات الدولية لحماية خصوصية العقل البشري.
وقالت صحيفة “إل إنديبندينتي” الإسبانية إن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة تُعرف بـ”عصر الحقوق العصبية”، حيث لم يعد النقاش يدور حول إمكانية قراءة النشاط الدماغي مستقبلاً، بل حول كيفية تنظيم هذه التقنيات قانونيًا قبل أن تصبح جزءًا من الحياة اليومية.
نيورالينك.. بداية عصر الدماغ المتصل بالحاسوب
أشارت الصحيفة إلى أن شركة نيورالينك، التي أسسها رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك عام 2016 بالتعاون مع مجموعة من علماء الأعصاب والمهندسين، تهدف في مرحلتها الأولى إلى تطوير واجهات تربط الدماغ بالحاسوب لعلاج الأمراض العصبية الخطيرة، مثل الشلل ومرض التصلب الجانبي الضموري.
أما الهدف البعيد، بحسب ماسك، فهو تحقيق نوع من “التكامل” بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، حتى لا يتخلف العقل البشري عن التطور المتسارع للآلات الذكية.
وفي يناير 2024، تلقى الأمريكي نولاند أربو أول شريحة دماغية من نيورالينك، وأصبح قادرًا على تحريك مؤشر الحاسوب والقراءة والعمل والألعاب باستخدام التفكير فقط، دون الحاجة إلى استخدام يديه.
وأضافت الصحيفة أن نحو عشرين شخصًا حصلوا على هذه الزراعة العصبية ضمن التجارب السريرية حتى مطلع عام 2026، بينما تستعد الشركة للانتقال إلى مرحلة الإنتاج الصناعي، مع الاعتماد بشكل متزايد على الروبوتات الجراحية في عمليات الزرع.
“ميتا” تطور تقنية لكتابة الأفكار دون جراحة
ولفتت إل إنديبندينتي إلى أن التطور لم يعد يقتصر على الشرائح الدماغية. فقد كشفت شركة ميتا عن نظام يحمل اسم “برين تو كويرتي”، يستطيع إعادة تكوين الكلمات والجمل انطلاقًا من النشاط الدماغي، باستخدام مجسات خارجية فقط، من دون الحاجة إلى أي عملية جراحية.
ويعتمد النظام على التقاط المجالات المغناطيسية التي يصدرها الدماغ عندما يفكر الإنسان في الكتابة، ثم تحويلها إلى نصوص بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي.
اليابان والصين تدخلان سباق قراءة الأفكار
وفي اليابان، طوّر باحثون في مختبرات علوم الاتصال التابعة لشركة إن تي تي نظامًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لتحويل النشاط الدماغي إلى أوصاف مكتوبة لما يشاهده الإنسان.
أما في الصين، فقد أعلن باحثون في الأكاديمية الصينية للعلوم عام 2026 عن نظام يجمع بين تخطيط كهربائية الدماغ، والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، والنماذج اللغوية الحديثة، بهدف ترجمة النشاط العصبي إلى نصوص مكتوبة بطريقة أكثر طبيعية.
وترى الصحيفة أن هذه المشاريع تؤكد أن السباق العالمي لم يعد يقتصر على الولايات المتحدة، بل يشمل أيضًا اليابان والصين، في منافسة محمومة لفهم الدماغ البشري وربطه بالحاسوب.
هل تستطيع هذه التقنيات قراءة الأفكار؟
وعلى الرغم من هذا التقدم، يؤكد الباحثون أن الأنظمة الحالية لا تستطيع قراءة الأفكار أو المشاعر المعقدة بصورة كاملة، وإنما تقتصر على مهام محددة، مثل استنتاج الكلمات التي يحاول الشخص كتابتها أو وصف ما يراه.
لكن الخبراء يحذرون من أن الفجوة بين “قراءة نية الحركة” و”قراءة النية البشرية” أصبحت تتقلص عامًا بعد عام.
من الخيال العلمي إلى الواقع
وأشارت الصحيفة إلى أن الكاتب الأمريكي إسحاق أسيموف تنبأ منذ أربعينيات القرن الماضي بإشكالية قراءة الأفكار في قصته الشهيرة “الكذاب!”، التي تناولت روبوتًا أصبح قادرًا على معرفة ما يدور في عقول البشر.
كما استحضرت رواية “تقرير الأقلية” للكاتب فيليب ك. ديك، التي ناقشت فكرة التنبؤ بالجرائم قبل وقوعها، وهو نقاش بات أكثر واقعية مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
الذكاء الاصطناعي والأمن
وأوضحت الصحيفة أن تقنيات التنبؤ بالجرائم تُستخدم منذ سنوات في بعض الأجهزة الأمنية، من خلال تحليل البيانات والسلوكيات لرصد المناطق أو الأشخاص الأكثر عرضة لارتكاب الجرائم.
كما تعتمد بعض أجهزة الاستخبارات على تقنيات معالجة اللغة الطبيعية لتحليل الخطابات المتطرفة في شبكات التواصل الاجتماعي، إلا أن هذه الأنظمة تواجه تحديًا كبيرًا يتمثل في ارتفاع معدلات الإنذارات الكاذبة، ما يثير مخاوف تتعلق بالحريات الفردية.
ما هي الحقوق العصبية؟
أمام هذا التطور، ظهر مفهوم الحقوق العصبية لحماية الإنسان من إساءة استخدام بياناته الدماغية.
وتشمل هذه الحقوق:
- الحق في الخصوصية العصبية.
- حماية الهوية الشخصية.
- حرية الإرادة واتخاذ القرار.
- ضمان الوصول العادل إلى التقنيات العصبية.
- الحماية من التمييز القائم على البيانات العصبية.
تشريعات جديدة لحماية العقل
وبيّنت إل إنديبندينتي أن المحكمة العليا في تشيلي أصدرت عام 2023 أول حكم قضائي في العالم يتعلق بالبيانات العصبية، بعدما اعتبرت أن معلومات الدماغ تستحق حماية قانونية خاصة.
كما كانت تشيلي أول دولة تُدرج الحقوق العصبية في دستورها، بينما تعمل المكسيك على إعداد قانون خاص بالتقنيات والحقوق العصبية.
أما في إسبانيا، فقد أدرج ميثاق الحقوق الرقمية التقنيات العصبية ضمن الحقوق الرقمية الحديثة، كما بدأت الوكالة الإسبانية لحماية البيانات إعداد أطر قانونية لحماية البيانات العصبية.
سباق التشريعات يسبق التكنولوجيا
وأكدت الصحيفة أن شركات مثل نيورالينك وميتا والمختبرات اليابانية والصينية تتقدم بوتيرة أسرع بكثير من التشريعات، الأمر الذي يجعل السنوات المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.
ويحذر خبراء القانون والتكنولوجيا من أن البيانات العصبية قد تصبح خلال سنوات قليلة واحدة من أكثر الأصول قيمة وحساسية في الاقتصاد الرقمي، وهو ما يجعل إقرار تشريعات واضحة لحماية العقل البشري ضرورة ملحة قبل أن تصبح قراءة النشاط الدماغي جزءًا من الحياة اليومية.
اقرأ المزيد
استقالة مفاجئة لمدير مركز معايير وابتكار الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة بعد 3 أشهر من تعيينه
هل اغتال الموساد عالم الذكاء الاصطناعي الإيراني علي إحسانيان في فرنسا؟ تفاصيل الوفاة الغامضة
كيف يحول الذكاء الاصطناعي الشركات الناشئة إلى إمبراطوريات؟ أسرار رفع الإنتاجية وتقليل التكاليف

