وطن-قالت صحيفة “إل إندبندينتي” الإسبانية إن محاكمة نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس أمام محكمة في نيويورك، بتهم تتعلق بـ«الإرهاب المرتبط بالمخدرات» وتهريب الكوكايين، ستبدأ في الأول من يونيو 2027، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات داخل الولايات المتحدة وخارجها حول مصير عائدات النفط الفنزويلي بعد سيطرة واشنطن على جزء كبير من إدارتها منذ توقيف مادورو مطلع يناير الماضي.
وبحسب الصحيفة، فإن النفط بات مفتاح المشهد السياسي والاقتصادي في فنزويلا، بعدما تحولت البلاد، عملياً، إلى ما يشبه «المحمية» الأميركية منذ اعتقال مادورو في 3 يناير، في عملية عسكرية أميركية داخل كراكاس. وتشير الصحيفة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وجد في ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو السابقة والرئيسة المؤقتة لفنزويلا حالياً، حليفة مستعدة للقبول بشروط واشنطن.
وأضافت “إل إندبندينتي” أن الولايات المتحدة اعترفت بحصانة ديلسي رودريغيز بصفتها رئيسة لفنزويلا، بينما مثل مادورو، الأربعاء، للمرة الثالثة أمام محكمة نيويورك في القضية الجنائية المفتوحة ضده. وفي الوقت ذاته، قدرت صحيفة فاينانشال تايمز أن إدارة ترامب حصلت على أكثر من 13 مليار دولار من مبيعات النفط الفنزويلي منذ تدخلها في إدارة العائدات.
وتكتسب عائدات النفط أهمية استثنائية في فنزويلا، إذ تمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وكان من المتوقع أن يؤدي رفع العقوبات المنتظر إلى إنعاش الاقتصاد الفنزويلي، لكن ذلك لم يحدث، وفق ما أوردته الصحيفة الإسبانية، بل ازدادت الأوضاع سوءاً بعد الزلازل التي ضربت البلاد في 24 يونيو الماضي.
وكشفت “إل إندبندينتي”، نقلاً عن تقديرات وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، أن نحو 59 ألف مبنى تضررت جراء الزلازل، فيما تحتاج فنزويلا وحدها إلى ما بين 10 و20 مليار دولار للتعامل مع آثار الكارثة وإعادة الإعمار.
وقال الخبير الاقتصادي خوسيه مانويل بوينتي، الأستاذ في معهد الدراسات العليا للإدارة في كراكاس والأستاذ المشارك في جامعة IE بمدريد، للصحيفة الإسبانية: «لم تكن هناك شفافية ولا مساءلة. هذا المال هو مال الفنزويليين وهم بحاجة إليه، خصوصاً بعد الزلازل. إنها حالة طوارئ وطنية لشعب عانى كثيراً من التشافيزية ثم من الزلزال. يجب أن تمتلك فنزويلا استقلالية في تحديد كيفية استخدام هذه الأموال لمساعدة الناس».
وبعد ستة أشهر من سيطرة الولايات المتحدة على جزء من الموارد المالية المرتبطة بالنفط الفنزويلي، يرى اقتصاديون أن مؤشرات التعافي لا تزال محدودة للغاية. وذكرت “إل إندبندينتي” أن التضخم عاد للارتفاع في يونيو، وأن معدله الشهري بلغ نحو ضعف متوسط التضخم في أميركا اللاتينية.
وأضاف بوينتي في تصريحاته للصحيفة: «الوضع درامي. الفنزويليون أصبحوا أكثر فقراً من أي وقت مضى بعد سبع سنوات من الركود والتضخم المفرط، وهذا يضرب الفئات الأضعف بقوة. كانت لدي ملايين البوليفارات في حسابي وتبخرت. الأسعار ترتفع بأكثر من 10% شهرياً».
وبحسب الصحيفة الإسبانية، قدمت واشنطن روايات متضاربة بشأن كيفية التصرف في الأموال الناتجة عن مبيعات النفط الفنزويلي. وأقر دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة «تجني الكثير من المال» من النفط الفنزويلي، مشيراً إلى أنه هو من يسيطر على العائدات.
وأوضحت “إل إندبندينتي” أن نواباً أميركيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري بدأوا ممارسة ضغوط على الإدارة الأميركية لتوضيح مصير هذه الأموال. ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز عن النائب الديمقراطي البارز خواكين كاسترو قوله إن «غزو ترامب لفنزويلا دار منذ البداية حول النفط والسلطة والفساد، مع سيطرة إدارة ترامب على مليارات الدولارات من عائدات النفط الفنزويلي من دون شفافية أو ضمانات».
وقدرت فاينانشال تايمز الإيرادات المحتملة لفنزويلا من النفط اعتماداً على بيانات شحنات الخام الصادرة من البلاد منذ يناير، والتي جمعتها منصة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات النقل والشحن. وبحسب هذه الحسابات، فإن قيمة البراميل التي توافرت لها تقديرات سعرية مباشرة بلغت نحو 11.5 مليار دولار، بينما يرجح، وفق اتجاهات الأسعار التاريخية، أن تكون البراميل غير المسعرة قد رفعت الإجمالي إلى أكثر من 13 مليار دولار.
لكن الخبير الاقتصادي خوسيه مانويل بوينتي يرى، وفق ما نقلته “إل إندبندينتي”، أن الرقم الأقرب قد يكون في حدود 8 مليارات دولار. وفي المقابل، أنشأت الحكومة الفنزويلية موقعاً إلكترونياً لتتبع الإيرادات الناتجة عن مبيعات النفط التي تديرها الولايات المتحدة، إلا أن الموقع لا يتضمن سوى عملية واحدة: تحويل بقيمة 300 مليون دولار في مارس الماضي.
وتحت عنوان أزمة الإهمال في ظل الطوارئ، نقلت الصحيفة عن بوينتي قوله إن «الحكومة المؤقتة برئاسة ديلسي رودريغيز تتعرض لتقييم سلبي واضح. بعضنا ينظر بانتقاد شديد إلى موقف الحكومة الأميركية بسبب غياب الشفافية في إدارة الحسابات. إذا كانت واشنطن قد سيطرت على الموارد النفطية، وهو أمر مستهجن، فعليها أن تساعد البلاد في حالة الطوارئ حتى تتمكن من إعادة الإعمار».
وذكرت “إل إندبندينتي” أن الولايات المتحدة خصصت 386 مليون دولار للمساعدة في مواجهة الكارثة، كما أرسلت مئات الجنود إلى فنزويلا للمشاركة في جهود الإغاثة. وقال جون باريت، القائم بالأعمال الأميركي في كراكاس، إن «أموالاً من حسابات عائدات النفط خُصصت لهذه المبادرة المحددة لإعادة الإعمار»، لكنه لم يحدد قيمة هذه الأموال.
وانتقد بوينتي حجم الدعم الأميركي، قائلاً للصحيفة: «المساعدة التي قدموها، إذا ما قورنت بموارد القوة العالمية الأولى وبالانتشار التكنولوجي الذي رافق التدخل، تبدو ضئيلة. الولايات المتحدة قادرة على مساعدة فنزويلا، خصوصاً بعدما أصبحت تحتفظ بمواردنا. إذا أخذوا عائداتنا، فعليهم تحمل مسؤولية المشكلات».
وفي الجانب السياسي والقانوني، أفادت “إل إندبندينتي” بأن ديلسي رودريغيز أكملت أكثر من ستة أشهر في موقع الرئيسة المؤقتة، مشيرة إلى أن وزارة الاتصال الفنزويلية بدأت بالفعل حذف صفة «المؤقتة» من توصيف المنصب في بعض الخطابات الرسمية.
وترى الصحيفة الإسبانية أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتصرف كـ«حاكم عن بعد» في الملف الفنزويلي، لكن ترامب وروبيو يثقان في ديلسي رودريغيز. وتدلل الصحيفة على ذلك بطلبهما من وزارة العدل الأميركية ضمان حصانتها القضائية في دعوى مدنية مقامة ضدها في ولاية فلوريدا.
ومنذ 5 مارس الماضي، يعترف وزارة الخارجية الأميركية رسمياً بديلسي رودريغيز كرئيسة لدولة فنزويلا، ما يمنحها، وفق الموقف الأميركي، حصانة قضائية. وتواجه رودريغيز دعوى مدنية أمام محكمة المنطقة الجنوبية في فلوريدا بمدينة ميامي، تتعلق باتهامات مزعومة بالخطف والتعذيب وأعمال إرهابية مرتبطة بحكم التيار التشافيزي.
وبحسب ما أوردته وكالة إفي، طلبت إدارة ترامب في رسالة إلى الادعاء العام أخذ «الأهمية الخاصة» التي تمثلها القضية بالنسبة للولايات المتحدة في الاعتبار، والسعي إلى رفض الدعوى ضد رودريغيز، بالنظر إلى «التداعيات الكبيرة على السياسة الخارجية» التي قد تترتب على استمرارها.
وفي 15 يوليو، وبعد الرسالة التي أرسلتها وزارة الخارجية الأميركية، أمر القاضي بتعويض قدره 314 مليون دولار في القضية، إلا أن رودريغيز استُبعدت من الحكم، في حين شمل القرار مادورو ومسؤولين آخرين من النظام التشافيزي، وفق ما نقلته الصحيفة الإسبانية.
وفي المقابل، تراجع حضور نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في المشهد السياسي اليومي، بحسب “إل إندبندينتي”، رغم مثولهما أمام محكمة نيويورك. وقد حدد القاضي ألفين كيه. هيلرستاين موعد بدء المحاكمة في الأول من يونيو 2027، بعد اتفاق بين المدعين العامين ومحامي مادورو.
وكان مادورو وسيليا فلوريس قد اعتُقلا في يناير الماضي داخل أحد مقار إقامتهما في كراكاس خلال عملية عسكرية أميركية. وأعلنا براءتهما من تهم التآمر لارتكاب «الإرهاب المرتبط بالمخدرات» واستيراد الكوكايين، إلى جانب اتهامات أخرى.
ومن المنتظر، وفق الصحيفة، أن تركز المرحلة الأولى من المحاكمة على دفع محامي مادورو بأنه كان يتمتع بالحصانة بصفته رئيساً للدولة وقت توقيفه. غير أن وزارة الخارجية الأميركية تعتبره رئيساً غير شرعي، في حين تعترف حالياً بشرعية ديلسي رودريغيز، رغم أنها لم تُنتخب عبر صناديق الاقتراع، بل جاءت إلى موقعها بدعم مباشر من إدارة ترامب.
اقرأ المزيد
خيانة داخلية وراء اختطاف نيكولاس مادورو ودور نائبة الرئيس في العملية السرية
أين بوتين من سقوط مادورو؟.. حين تتخلّى موسكو عن حلفائها دائما
بعد سقوط مادورو وتهديد ترامب العلني… هل تصبح كولومبيا الهدف التالي؟
تسريبات “هندوراس غيت” تكشف مزاعم مخطط أميركي إسرائيلي لزعزعة استقرار حكومات يسارية بأميركا اللاتينية

